حسن مدبولي يكتب: لسنا جبناء!!
لم يكن الشعب المصري يومها مجرد جمهور يتابع ما يجري، بل كان جزءاً من حركة وطنية واجتماعية أوسع سبقت الثورة ومهدت لها
صورةمن أرشيف ثورة يناير مصر (وسائل الثواصل)
إن محاولة إلقاء المسؤولية على عموم الشعب المصري، واعتبار صمته في المرحلة الراهنة أو لجوء بعض أفراده إلى تحقيق مصالحهم الخاصة دليلاً على خنوع أصيل، أو على «جينات» متوارثة من عشق العبودية، ليست مجرد قراءة خاطئة للتاريخ، وإنما تزوير له وإهانة لشعب عريق عظيم أثبت، عبر أكثر من قرنين، أنه قادر على الثورة والمقاومة وتحمل دفع أثمانهما الباهظة.
الشعب المصري صاحب تاريخ نضالي لا يمكن محوه بتعليق عابر أو تفسير متعجل
فمنذ أن خرج المصريون في ثورة القاهرة الأولى عام 1798، ثم ثورة القاهرة الثانية عام 1800، في مواجهة الاحتلال الفرنسي، وهم يثبتون أن الخضوع ليس طبعاً متوارثاً، وأن المصري حين يشعر بأن وطنه وكرامته مهددان يعرف طريق المقاومة ويدفع ثمنها.
وبعد خروج الفرنسيين، لم يدخل المصريون في مرحلة استسلام، وإنما وجدوا أنفسهم في مواجهة صراع المماليك والعثمانيين والجنود الألبان، وما صاحبه من ضرائب باهظة وفوضى ونهب فلم يصمتوا.
ففي مارس 1804، حين حاول عثمان بك البرديسي تحميل الناس أعباء معيشية ظالمة، خرجت جماهير القاهرة، ورفضت دفع الضرائب، وطاردت جباة الأموال، حاصرت دار البرديسي حتى اضطر إلى الفرار من القاهرة.
ولم تكن تلك الحركة مجرد صراع بين أمراء متنافسين، بل انتفاضة شعبية قادها شيوخ الأزهر وشارك فيها أهل الأسواق والحرف، ضد سلطة رأت في الناس مورداً للجباية ومصدراً لتمويل صراعاتها.
ثم لم يلبث المصريون أن خاضوا مواجهة أخرى في مايو 1805 ضد خورشيد باشا، عندما فرض التعويضات الباهظة، وأخذ الرهائن، وجبى الضرائب مقدماً من قرى أنهكتها الأحوال المتردية .
فخرج أهل القاهرة، وأغلقوا الأسواق، وواجهوا الجنود الألبان من حرسه، وحاصروه في القلعة، حتى عزله العلماء، وواجهه الناس وطردوه، واختاروا محمد علي والياً على مصر بدلا منه.
لم تكن هذه الواقعة تفصيلاً هامشياً في صعود محمد علي، بل لحظة سياسية نادرة فرضت فيها الإرادة الشعبية نفسها على الوالي العثماني، وعلى الباب العالي معاً.
بعد ذلك بعامين، وفي مواجهة الحملة البريطانية على مصر عام 1807، قاتل أهل رشيد والفلاحون والمهنيون والبدو يدا بيد ضد العدو الأجنبي الغازى، بينما تحصنت القاهرة واستعدت للمقاومة، فانتهت الحملة البريطانية بالانسحاب والفشل .
هكذا تكشف السنوات الأولى من القرن التاسع عشر أن المصريين لم يكونوا مجرد أتباع في صراع السلاطين والمماليك، بل كانوا قوة قادرة على إسقاط وإجبار السلطةالمحلية على التراجع، ومقاومة احتلال أجنبي وطرده رغم عدم تكافؤ موازين القوى.
ثم جاء القرن التاسع عشر، فكان المصريون طرفاً أساسياً في الحركة الوطنية التي قاومت التدخل الأجنبي وهيمنة القوى الأوروبية، وصولاً إلى الثورة العرابية عام 1881، التي خرجت من رحم الجيش والمجتمع مطالبة بإصلاح الحكم ومواجهة النفوذ الأجنبي.
وبعد الاحتلال البريطاني لم ينطفئ ذلك الرفض، وإنما ظل يتراكم جيلاً بعد جيل حتى انفجر في ثورة 1919، عندما خرج المصريون من مختلف الطبقات والطوائف والأقاليم في حركة وطنية واسعة، حتى أصبحت الثورة حدثاً مفصلياً في تاريخ مصر الحديث.
لم تتوقف المقاومة عند 1919؛ ففي ثلاثينيات القرن العشرين تصاعدت الحركة الطلابية والوطنية، وبلغت ذروة جديدة في انتفاضة الطلاب عام 1935.
ثم عادت قضية الاحتلال إلى الواجهة بقوة بعد الحرب العالمية الثانية، قبل أن تدخل البلاد في مرحلة المقاومة الشعبية والفدائية في منطقة القناة، خصوصاً بعد إلغاء معاهدة 1936 عام 1951.
وتشهد الوثائق البريطانية والأمريكية نفسها على حجم الاضطرابات والمواجهة في منطقة القناة خلال 1951 و1952، وعلى رفض قطاعات واسعة من المصريين استمرار الوجود البريطاني.
ثم جاءت ثورة يوليو 1952، في سياق تاريخ طويل من الصراع مع الاحتلال والفساد والامتيازات الأجنبية، لتفتح مرحلة جديدة من التاريخ المصري.
ولم يكن الشعب المصري يومها مجرد جمهور يتابع ما يجري، بل كان جزءاً من حركة وطنية واجتماعية أوسع سبقت الثورة ومهدت لها.
وفي العصر الحديث لم يكن المصريون مجرد متفرجين على تاريخهم؛ ففي مارس 1968 خرجت مظاهرات طلابية وعمالية واسعة احتجاجاً على نتائج التحقيقات والأحكام المتعلقة بكارثة الطيران ونكسة عام 1967، مطالبة بالإصلاح والمحاسبة.
في يناير 1977 انفجرت انتفاضة شعبية واسعة احتجاجاً على إجراءات رفع الأسعار، فاضطرت السلطة إلى التراجع عن قراراتها.
ثم جاء يناير 2011، حين خرج ملايين المصريين في واحدة من أكبر الانتفاضات الشعبية في تاريخ البلاد، وانتهت بإسقاط نظام سياسي ظل في الحكم ثلاثة عقود.
ولم يتوقف الأمر عند الاحتجاج في الشارع؛ ففي 2012 شارك ملايين المصريين في الانتخابات والاستفتاءات، في لحظة سياسية غير مسبوقة من حيث اتساع المشاركة الشعبية، ثم خرجت حشود هائلة في 2013، وشهدت البلاد احتجاجات أخرى في 2019.
وقد دفع المصريون، خلال كل تلك المراحل المتعاقبة، أثماناً ثقيلة من أرواح أبنائهم وحرياتهم وأمنهم ومستقبلهم السياسي.
فأي شعب «عاشق للعبودية» يفعل ذلك كله؟
أي شعب «متوارث للجبن» يخرج في مواجهات متعددة ضد تحالف الأجنبى مع السلطة المحلية الخائنة، ويقدم من أبنائه الشهداء والمصابين والمعتقلين والمطاردين والمهاجرين، ثم يعيد الكرة جيلاً بعد جيل !؟
إن الصمت تحت القهر لا يساوي الخنوع، كما أن الخوف من بطش السلطة لا يعني الرضا عنها.
من أكثر أخطاء النخب انفصالاً عن الواقع أن تطلب من الناس أن يدفعوا ثمن المواجهة وفقاً لتوقيتاتها هي، ثم إذا لم يفعلوا اتهمتهم بأفظع الاتهامات.
الشعب ليس ملزماً بأن يختار اللحظة التي يراها بعض المثقفين مناسبة للثورة، ولا أن يقدم حياته قرباناً لإثبات شجاعته أمام من يجلسون خارج دائرة الخطر.
الأكثر مفارقة أن بعض الذين يهاجمون الشعب المصري اليوم بسبب صمته كانوا بالأمس أنفسهم يسخرون من اختياراته حين مارس حقه السياسي، ويتهمون الملايين الذين وقفوا أمام صناديق الاقتراع بالجهل أو الفاشية، واحتقروا إرادة الناخبين لأن نتائجها لم توافق تصوراتهم.
ثم انتهى بعض هؤلاء إلى القبول بتحالفات سياسية أفضت إلى إجهاض المسار الذي اختاره المصريون، قبل أن يعودوا اليوم لمطالبة الشعب بالثورة على نتائج ذلك المسار! أو اتهامه بالجبن المتوارث !!
إن المصريين عبر تاريخهم الحديث أخطأوا وأصابوا، وثاروا وتراجعوا، واختاروا وندموا، ودفعوا أثمان اختياراتهم واختيارات غيرهم.
لكن اختزال ذلك التاريخ فى الجبن و الخنوع ليس نقداً سياسياً ولا تحليلاً تاريخياً، إنه جحود لمجد متأصل وثابت من المقاومة والثورة.
وإهانة لشعب أثبت مراراً أنه حين يرى أنّ لحظة المواجهة قد حانت، لا يحتاج إلى من يمنحه تصريحا بالمضي قدما.
فلا يحق “لأحد” أيا كان، أن يتهم شعباً بأكمله بتقبل الإذلال لمجرد أنه لم يتحرك في اللحظة التي يريدها هذا “الأحد” !!؟.
التعليقات مغلقة على هذا المقال.