آراء و تحليلات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب: عزيزي المواطن: لا تفسد الإنجاز بشكواك!

تتجسَّد في معاناة المواطنين اليومية من ارتفاع الأسعار، وتراجع الدخول، وتزايد الضرائب، وتآكل الطبقة الوسطى، إلى الحدِّ الذي دفع البعض إلى وصف المرحلة الراهنة بأنَّها "الشدَّة المستنصرية الجديدة"

مشاركة:
حجم الخط:

أوهام الجمهورية الجديدة (4- 12)

وهم الحياة الكريمة

يُحكَى أن والياً أراد أن يعرف أحوال رعيته، فكلّف رجاله بإعداد تقرير عن مستوى سعادتهم.

وبعد أسابيع، عادوا إليه بأرقام مبهجة:

الفقر يتراجع، والخدمات تتحسن، والرضا العام يرتفع!

وبينما كان الوالي يحتفل، دخل رجل يشكو الجوع والمرض؛ تصفَّح الوزير التقرير، ثم قال للرجل في ثقة:

“أنت بخير وفقاً للمؤشرات”

أجابه الرجل: “لكني جائع”

فقال الوزير: “هذه مشكلة في إحساسك الشخصي، لا في الواقع العام”!

ربما لم تقع هذه الحكاية حرفيّاً، لكنها تلخص علاقة المواطن المصري بخطاب “الحياة الكريمة”

فالحكومة تخبره أنَّ حياته تحسنت، والأستاذ “أحمد موسى” يشرح له أسباب سعادته، والأساتذة: “الديهي”، و”شردي”، و”الحسيني” يثبتون له بالأرقام أنَّه يعيش زمناً غير مسبوق.

فإذا نظر إلى راتبه ومدرسته ومستشفاه ومائدة طعامه، ولم يجد الحياة نفسها، أصبح الخلل في إدراكه، لا في التقرير؛ وصارت معاناته قصوراً شخصياً في تذوّق الإنجاز، لا مسؤوليةً حكوميةً عن غياب أثره!

هذه المفارقة بين المواطن كما تصفه التقارير، والمواطن كما يعيش، ليست طرفةً عابرةً في الخطاب الرسمي، بل هي المدخل إلى فهم أحد أكثر أوهام “الجمهورية الجديدة” رسوخاً: وهم “الحياة الكريمة”

فقد تحوَّلت الفكرة خلال السنوات الأخيرة إلى أحد الأعمدة الرمزية للسردية الرسمية، وجرى تكثيفها في وسائل الإعلام على اختلاف أشكالها، حتى بدت كأنَّها حقيقة مكتملة لا وعداً قيد الاختبار.

غير أنَّ قراءة الواقع الاقتصادي والاجتماعي تكشف أنَّ الفجوة بين الخطاب والممارسة أوسع بكثير مما يوحي به المشهد الإعلامي المصري!

د. أيمن منصور ندا يكتب: حين يصبح الرئيس هو الجمهورية (2 – 12)

أيمن منصور ندا يكتب: وهم الجمهورية الجديدة! (3- 12)

وبصفة عامة، يمكن القول إنَّ هناك روايتين تتعلقان بالواقع، وبتقييم حياة المواطنين:

السردية الأولى، والرواية المسيطرة، على الخطابين الرسمي والإعلامي ترى أنَّ المواطن يعيش مرحلة غير مسبوقة من الرفاهية.

وأنَّ ما تحقق من مشروعات عملاقة وتنمية في البنية التحتية، يمثِّل طفرة تاريخية، وتطوراً غير مسبوق، ينبغي أن يقابلا بالامتنان لا بالانتقاد (على سبيل المثال، تصريحات رئيس الوزراء (يناير 2026):

“الدولة كانت متأخرة لعقود.. وقارنوا حالها في 2014 وحالها دلوقتي.. شوفوا كنا فين وبقينا فين.. ده عملنا طفرة ومئات المشروعات لخدمة المواطنين”)

أما السردية الثانية، والرواية المقابلة، فهي سردية المجتمع نفسه

وتتجسَّد في معاناة المواطنين اليومية من ارتفاع الأسعار، وتراجع الدخول، وتزايد الضرائب، وتآكل الطبقة الوسطى، إلى الحدِّ الذي دفع البعض إلى وصف المرحلة الراهنة بأنَّها “الشدَّة المستنصرية الجديدة” و”السنوات العجاف الجديدة”

بل وذهب آخرون إلى تسميتها “نكسة مدبولي” في إشارة إلى عمق الأزمة المعيشية التي يواجهها المواطن العادي!

ويعمل وهم “الحياة الكريمة” من خلال خمس عمليات إحلال متكررة، يتم في كل منها استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير:

تُستبدل الإعانة بالعدالة، والمشروع الزراعي بالأمن الغذائي، والأداة الإليكترونية بالتعليم الحديث، والحملة المؤقتة بالنظام الصحي، وصمت المجال العام بالاستقرار السياسي.

وفي كل مرة، يحل الجزء المرئي محل الكل الغائب، ويصبح الإعلان عن الوسيلة دليلاً على تحقق الغاية.

1) وهم “العدالة الاجتماعية الشاملة”:

تعدُّ العدالة الاجتماعية إحدى الركائز التي تقوم عليها سردية “الجمهورية الجديدة” إذ عادة ما يتم الإشارة إلى برامج الحماية الاجتماعية الواسعة المصاحبة لعملية الإصلاح الاقتصادي المستمر.

ويعتبر برنامج “تكافل وكرامة” على سبيل المثال، نموذجاً عملياً لتحقيق هذه العدالة، ولضمان حماية الفئات الأضعف في المجتمع.

ورغم نبل الغاية والمقصد، فإنَّ واقع الأرقام يكشف هشاشة هذا الادعاء، إذ إن البرنامج لا يرفع المستفيدين منه فوق خط الفقر، بل يبقيهم في حدوده الدنيا، كما أنَّ أثره الاقتصادي محدود.

إذ لا يتجاوز كونه أداة تخفيف مؤقَّتة للمعاناة أكثر من كونه سياسة كاملة وشاملة لمعالجة جذور الفقر، وأسباب عدم العدالة في التوزيع.

المشكلة الأكبر والأعمق في هذا الموضوع تكمن في أنَّ العدالة الاجتماعية المنشودة تُختَزل في برامج إعانات مالية، بينما تتجاهل السياسات العامة الأسباب البنيوية للفقر، مثل ضعف الإنتاجية الزراعية والصناعية، وتفاوت الدخول بين الريف والحضر، وهيمنة الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل الفقراء، وغيرها.

2) وهم “الاكتفاء الذاتي الغذائي”:

تتبنى الدولة المصرية في خطابيها الرسمي والإعلامي رواية تؤكد أنَّ “الجمهورية الجديدة” قد حقَّقت طفرة غير مسبوقة في الأمن الغذائي، وأنَّها باتت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الاكتفاء الذاتي من معظم السلع الغذائية الأساسية.

ويتم تسويق هذه الفكرة بوصفها أحد أعمدة “النهضة الزراعية” الحديثة.

غير أنَّ القراءة المتأنية لهذه الفكرة وللمؤشرات الدالة عليها، تكشف أنَّ هذا الخطاب يحمل قدراً كبيراً من المبالغة، وأنَّ الاكتفاء الذاتي المنشود هو حلم بعيد المنال خلال السنوات الحالية، وخلال المستقبل القريب في حال استمرار السياسات القائمة، والظروف الراهنة.

وما دامت الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك قائمة، والموارد المائية محدودة، فإنَّ الحديث عن اكتفاء وشيك يظل أقرب إلى بناء صورة إعلامية منه إلى وصف تحول زراعي مكتمل.

3) وهم “التعليم الحديث”:

تتبنى الدولة المصرية في خطابيها الرسمي والإعلامي سردية تؤكد أنَّ “الجمهورية الجديدة” تشهد ثورة حقيقية في مجال التعليم بمختلف مراحله، ويُستَدَل على ذلك بعدد الجامعات الجديدة، وعدد المدارس التي تم إضافتها، وبإدخال أدوات التعليم الإليكتروني، وإطلاق مشروعات تطوير المناهج لتتماشى مع “رؤية مصر 2030”

غير أنَّ النظرة المتعمِّقة تكشف أنَّ ما تحقَّق هو في معظمه تطوير شكليٌّ، لم يمس جوهر الأزمة التعليمية المزمنة، بل عمَّق الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي الذي يعيشه ملايين الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين.

ومع استمرار تدهور ترتيب مصر في مؤشرات التعليم، وتفاقم تكلفة التعليم على الأسر، يصبح الحديث عن “تعليم حديث” مجرد وهم تكنولوجي، يخفي أزمة عميقة تتطلب إصلاحاً مؤسسياً حقيقياً، لا مجرد تحديث شكليِّ في الأدوات والمظاهر.

4) وهم “النظام الصحي القوي”:

يُقَدَّم النظام الصحي المصري في خطاب “الجمهورية الجديدة” بوصفه أحد أكثر القطاعات نجاحاً وتطوراً في السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، يتم الاستشهاد بمبادرات مثل “100 مليون صحة”، والقضاء على “فيروس سي” باعتبارهما دليلاً على قدرة الدولة على تحقيق إنجازات طبية غير مسبوقة.

كما تُقدَّم هذه المبادرات في الخطابين الرسمي والإعلامي كرمز لقوة الدولة في حماية مواطنيها، وضمان “صحة كريمة” لهم.

غير أنَّ الصورة اللامعة تخفي وراءها واقعاً مغايراً، فبينما تمكَّنت بعض الحملات من تحقيق نتائج إيجابية متميزة، فإنَّ بنية النظام الصحي ما تزال تعاني من اختلالات عميقة وهيكلية تجعلها عاجزة عن الصمود أمام الأزمات الكبرى، أو توفير خدمات صحية وشاملة للمواطنين.

ويمكن القول بصفة عامة، إنَّ “الجمهورية الصحية الجديدة”، و”الحياة الصحية الكريمة” لا تزال أملاً بعيداً، وتظل وهماً خطابياً يتم ترويجه في الإعلام، بهدف ترسيخ صورة “الدولة القوية” بينما يواجه المواطن العادي واقعاً صحياً يزداد ضعفاً، وعبئاً، يوماً بعد يوم.

5) وهم “الأمن والاستقرار الكامل”:

يُقَدَّم مفهوم “الأمن والاستقرار” في خطاب الجمهورية الجديدة باعتباره أحد أعظم إنجازاتها، إذ يُصَّور أنَّ مصر قد تجاوزت تماماً مرحلة الاضطرابات التي عاشتها المنطقة بعد 2011، وأنَّها باتت دولة “مستقرة آمنة” تشكِّل نموذجاً في ضبط الأمن والسيطرة على التهديدات.

وتستخدم هذه السردية في تبرير سياسات التقييد السياسي، وإغلاق المجال العام، بدعوى الحفاظ على “إنجاز الاستقرار”

غير أنَّ تحليل الواقع الأمني والاجتماعي والسياسي، يظهر أنَّ هذا الاستقرار “هشٌّ” وأنَّ الأمن بمعناه الشامل لا يتحقق فقط بغياب التظاهرات أو بسيطرة الأجهزة بإحكام على مفاصل الدولة، ولا بإسكات المعارضة، وتقييد حرية التعبير، بل يرتبط أساساً بإرساء دولة القانون، وبوجود عدالة اجتماعية، وتوزيع متوازن للثروة، وضمان حرية التعبير، وبوجود مؤسسات فعالة، ومشاركة سياسية حقيقية، وهي شروط لا تزال بعيدة المنال.

عاد الرجل في نهاية الحكاية إلى الوالي، يحمل تقرير السعادة في يد، وفاتورة علاجه في اليد الأخرى، وقال:

“لقد اقتنعت أنني سعيد وفقاً للأرقام، فهل تسمحون لي الآن بأن أعيش السعادة نفسها؟”

المشكلة ليست أن المواطن لا يدرك أنه يعيش حياةً كريمةً.

المشكلة أن الخطاب يريد منه أن يصدّق الشهادة، حتى لو غابت الحياة التي تشهد بها!

شارك المقال: