علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

فيلم القصص: حين تكتب العائلة التاريخ بعيدًا عن دفاتر المؤرخين

أنت لا تشاهد «القصص» كأنك تقرأ فصلًا في كتاب تاريخ، بل كأن أحد أفراد عائلتك فتح صندوقًا قديمًا وبدأ يخرج منه الصور واحدة تلو الأخرى

مشاركة:
حجم الخط:

المخرج السينمائي أبو بكر شوقي لا يصنع فيلمًا عن الماضي بقدر ما يسأل: ماذا يبقى من الوطن حين تتحول الحروب والهزائم والانتصارات إلى حكايات على مائدة الأسرة؟

هناك أفلام تدخل التاريخ من أبوابه الكبيرة، الرؤساء والحروب والبيانات العسكرية والقرارات التي تغير مصائر الدول.

هناك أفلام أكثر ذكاءً تترك الباب الرسمي مغلقًا، ثم تدخل التاريخ من شباك غرفة المعيشة.

فيلم القصص لأبو بكر شوقي ينتمي إلى النوع الثاني، فهو لا يريد أن يخبرنا ماذا جرى لمصر بين 1967 ومنتصف الثمانينيات بقدر ما يريد أن يسأل:

ماذا فعل كل ذلك بعائلة عادية؟

كيف تسللت السياسة إلى الطعام، والحرب إلى غرفة النوم، والاقتصاد إلى الأحلام، والهزيمة إلى المزاح؟

وكيف استطاع الناس رغم ذلك أن يحبوا ويتزوجوا ويختلفوا ويشجعوا الكرة وينتظروا رسالة قادمة من آخر العالم؟

وهنا تحديدًا تكمن قيمة الفيلم، قد يكون ميلودراميًا، وقد تزدحم بعض مشاهده بالمصادفات، وقد يضغط عشرين عامًا من التحولات في ساعتين تقريبًا، لكنه يمتلك شيئًا تفتقده أفلام أكثر إحكامًا منه: الذاكرة.

أنت لا تشاهد «القصص» كأنك تقرأ فصلًا في كتاب تاريخ، بل كأن أحد أفراد عائلتك فتح صندوقًا قديمًا وبدأ يخرج منه الصور واحدة تلو الأخرى.

السيناريو.. التاريخ لا يحدث في الشارع فقط

كتب أبو بكر شوقي الفيلم من نقطة شخصية للغاية.

المشروع بدأ عام 2019 انطلاقًا من قصة تعارف والده المصري ووالدته النمساوية عبر المراسلات، ثم ابتعد تدريجيًا عن السيرة الحرفية، وأضاف إليه حكايات الأعمام والجيران والأسرة التي كان يسمعها منذ طفولته.

وقد قال شوقي إن أفراد عائلته كانوا يعيدون رواية القصص نفسها، لكنها في كل مرة تصبح أكبر وأكثر درامية؛ ومن هنا جاءت فكرة الفيلم وعنوانه.

هذا الأصل يفسر البناء الدرامي كله.

الفيلم مقسم إلى خمس محطات تمتد من 1967 إلى 1984، تمر بالحرب والتحولات الاجتماعية واضطرابات 1977 واغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981.

لكن التاريخ يظل خلفية لحكاية أحمد، عازف البيانو الذي يريد أن يجد لنفسه مكانًا في عالم لا يبدو مستعدًا لأحلامه.

الميزة هنا أن السيناريو لا يعامل الأحداث الكبرى بوصفها موضوع الفيلم، وإنما باعتبارها قوة خارجية تعيد باستمرار ترتيب حياة أبطاله.

أحمد يخطط للحفل، فتأتي الحرب.

العائلة تبحث عن لحظة فرح، فيقتحم التاريخ الغرفة.

إنها بنية تقوم على المفارقة بين الحلم الفردي والقدر الجمعي.

لكنها أيضًا نقطة ضعف أحيانًا، فمحاولة احتواء هذا الكم من السنوات والشخصيات والحروب والعلاقات تجعل بعض التحولات تمر أسرع مما تستحق.

نعرف ما حدث للشخصيات، لكننا لا نُمنح دائمًا الوقت الكافي لنشعر بما أحدثه فيها. ولهذا تبدو بعض المصادفات والاستعادات الدائرية جذابة سينمائيًا أكثر مما هي مقنعة دراميًا.

الشخصيات.. الأم أقوى من التاريخ

إذا كان أحمد هو العمود الذي يحمل الحكاية، فإن فيروز، الأم التي تلعبها نيللي كريم، هي قلب الفيلم.

شوقي نفسه يصفها باعتبارها مركز الأسرة وحافظة أسرارها، فهي التي تدون الحكايات في دفاترها، ومع غيابها يبدأ البناء العائلي نفسه في التفكك.

نيللي كريم تفهم هذه الوظيفة جيدًا، لا تؤدي «الأم المصرية» كقالب جاهز، وإنما كامرأة تجمع الحنان والسيطرة والإرهاق والغيرة والخوف والرغبة في حماية عالمها الصغير.

في مشاهد كثيرة تستطيع بنظرة أو حركة جسد أن تختصر ما يحتاج الحوار إلى صفحات لشرحه.

أمير المصري، في المقابل، يقدم أحمد بأداء أقل صخبًا.

قوته في أن الحلم لا يبدو عنده خطابًا بطوليًا، وإنما عنادًا هادئًا.

وهذا مهم لأن الشخصية كانت ستصبح بسهولة شديدة نموذجًا مألوفًا لـ«الفنان الذي يحارب المجتمع»، لكن الأداء يمنحها هشاشة وإنسانية.

أحمد كمال وصبري فواز وشريف الدسوقي يمنحون البيت كثافته البشرية، بينما تبدو فاليري باشنر جيدة في دور إليزابيث، لكن المشكلة هنا في الكتابة أكثر منها في الأداء.

فبعض النقاد لاحظوا أن الشخصية النمساوية أقل تطورًا من أفراد الأسرة المصرية، وأن الصدمة الثقافية التي يفترض أن تعيشها لا تُستثمر دراميًا بالعمق نفسه.

التصوير.. الكاميرا فرد آخر من العائلة

واحدة من أجمل مفاتيح الفيلم هي كاميرا فولفجانج تالر.

معظم التصوير يعتمد على الكاميرا المحمولة، وهو اختيار ليس استعراضيًا، بل يتناسب تمامًا مع البيت المزدحم والشخصيات التي تتحدث وتتحرك وتقاطع بعضها بعضًا.

الكاميرا لا تقف أمام الأسرة لتصورها؛ إنها تدخل بينها، تزاحمها، تتحرك خلفها، وتصبح كأنها قريب إضافي يجلس في الغرفة.

الألوان تحمل حنينًا واضحًا، لكنها لا تحاول إعادة الماضي بطريقة متحفية نظيفة.

وشوقي صرّح بأنه أراد تحية سينما مصر الكبرى في الخمسينيات والستينيات، مع استخدام أدوات سينمائية أكثر حداثة استلهمها من سينما التسعينيات.

بل إن المكان نفسه يعمل دراميًا:

الشقة ليست مجرد ديكور، بل خريطة للعائلة، وكلما ازدحم الكادر شعرنا بأن الوطن الكبير قد انضغط داخل تلك الجدران.

المونتاج.. عشرون عامًا في نفس واحد

هنا يأتي الدور الأصعب لرولاند شتوتينغر.

شوقي كشف أن عملية المونتاج استغرقت شهورًا، خصوصًا أن كثيرًا من مشاهد الممثلين كان يسمح فيها بالارتجال، ما جعل إعادة بناء المادة في غرفة المونتاج عملية أساسية في تشكيل الفيلم النهائي.

المونتاج سريع، نابض، وينتقل بين العائلة والأرشيف والتلفزيون والمباريات والخطب والأغاني دون أن يفقد الفيلم روحه.

لكنه في بعض المواضع يدفع ثمن سرعته، فالمشهد المؤلم قد ينتهي قبل أن يستقر أثره، لأن المحطة التاريخية التالية تنتظر بالفعل.

استخدام الأرشيف من أذكى عناصر الفيلم

شوقي لا يستخدم صور عبد الناصر أو السادات أو مباريات الكرة لإثبات صحة الحقبة، بل يجعل التلفزيون والراديو جزءًا من نسيج البيت.

حتى الموسيقى ليست «موسيقى تصويرية» بالمعنى التقليدي؛ كثير منها يأتي من أجهزة الراديو والتلفزيون داخل المشهد نفسه، بحيث تتحول الثقافة الشعبية إلى الشريط الصوتي لحياة العائلة.

ظروف الإنتاج.. فيلم خرج من ذاكرة شخصية إلى خمس دول

خلف تلك العفوية الظاهرة مشروع إنتاجي معقد، كُتبت البذرة الأولى عام 2019، لكن الفيلم لم يُصوَّر إلا في صيف 2024.

شوقي نفسه أشار إلى أن تمويل الأفلام المستقلة الدولية عملية طويلة ومعقدة.

التصوير جرى بين مصر والنمسا خلال 36 يومًا من يوليو إلى سبتمبر 2024.

وهو إنتاج مشترك يجمع مصر والنمسا وفرنسا وبلجيكا والسويد، بمشاركة Film Clinic وCinenovo وFilm AG وFox in the Snow وWrong Men، إلى جانب دعم جهات وصناديق سينمائية دولية.

واللافت أن هذا البناء الدولي لا يجعل الفيلم غريبًا عن مصر؛ على العكس، ربما لأن جذره شديد الخصوصية أصبح أكثر قدرة على مخاطبة مشاهد من خارجها.

وقد بدأ عرضه العالمي في مسابقة مهرجان Tallinn Black Nights عام 2025 قبل مواصلة رحلته المهرجانية.

الإخراج.. أبو بكر شوقي يراهن على الفوضى المنظمة

أهم إنجاز إخراجي في «القصص» هو أن شوقي لا يحاول السيطرة على الحياة حتى تصبح نظيفة.

الشخصيات تصرخ، تقاطع بعضها، تضحك في لحظة غير مناسبة، والمأساة قد تنتهي بنكتة بينما تتحول النكتة بعد دقائق إلى وجع.

هذه الفوضى ليست عيبًا ينبغي «إصلاحه» بالكامل، إنها جزء من فلسفة الفيلم. فشوقي قال إن الكوميديا جاءت من البشر أنفسهم، ومن وجود الفرح والحزن جنبًا إلى جنب.

ولهذا لا أرى أن ميلودرامية «القصص» سبب لإدانته.

نعم، هناك لحظات يرفع فيها الفيلم مستوى العاطفة أكثر مما يلزم، وشخصيات تحتاج إلى مساحة أكبر، ومصادفات يظهر فيها يد الكاتب بوضوح.

 العيوب موجودة داخل فيلم يعرف ماذا يريد أن يكون: حكاية شعبية كبيرة عن أناس صغار في زمن كبير.

المفارقة الأجمل أن الفيلم، رغم كل الحروب والتحولات السياسية التي تمر خلف نوافذه، لا ينتهي إلى أن التاريخ تصنعه فقط قرارات الزعماء.

التاريخ أيضًا أم تكتب في دفتر تحت سريرها، وشاب يحلم بحفل موسيقي، ورسالة تعبر من فيينا إلى القاهرة، وعائلة تتزاحم أمام مباراة كرة قدم.

لهذا أحببت «القصص» ليس لأنه كامل، بل لأنه يفهم شيئًا أكثر أهمية من الكمال:

أن ما يبقى من التاريخ في النهاية ليس التاريخ نفسه، بل القصص التي نرويها عنه.

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.