علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
أحمد علام
أحمد علام

كاتب وسياسي

أحمد علام يكتب: العولمة ذات الباب الواحد

استراتيجية الاتحاد الأوروبي المعلنة في يناير 2026 تجمع بين مكافحة الهجرة غير النظامية والتهريب، وحماية الفارين من الحروب والاضطهاد، وجذب المواهب لتعزيز تنافسية الاقتصاد

مشاركة:
حجم الخط:

المال يعبر والإنسان يُمنع

من تاتشر وريغان إلى ترامب وفون دير لاين، تغيّرت لغة الغرب الاقتصادية، لم يعد السؤال كيف نحرّر السوق فحسب، بل كيف نحمي الصناعة والمجتمع والحدود من بعض نتائج تحريره.

لكن المفارقة أن القيود التي تعود أمام البشر لا تعود بالدرجة نفسها أمام رأس المال.

في سبعينيات القرن الماضي، واجهت الرأسمالية الغربية أزمة تضخم وبطالة وتباطؤ نمو، بدت معها التسوية التي جمعت بين السوق ودولة الرفاه والنقابات القوية عاجزة عن تقديم إجاباتها القديمة.

في هذه اللحظة صعدت مارجريت تاتشر في بريطانيا سنة 1979، ثم رونالد ريغان في الولايات المتحدة سنة 1981، حاملَين مشروعًا لإعادة تنظيم الرأسمالية:

تحرير الأسواق، وتقليص القيود على الشركات، والخصخصة، وإضعاف نفوذ النقابات، ومنح رأس المال مجالًا أوسع للحركة.

لم تكن النيوليبرالية مشروعًا لإلغاء الرأسمالية، بل محاولة لإنقاذها من أزمتها بإعادة توزيع القوة داخلها وتصدير أزماتها إلى الأطراف.

أحمد علام يكتب: إلى أي جذور نعود؟ مزيج الحضارة

كانت كلفة الانتقال شديدة في المدن الصناعية

ففي بريطانيا ارتفعت البطالة إلى 12% سنة 1984، ولم يكن ذلك نتيجة سياسة واحدة، فقد تداخل الركود والتضخم وإعادة الهيكلة والتغير الصناعي.

لكن الأرقام تكشف حجم ما واجهته مجتمعات اعتادت أن تبني مستقبلها حول العمل المستقر.

جاء إضراب عمال الفحم بين 1984 و1985 ليصبح رمزًا للصراع على طبيعة المجتمع الجديد، لم يكن المنجم ينتج الفحم فقط؛ كان ينظم المدينة والسكن والنقابة والعلاقات الاجتماعية.

وعندما أُغلق، لم يفقد العامل راتبه وحده؛ فقدت مناطق كاملة مركزًا كانت تدور حوله حياتها.

ما بدا إصلاحًا اقتصاديًا من موقع الحكومة والشركة، عاشته مجتمعات بوصفه تفككًا لطريقة حياتها

ثم انتهت الحرب الباردة، وتحول تحرير السوق من علاج لأزمة داخلية إلى تصور للنظام العالمي.

توسعت التجارة والاستثمارات وسلاسل الإنتاج، وانخفضت أسعار سلع كثيرة، واستفادت اقتصادات آسيوية من التصنيع والتصدير. لكن المكاسب لم تتوزع بالتساوي.

كان المستهلك يستطيع شراء سلعة أرخص، بينما يفقد العامل الذي يشتريها وظيفته. وكانت الدولة قد تصبح أغنى في مجموعها، بينما تفقد مدينة صناعية قدرتها على البقاء.

والأهم أن بعض الدول التي استقبلت المصانع لم تبقَ مجرد مواقع للعمل الرخيص.

فقد استخدمت الصين اندماجها في الاقتصاد العالمي لبناء قاعدة صناعية وتكنولوجية منافسة، وسلكت الهند مسارًا مختلفًا مستفيدة من سوقها الضخمة وقدراتها البشرية. وهكذا اكتشف المركز الغربي أن العولمة لا تنقل الأرباح فقط؛ إنها قد تنقل القدرة أيضًا.

العالم الذي خرج إليه الغرب اقتصاديًا عاد إليه منافسًا.

خلال رئاسة جورج بوش الابن تراكمت أزمة أخرى، انشغلت الولايات المتحدة بالحروب ومشروع إعادة تشكيل مناطق من العالم، بينما واصلت العولمة المالية عملها.

ثم جاءت الأزمة المالية سنة 2008 لتكشف مفارقة كبرى: الدولة التي طُلب منها الانسحاب من الاقتصاد أصبحت مطلوبة لإنقاذ مؤسساته المالية.

منذ ذلك الوقت توالت محاولات التصحيح دون أن يستقر نموذج بديل واحد: إنقاذ مالي، وتقشف، واحتجاجات، وشعبوية، ورسوم تجارية، وسياسات صناعية، وحديث متجدد عن الحدود والسيادة.

هنا يصبح ترامب وفون دير لاين مفهومين داخل السياق نفسه، رغم اختلافهما السياسي.

ففي خطاب حالة الاتحاد الأوروبي يوم 16 سبتمبر 2026، تحدثت فون دير لاين عن تراجع الصناعة الأوروبية، والاختلال التجاري مع الصين، والاعتماد الخطير على الخارج في المواد الخام، ودعت إلى بناء مخزونات وقدرات إنتاجية أوروبية.

لكنها دافعت أيضًا عن السوق الموحدة (داخل الاتحاد الأوربي) واتفاقات التجارة الحرة. وفي الولايات المتحدة، أعاد شعار «أمريكا أولًا» ربط التجارة بالصناعة والعمل والأمن القومي.

هل يعني ذلك نهاية الرأسمالية أو السوق؟  أم إن الدول التي قادت العولمة بدأت تسأل عما ينبغي ألا تتركه للسوق وحده؟

لكن استعادة الحدود أمام السلع والاستثمار ليست الوجه الوحيد للتحول.

هناك حدود أخرى أصبحت أشد حضورًا: حدود البشر.

كان الوعد الكبير للعولمة عالمًا أقل حدودًا، تنتقل فيه السلع والأموال والتكنولوجيا والمعلومات والبشر بحرية أكبر. لكن حرية حركة العامل الفقير لم تتساوَ أصلًا مع حرية رأس المال، وأصبح هذا الاختلال اليوم أكثر وضوحًا.

فالمال مطلوب أن يعبر الحدود، والشركات مطلوبة أن تعمل عبر القارات، وسلاسل الإنتاج مطلوبة أن تبقى عالمية. أما الإنسان فأصبح موضع فرز بحسب جنسيته ومهارته ووضعه القانوني والحاجة الاقتصادية إليه.

هذه ليست نهاية العولمة، إنها عولمة انتقائية

عندما تحرك البشر وراء العمل والتعليم والأمان، لم يصلوا إلى أوروبا بوصفهم «أيدي عاملة» فقط. وصلوا حاملين أسرهم ولغاتهم وأديانهم وذاكرتهم.

ويمكن للإنسان أن يندمج اقتصاديًا وقانونيًا دون أن يتخلى عن هويته الثقافية.

هكذا عادت آثار العولمة إلى المركز في صورتين متزامنتين: منافس صناعي من الخارج (الصين والهند)، ومجتمع أكثر تنوعًا في الداخل.

لا تفسر الهجرة وحدها صعود اليمين، كما لا يصح جعل المهاجر سببًا لأزمات السكن والخدمات والعمل.

لكنها أصبحت الوجه المرئي الذي تتجمع حوله مخاوف أقدم وأوسع، فالمصنع الذي انتقل إلى الخارج لا يراه المواطن يوميًا؛ أما المهاجر فيراه في الشارع والمدرسة والحي.

المفارقة أن أوروبا، وهي تشدد إدارة حدودها، لا تريد وقف الهجرة أصلًا.

فاستراتيجية الاتحاد الأوروبي المعلنة في يناير 2026 تجمع بين مكافحة الهجرة غير النظامية والتهريب، وحماية الفارين من الحروب والاضطهاد، وجذب المواهب لتعزيز تنافسية الاقتصاد.

كما تسعى إلى تسهيل الإجراءات للباحثين والطلاب وأصحاب المهارات المطلوبة.

إذن لا يقول المركز: (لا نريد حركة البشر) 

بل يقول عمليًا:

نريد الطبيب والمهندس والباحث والعامل الذي نحتاج إليه، لكننا نريد أن نحدد نحن من يدخل ومتى وبأي شروط.

ولم تعد الحدود الأوروبية تقف عند شواطئ إيطاليا واليونان وإسبانيا. أخذ جانب من إدارتها يتحرك جنوبًا عبر شراكات مع دول المنشأ والعبور.

ففي مارس 2024 وقّع الاتحاد الأوروبي ومصر شراكة استراتيجية شاملة بحزمة مالية قدرها 7.4 مليارات يورو للفترة 2024–2027، منها 200 مليون يورو لإدارة الهجرة. وتشمل الشراكة الاقتصاد والاستثمار والأمن وتنمية المهارات، و ضبط الحركة البشرية أصبح أحد مكوناتها المعلنة.

من المنظور الأوروبي، ترتبط هذه الشراكات بمكافحة التهريب وتنظيم الانتقال وفتح مسارات قانونية. ومن منظور آخر، يمكن وصفها بأنه نقل بعض وظائف الحدود الأوروبية إلى الجنوب.

بدل أن يبدأ فرز المهاجر عند وصوله، يُراد أن يبدأ قبل مغادرته بلد المنشأ أو العبور.

هنا تظهر مفارقة جديدة: الدولة الجنوبية مطالبة بأن تكون خاضعة لشروط رأس المال الأجنبي، وقادرة في الوقت نفسه على ضبط حركة البشر الذين يريدون الوصول إلى الأسواق الأغنى.

حرية الشركة في البحث عن موقع أفضل للإنتاج أوسع من حرية العامل في البحث عن أجر أفضل.

ليست كل دول الجنوب في الموقع نفسه

فالصين والهند امتلكتا، بدرجات ومسارات مختلفة، حجمًا سوقيًا وقدرات مؤسسية سمحت لهما باستخدام الانفتاح لبناء قوة ذاتية. أما اقتصادات أخرى استسلمت لشروط القروض والاستثمارات الخارجية.

توضح الأرقام استمرار هذا التفاوت، فقد بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي نحو 1.6 تريليون دولار سنة 2025، لكن الاقتصادات العشرين الأكبر استقبالًا استحوذت على أكثر من 80% منه.

كما أن تدفق المال لا يعني تلقائيًا بناء مصانع أو نقل تكنولوجيا أو خلق وظائف؛ فالأهم ما القدرة التي يتركها الاستثمار وراءه.
وهنا نصل إلى السؤال الحقيقي لدول الجنوب.

ليست القضية رفض الاستثمار الأجنبي، أو اعتبار الهجرة خيرًا مطلقًا أو شرًا مطلقًا.

القضية هي شروط الاندماج في الاقتصاد العالمي: هل تبني الدولة قدراتها الإنتاجية والمعرفية، أم تظل مجرد سوق وموارد وعمالة تنتقل منها أفضل المهارات كلما احتاج إليها المركز؟

لقد بدأت النيوليبرالية بوعد إنقاذ الرأسمالية بتحرير السوق، وبعد عقود، تعود الدول التي قادت التحرير لتطالب بحق حماية مصانعها وحدودها وأمنها الاجتماعي، بينما يبقى انفتاح الجنوب أمام رأس المال مطلبًا حاضرًا.

ليست الحدود قد اختفت ثم عادت ببساطة، لقد جرى إعادة توزيع حرية عبورها.

السؤال لم يعد: هل تستمر العولمة أم تنتهي؟

بل: لمن تُفتح أبوابها، ومن يملك مفاتيحها، ومن يتحمل كلفة بقائها مفتوحة؟

إنها عولمة تقول لرأس المال: ابحث عن الفرصة أينما وجدت.

وتقول لدول الجنوب: أنتم عبيد احسناتنا.

المال يستطيع أن يجعل العالم سوقًا واحدة؛ أما الإنسان فما زال مطالبًا بأن يعرف مكانه فيه.
أحمد علام

شارك المقال:

شاركنا برأيك