علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
محمدفرحات
محمدفرحات

ناقد وقاص

محمد فرحات يكتب: نهلة البباوي حين يتكلم البيانو بلسان الشرق

نهلة كانت أذكى من ذلك، كانت تتعامل مع اللحن باعتباره كائنًا حيًا، ولذلك لم أشعر أنني أسمع «نسخة بيانو» من الأغنية، كنت أسمع الأغنية نفسها، لكن من نافذة أخرى

مشاركة:
حجم الخط:

جلست في مسرح قاعة الحكمة بساقية الصاوي، وأنا أعرف أنني بصدد حفلة موسيقية، لكنني بعد دقائق قليلة اكتشفت أن كلمة «حفلة» أصغر من أن تصف ما يحدث أمامي.

كانت هناك موسيقى، بالطبع

لكن كان هناك شيء آخر معها، شيء يشبه استعادة الذاكرة وهي ترتدي ثوبًا جديدًا.

جلست الفنانة والبيانست المصرية نهلة البباوي خلف البيانو، ومنذ اللحظة الأولى بدا واضحًا أن البيانو لن يكون مجرد آلة موسيقية تؤدي ألحانًا محفوظة، وإنما سيكون بطل الأمسية الحقيقي.

وهنا تحديدًا بدأت الحكاية.

أنا شخصيًا لدي مشكلة مع فكرة إعادة تقديم الأغاني القديمة. أخشى دائمًا أن يتحول التجديد إلى جريمة كاملة الأركان بحق الذاكرة:

يأخذون اللحن الذي أحببناه، يضعونه في ثلاجة التوزيع الموسيقي الحديثة، ثم يقدمونه إلينا ويطلبون منا أن نصفق لأنهم «جددوه».

لكن نهلة البباوي فعلت شيئًا مختلفًا، هي لم تتعامل مع التراث الغنائي باعتباره شيئًا مقدسًا لا يجوز الاقتراب منه، ولا باعتباره شيئًا قديمًا ينبغي التخلص منه حتى نثبت أننا عصريون.

كانت تفعل ما أراه أصعب من الاثنين: تحاور الأصل.

تضمن البرنامج إعادة صياغة عدد من الأغنيات والألحان الخالدة؛ من بينها «ليه يا قلبي ليه» لمحمد الموجي، و«حكايتي مع الزمان» لبليغ حمدي، إلى جانب أعمال لعمر خيرت مثل «خلي بالك من عقلك»، و«عارفة»، و«فيها حاجة حلوة»، فضلًا عن «أنت عمري»، وميدلي «سواح وموعود».

وإذا كان هناك شيء يجمع هذه الأعمال رغم اختلاف أصحابها وأزمنتهم، فهو أنها تحمل في داخلها ذاكرة موسيقية كاملة.

وهنا تصبح مهمة من يعيد توزيعها أشبه بمن يدخل بيتًا قديمًا يعرفه الجميع، لكنه يريد أن يغير بعض أركانه وأثاثة من دون أن يهدم البيت.

نهلة لم تهدم البيت، لكنها فتحت نوافذه.

كانت التوزيعات الجديدة تقف في منطقة شديدة الحساسية بين احترام الأصل والتحرر من أسر التقليد، فلا هي نسخ حرفي لما سمعناه من قبل، ولا هي محاولة لإثبات أن القديم لم يعد صالحًا للحياة، وهذا في رأيي هو معنى التجديد الحقيقي، أن تضيف إلى الذاكرة، لا أن تمحوها.

لعل أصعب ما في تجربة نهلة البباوي هو أنها تحاول أن تجعل آلة غربية تقول كلامًا شرقيًا.
فالبيانو، في النهاية، آلة تنتمي إلى تقاليد موسيقية غربية، بينما يقوم جزء كبير من سحر الموسيقى الشرقية على المقامات والأرباع الصوتية والعُرب والزخارف الدقيقة التي تمنح اللحن شخصيته وملامحه.

وهنا يصبح السؤال:

كيف يمكن أن تجعل البيانو، بكل تاريخه الغربي، يتحدث بلسان محمد الموجي أو بليغ حمدي أو أم كلثوم؟

المفاجأة أن نهلة لا تجعلك منشغلًا بالسؤال طويلًا، إسمع، وفقط.

لا تشعر أنك أمام تمرين تقني لإثبات قدرة البيانو على استيعاب اللحن الشرقي، وإنما أمام موسيقى لها روحها الخاصة.
وهذه، بالنسبة لي، أهم نقطة في التجربة، لأن الموسيقى حين تكون جيدة لا تحتاج إلى أن تشرح نفسها.

تدخل من الأذن إلى مكان آخر لا نعرف اسمه تحديدًا، وربما لهذا شعرت أن «ليه يا قلبي ليه» و«حكايتي مع الزمان» و«أنت عمري» لم تكن مجرد ألحان يجري نقلها من وسيط إلى آخر، وإنما كانت تستعيد حياتها بطريقة جديدة.

والأجمل أن هذا حدث من دون أن تفقد تلك الألحان شخصيتها، خصوصًا أن التعامل مع أعمال الموجي وبليغ ليس لعبة سهلة، فهؤلاء الملحنون لم يتركوا وراءهم مجرد ألحان تحفظها الأذن.

وإنما تركوا نظامًا كاملًا من الجمل الموسيقية والتحولات والانفعالات، وأي محاولة لإعادة صياغتهم يمكن أن تنتهي بسهولة إلى استعراض تقني بارد.

لكن نهلة كانت أذكى من ذلك، كانت تتعامل مع اللحن باعتباره كائنًا حيًا، ولذلك لم أشعر أنني أسمع «نسخة بيانو» من الأغنية، كنت أسمع الأغنية نفسها، لكن من نافذة أخرى.

لم يكن اختيار بقية الآلات أقل دلالة.

شارك البيانست والفنان كيرولس ميشيل بسولو بيانو لأغنية «تلات دقات» من ألحان أبو، إلى جانب مشاركته على البورد، بينما قدم الفنان والدرامر إبرام سوري إيقاعاته على الدرامز، وللمرة الثانية على آلة التانجو.

أما الفنان والجيتاريست أحمد علي، فأضاف حضورًا مميزًا بالجيتار والرق.

وهنا مفارقة جميلة، فكل هذه الآلات موجودة، وكل منها له شخصيته ومساحته، لكنك لا تشعر أن أحدًا جاء ليخطف البطولة من أحد، الجميع يتحرك حول مركز واحد…البيانو، وهذا ليس مجرد ترتيب موسيقي، إنه اختيار جمالي.

نهلة البباوي لا تقدم البيانو بوصفه آلة تستعرض إمكاناتها، وإنما بوصفه وسيطًا بين زمنين.

بين الأغنية التي نعرفها والأغنية التي يمكن أن نكتشفها من جديد، بين الشرق والغرب، بين الذاكرة والتجديد، وربما هنا تكمن أهمية التجربة بالنسبة لي.

نحن نعيش زمنًا يريد فيه كل شيء أن يكون جديدًا طوال الوقت، الأغنية الجديدة تنسى القديمة، والفيلم الجديد يتبرأ من الفيلم القديم،

والكاتب الجديد يريد أن يثبت أنه لم يقرأ أحدًا قبله.

حتى أصبح لدينا جيل يخجل من ذاكرته، وكأن الاعتراف بأن محمد الموجي أو بليغ حمدي أو أم كلثوم أو وردة أو فايزة أحمد جزء من تكويننا الموسيقي نوع من الرجعية.

نهلة تقول العكس تمامًا، يمكنك أن تحب القديم وتعيد اكتشافه، يمكنك أن تدخل إليه دون أن تعبد أصنامه، يمكنك أن تجدد دون أن تهدم.

ولهذا، وأنا أستمع إلى البيانو في تلك الليلة، لم أشعر أنني أمام آلة غربية تحاول تقليد الشرق، شعرت أن الشرق نفسه وجد لنفسه لسانًا جديدًا، لسانًا من مفاتيح سوداء وبيضاء، فكانت هي المفارقة التي جعلت الأمسية أكثر من مجرد حفلة.

فالبيانو الذي جاء من الغرب، جلس في ساقية الصاوي، وأخذ يتكلم بلسان الشرق.

ولم يحتج أحد إلى مترجم.

في النهاية، خرجت من القاعة وأنا أفكر في جملة واحدة:

التجديد الحقيقي لا يبدأ من هدم الذاكرة، بل من حسن الإصغاء إليها.

وهذا بالضبط ما فعلته نهلة البباوي.

لم تطلب منا أن ننسى الأغاني التي أحببناها.

طلبت فقط أن نسمعها مرة أخرى.

كأننا نسمعها للمرة الأولى.

شارك المقال:

شاركنا برأيك