محمد مصطفي موسى يكتب: ما بين توفيق عكاشة وضياء العوضي (1-2)
عجبت! توفيق عكاشة له مؤيدون، يا أيتها السماء صبي لعنتك على الأغبياء، وتوقعت أن ألتقي برهط من السوقة والغوغاء محدودي التعليم، ممن تروق لهم "المأثورات العكاشية" على غرار أن البرادعي لا يصلح للرئاسة
ما الذي يجمع بين توفيق عكاشة وضياء العوضي
حدث ذلك إبَّان حكم المجلس العسكري الذي كلَّفه المخلوع مبارك “ذات نفسه” بإدارة شؤون البلاد، في مشهد يدفعنا دفعًا إلى طرح السؤال الوجودي على “الست الكُمَّل” مصر: بتعمليها ازاي؟
كنت قد تقدَّمت باستقالتي لبيتي الصحفي الأول “البيان” الإماراتية، مضحيًا براتب كبير وحياة مستقرة، لأرجع إلى مصر بعد غربة طويلة، تشدُّني نداءات من أحلام كبرى.
أحلام بوطن جدير بأن يخطو إلى المستقبل واثق الخطوة، بعد الخلاص من العجوز راعي الفساد والإفساد.
في صبيحة يوم خريفي، غادرت مسقط رأسي الإسكندرية مستقلًا القطار من سيدي جابر إلى رمسيس، لحضور اجتماع تحرير بصحيفة “الوطن” فقررت بعد أن فرغت من واجباتي الوظيفية أن أبيت ليلتي في بنسيون بوسط البلد، لكيلا أكون بمنأى عن ميدان التحرير الذي دأبت على التردد عليه مستمتعًا بالتسكع في جنباته والجلوس على أرصفته.
حينذاك كنت أحس أني أستنطق الشوارع والجدران ورسومات “الجرافيتي” عن ثورة مباركة لم أحظ بشرف المشاركة فيها، بيد أن قلبي تعلَّق بها منذ الصيحة الأولى: “عيش حرية عدالة اجتماعية”
قعدت على الرصيف. ارتدي سروال جينز داكنًا وقميصًا خريفيًا، أتأمل وجوه السابلة إذ تُشرق بالطموحات وتشعشع بالآمال.
أصغي إلى النقاشات الحارة بما يكتنفها من خلافات عميقة وتقاطعات أصيلة في الرؤى والأفكار والأيديولوجيات.
لا بأس، هذا وضع صحي، فالشعب الذي كان يخشى أن يتكلم أصبح يتكلم، وكما أن الحرب أولها الكلام، وفق مقولة شاعرنا العربي القديم، فإنَّ الوعي أيضًا أوله الكلام.
مشهد رأسي من ميدان التحرير
الحوارات ثورية حماسية، والمفردات تخرج من الأفواه حارقةً كزجاجات المولوتوف، والناس قد بلغوا من الحماسة منتهاها، لا شيءٌ حقيقيٌّ يجمع بينهم إلا كراهية النظام الساقط، وإيمانهم الواثق بأن الغد أفضل، لكن هل كان ذلك يكفي؟
سؤال مفتوح حتى اللحظة الراهنة، بجانب الكثير من الأسئلة التي يأبى الفاعلون من الشهود على لحظة الخامس والعشرين من يناير الإجابة عنها، والخطايا التي يرفضون الاعتراف بها.
على أي حال، ولكوني عشت ردحًا طويلًا من الزمن مغتربًا، كان يعنيني أن أسمع لكي أفهم، وقد تشكَّلت لدي حصيلة من الروايات عن أحداث الميدان إبان الأيام الثمانية عشرة الأعظم في تاريخنا الحديث، لدرجة أني فكَّرت في جمعها بكتاب تحت عنوان:
“حكايات شارع الثورة” غير أني سرعان ما ثبطت همتي، وذلك لعيب شخصي أقر به وأعترف، فحماستي قد تفتر بلا سبب، ورغبتي في عمل ما كثيرًا ما تبوخ، كما أن عائقًا خارجيًا حال دون ذلك، فالأحداث السياسية جرفتني في تياراتها، وكان أن غادرت “الوطن” إلى “الصباح” فمنحت التجربة الوليدة كل وقتي وأعصابي وصحتي.
ها أنا أمشي الهوينى في الميدان، أقف إزاء بائع الصحف فأبتاع كل ما على “الفرشة”. أقرأ العناوين مستبشرًا بسقف حرية التعبير غير المسبوق في تاريخ مصر، فأتنهد في ارتياح وحبور.
ذات لقاء بالزميل مجدي شندي قلت له:
إن انتزاع مكتسبات الصحافة في مجال الحرية بعد الثورة، لن يُتاح لأي حاكم مستقبلي مهما كان ديكتاتورًا ظلاميًا.
أظن أن الصحفيين سيعضون على هذه الحرية بالنواجذ والأنياب، فهز رأسه قائلًا: عندك حق.
محمد مصطفى موسى يكتب: نُورانيَّات العارف بالله ضياء العوضي
كنتُ حالمًا وهذا من عيوبي الأخرى.
الشمس تلملم خيوطها في سبيلها إلى الرحيل، والنسيم النيلي يهفهف وادعًا، ومذاق البطاطا المشوية على الحطب يحيلني إلى ذكريات الطفولة.
هذه مفردات مصر أو قل مفردات من مصر التي حرمتني إياها سنوات الغربة، وكم كان حنيني لها يكوي أضلعي.
فجأةً حدث هرج ومرج، وانتفض الشباب يتنادون فيهرلون إلى حيث السفارة الأمريكية، وعلى وجوههم بدت سيماء الغضب.
ماذا هنالك؟ سألت، أنا الغريب الذي لم يفهم بعد أن الميدان قد يشتعل في لحظة، وينطفئ في لحظة.
قال الشباب إن مؤيدي توفيق عكاشة يتقاطرون على الميدان، وهم يعتزمون التظاهر دعمًا للمجلس العسكري، وتعبيرًا عن رفضهم للثورة التي أريقت فيها دماء أصحابهم، وأقسموا أنهم لن يسمحوا بذلك إلا على جثامينهم.
هتفوا: لن يُنجس هؤلاء الأرض التي شربت الدم حتى الثمالة.
حثثت خطاي إلى الجهة الثانية لأستقبل مؤيدي عكاشة، متوجسًا من هاجس أن يريق مصري دم مصري، وراغبًا في أن أفهم ما يعشش في أدمغة هؤلاء.
تعجبت! توفيق عكاشة له مؤيدون، يا أيتها السماء صبي لعنتك على الأغبياء، وتوقعت أن ألتقي برهط من السوقة والغوغاء محدودي التعليم، ممن تروق لهم “المأثورات العكاشية” على غرار أن البرادعي لا يصلح للرئاسة لأن خبراته السابقة في إدارة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لم تشتمل على “استراتيجيات تزغيط البط” وكم يكلف طعام الذكر من هذا الطائر الأكول في اليوم الواحد، وكذلك كم عودًا في حزمة الجرجير.
هؤلاء هم مؤيدو عكاشة.. يا لها من مفارقة
وجدت إزاءي بضع عشرات من المتجمهرين، لا يشكلون خطرًا، لن يجرؤوا على ارتكاب حماقة الاشتباك مع الشباب في الميدان.
ميزان القوى ليس في صالحهم، بقي أن أردهم ردًا جميلًا، عبر إقناعهم أن لا جدوى من فعل قد يستدر الندم والأسى، وبوسعهم التعبير عن مواقفهم السياسية في أي ميدان آخر.
لمست منهم استجابة، لكن وابلًا من الحجارة انهال من الجهة المقابلة، تقهقرتُ، فما أنا بِعُكاشي حتى يبطحني حجر فيطرحني أرضًا، ليست معركتي وهؤلاء ليسوا مني ولست منهم.
لم تستغرق الاشتباكات وقتًا طويلًا، سرعان ما آثر الجمعان “وقف إطلاق الطوب” فشرعت أدنو إلى مؤيدي عكاشة ثانية، تحدوني رغبة الصحفي في التعرف عليهم.
كانت الملاحظة البصرية الأبرز أن غالبيتهم ينتمون إلى الفئة العمرية ما بين الأربعين والخمسين، لعنت العواجيز الذين أصبحت اليوم منهم، لقد أخَّرونا إذ سكتوا ثلاثين عامًا على فساد المخلوع وزبانيته.
وماذا عن مستواهم التعليمي؟
قابلت خريجي كليات قمة؛ طب وهندسة وصيدلة وعلوم سياسية.
كيف اقتنع هؤلاء الذين يعدون من النخبة بأحاديث عكاشة التي نصفها خرافة ونصفها هذيان؟
جاذبت رجلًا خمسينيًا ترتسم على محياه سيماء الوقار، أطراف الحديث عسى أن أحظى بتأويل لنزوله مظاهرة تأييدًا لهذا “العكاشة” كانت الصدمة المزلزلة أنه يحمل شهادة الدكتوراة في الأدب المقارن.
الأدب المقارن مرةً واحدة، يا دين النبي.
أينما تولي وجهك سترى أقوامًا يؤمنون بدجَّال يروج خرافة لا تصمد ثانيةً إن أخضعوها للعقل، وهذه ظاهرة لا تقتصر على المجتمعات التي يشيع فيها الجهل والفقر، بل تنتشر في جميع الطبقات والمجتمعات.
في حديثه معي شرح لي ذاك “العكاشيُّ” أن تحذيرات عكاشة من سقوط مصر في سيناريوهات الفوضى، تدفعه إلى تصديقه مستشهدًا بأن الأحوال الإقليمية في حالة سيولة تستدعي الحذر.
كان في غاية الاضطراب، إنَّ الخوف عطَّل عقليته النقدية التي أهلته للقبه العلمي المرموق.
إذا تمعنت في سلوكيات أنصار حركة لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا “ماجا” لن يغيب عنك أنهم يقتفون دجالًا يدعى دونالد ترامب، بذرائع منها التخويف من المهاجرين الذين سيسقطون الحضارة الأمريكية.
هذا مثال صارخ على الشعوذة السياسية في البلد الذي يوصف بأنه يقود العالم المتحضر، شعوذة صنعها وازع الخوف لا الجهل.
على أن اللافت للانتباه أن السياسة ليست أكثر مجالات الشعوذة رواجًا، إذ تأتي بعد الشعوذة تحت ستار الدين، والشعوذة تحت ستار الطبابة، وكثيرًا ما يختلط هذا بتلك فيغدو أصحاب السلطة الدينية معالجين يقصدهم الناس من كل فج عميق.
منذ القبائل البدائية في الغابات، كان الساحر يستأثر بالسلطة الدينية، وهو المخوَّل بعلاج المرضى، وكان المرض غالبًا ما يُفسر بفعل الأرواح الشريرة، وهو مفهوم تطوَّر لاحقًا ليغدو من أثر مس العفاريت، والغريب أن البشرية لم تتخلص من هذه الهرطقة في عصر الذكاء الاصطناعي.
حتى اليوم نرى في أرقى الطبقات تعليمًا مؤمنين بأن البنت لم تتزوج لأن جنًّا عاشقًا “يلبسها” هذا رغم أن هذه البنت تُنفِر الخُطَّاب بسوء أدبها وسلاطة لسانها وعبوس وجهها الذي يقطع الخميرة من البيت.
الاعتماد على تفسير غيبي لما يُستغلق على العقول أمر مريح، يهدئ خواطر البشر، ويُطفئ الظنون التي تتضرم في صدورهم.
الشيخ فلان سره باتع يفك المربوط، لكن هذا المربوط لا يريد مَنْ يفكه بقرع الدفوف وطرق الطبول وذبح ديك أعور يتيم، بل يحتاج مثلًا إلى محفزَّات من المكملات الغذائية لرفع مستوى هرمون التستوستيرون، أو تنفيذ بروتوكول لعلاج اعتلالات غدة البروستاتا، وأحيانًا تستدعي الحالة علاجًا نفسيًا لا عضويًا. لا يا سيدي إنه مربوط.
هلمَّ إلى الشيخة فلانة لكي ترقي المرأة التي لم تنجب ليثمر رحمها عن صبيان وبنات، وتعيش مع بعلها في سكر ونبات، وإياك ثم إياك أن تقول إن علتها ترجع إلى ورم ليفي في الرحم، أو انسداد في القنوات أو مشكلة هرمونية.
هذا من كلام الأطباء الذي لا “بيقدم ولا يؤخر” مع الاعتذار لجورج وسوف الذي كان يقصد كلام الناس، لا الأطباء الذين ثبت بالدليل القاطع أنه كان يحترمهم، حتى أنه غنى: طبيب جراح.
وللحديث صلة.
وصف الحالة النفسيه والعقليه لأفعال البشر ممكن يجيب لك أكتئاب ،عكاشه وأتباعه مثال علي ذلك ،لكني أعتقد يقينا” ان العوكش أراجوز .