جمهورية «أبو العريف» الرقمية الجهل يملك ميكروفونًا والخوارزمية تمنحه جمهورًا
في الماضي، كان لكل حي «أبو العريف» الخاص به. يجلس على المقهى، يعرف تشكيل الحكومة القادمة، وسبب ارتفاع الدولار، وخطة المدرب، والعلاج الذي أخفاه الأطباء، وموعد الحرب المقبلة.
أصبح الجميع خبراء بفيديو وخبر فيس بوك ورسالة واتس أب
ثمة مصنع يعمل في مصر والمنطقة العربية 24 ساعة يوميًا، لا ينتج سيارات ولا دواءً ولا أجهزة إلكترونية؛ بل ينتج شيئًا أكثر انتشارًا: الإحساس بأننا نعرف.
تدخل إليه بمعلومة، وتخرج منه خبيرًا، تشاهد ثلاثة مقاطع عن الاقتصاد فتشرح التضخم، ومقطعين عن حرب فتضع سيناريو نهايتها.
منشورًا طبيًا فتصف العلاج، وفيديو عن العلاقات الزوجية فتتحول إلى مستشار أسري.
إذا حاول أحدهم أن يقول لك إن القضية أعقد من ذلك، فالسؤال الجاهز: «وأنت فاكر نفسك فاهم أكتر مني؟».
مرحبًا بكم في النسخة الرقمية من «أبو العريف»؛ حيث لم يعد الجهل مشكلة، بل أصبح محتوى.
المصري أمام «الفيد».. 47 يومًا كاملة كل عام
الأرقام هنا أكثر إثارة مما توحي به المتوسطات العالمية.
أحدث بيانات GWI المنشورة ضمن تقرير Digital 2026 تضع المتوسط العالمي لاستخدام الشبكات الاجتماعية ومشاهدة الفيديو عبر الإنترنت عند 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعيًا.
لكن الرقم يرتفع في الإمارات إلى 24 ساعة و29 دقيقة، وفي المغرب إلى 22 ساعة و53 دقيقة، وفي مصر إلى 21 ساعة و41 دقيقة، وفي السعودية إلى 21 ساعة و13 دقيقة أسبوعيًا.
والمقياس يشمل مستخدمي الإنترنت من عمر 16 عامًا فأكثر، ويجمع تصفح الشبكات الاجتماعية والفيديوهات على المنصات، مع استبعاد خدمات بث التلفزيون مثل نتفليكس.
أي أن المستخدم المصري في العينة يقضي وقتًا يزيد بنحو 16.6% على المتوسط العالمي.
حساب الرقم سنويًا يكشف الصورة بصورة أكثر صدمة: إذا استمر المعدل نفسه، فإن 21 ساعة و41 دقيقة أسبوعيًا تعادل نحو 1,128 ساعة في السنة، أي قرابة 47 يومًا كاملة من 24 ساعة أمام التدفق الاجتماعي والمرئي.
ليس 47 يومًا في القراءة، ولا 47 يومًا في الدراسة.
بل 47 يومًا في بيئة تختلط فيها دراسة أكاديمية بفيديو مجهول المصدر، وتحليل خبير بمنشور شخص يبحث عن المشاهدات، وحقيقة موثقة بإشاعة تمتلك مونتاجًا جيدًا.

98 مليون مصري على الإنترنت.. والخوارزمية تكبر
في نهاية 2025، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في مصر نحو 98.2 مليون شخص، بمعدل انتشار قدره 82.7% من السكان.
كما سجلت مصر نحو 51.6 مليون هوية لمستخدمي شبكات التواصل، مع ضرورة التنبيه إلى أن «الهويات» الرقمية لا تعني دائمًا أفرادًا منفصلين بسبب الحسابات المتعددة.
بين البالغين تحديدًا، تساوي هويات مستخدمي السوشيال ميديا نحو 68.8% من المصريين بعمر 18 عامًا فأكثر.
الأكثر دلالة هو تيك توك.
فأدوات المنصة الإعلانية أشارت إلى إمكانية الوصول إلى نحو 48.8 مليون مستخدم بالغ في مصر أواخر 2025، بزيادة تقارب 25.2% خلال عام واحد.
إذن نحن لا نتحدث عن هامش ثقافي صغير، بل عن ساحة مركزية لتشكيل الوعي والانطباعات والآراء.
حين ينافس «الفيسبوك» شاشة التلفزيون
الأمر لم يعد تسلية فقط.
صحيفة وقائع «الباروميتر العربي» للرأي العام المصري لعام 2025 وجدت أن التلفزيون هو المصدر الرئيس للأخبار لدى 45% من المصريين، بينما وصلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى 43%، مع اعتماد الشباب والأعلى تعليمًا عليها بدرجة أكبر.
أي أن الفارق بين شاشة غرفة المعيشة وشاشة الهاتف أصبح نقطتين مئويتين فقط.
هنا تبدأ الخطورة.
لأن من يختار الخبر على التلفزيون عادة محرر أو مؤسسة، أما على المنصة فقد تختاره الخوارزمية استنادًا إلى ما يجذب انتباهك ويجعلك تبقى أطول، وليس بالضرورة إلى ما يجعلك تعرف أكثر.
شاهدته عشر مرات.. إذن لا بد أنه صحيح

العقل نفسه لديه نقطة ضعف شهيرة: التكرار.
مراجعة علمية واسعة نشرتها Nature Communications في فبراير 2026 جمعت نتائج 182 دراسة و366 تأثيرًا إحصائيًا شملت 31,184 مشاركًا.
خلصت إلى أن مجرد إعادة التعرض للمعلومة يجعل الناس يميلون بدرجة أكبر إلى اعتبارها صحيحة؛ وهو ما يعرف بـ«تأثير الحقيقة الوهمية»
ووجد الباحثون أثرًا صغيرًا لكنه متين إحصائيًا حتى بعد تصحيح انحيازات النشر.
في عالم الخوارزميات يصبح الأمر أشد حساسية.
تشاهد الفكرة في فيديو، ثم تظهر في منشور، ثم يكررها مؤثر، ثم يرسلها صديق في واتساب.
خمسة مصادر؟ ربما لا.
قد تكون معلومة واحدة ترتدي خمسة قمصان.
لكن الدماغ يرى التكرار، فتزداد الألفة، ومع الألفة قد يرتفع الإحساس بالمصداقية.
اضغط «شير».. واستلم شهادة خبير
الأغرب أن نشر المعلومة قد يجعلنا نشعر بأننا نعرفها.
دراسة في Journal of Consumer Psychology أجرت سبع دراسات حول مشاركة المحتوى، ووجد الباحثون أن الأشخاص قد يشعرون بأن معرفتهم بالموضوع ازدادت بعد مشاركة مقال عنه، حتى في ظروف لم يقرأوا فيها المقال نفسه.
إنها معادلة مثيرة للسخرية:
كان الإنسان قديمًا يقرأ الكتاب كي يشعر بأنه يعرف.
الآن قد يشارك رابطه..ثم يبدأ في الشرح.
62% لا يتحققون منهجيًا.. لكن المحتوى مستمر
في دراسة عالمية لليونسكو شملت 500 صانع محتوى من 45 دولة، قال 62% إنهم لا يجرون تحققًا صارمًا ومنهجيًا من المعلومات قبل نشرها.
الرقم الأكثر غرابة أن 42% اعتبروا عدد الإعجابات والمشاركات مؤشرًا أساسيًا على صدقية المحتوى.أي أننا قد نصل إلى الدائرة العبثية الكاملة:
المعلومة تنتشر لأنها تبدو موثوقة. وتبدو موثوقة لأنها انتشرت.
“جوجل” في جيبي.. إذن المعرفة في رأسي حتى عملية البحث نفسها قد تخدعنا.
في تسع تجارب منشورة في Journal of Experimental Psychology: General وجد باحثون أن البحث عن تفسير عبر الإنترنت قد يرفع تقييم الأشخاص لمعرفتهم الشخصية؛ أي أن سهولة الوصول إلى المعرفة قد تختلط نفسيًا مع امتلاك المعرفة.
الفرق ضخم.
أن تعرف أين تجد المعلومة شيء. وأن تفهمها وتختبرها وتربطها بسياقها شيء آخر تمامًا.
«أبو العريف» لم يعد على المقهى.. أصبح منصة
في الماضي، كان لكل حي «أبو العريف» الخاص به.
يجلس على المقهى، يعرف تشكيل الحكومة القادمة، وسبب ارتفاع الدولار، وخطة المدرب، والعلاج الذي أخفاه الأطباء، وموعد الحرب المقبلة.
كان جمهوره أربعة أشخاص وطاولة شاي.
اليوم، الشخص نفسه يمكن أن يمتلك نصف مليون متابع.
والخوارزمية لا تسأله عن شهاداته قبل أن توصله إلى الملايين.
المشكلة إذن ليست أن الناس أصبحوا أغبى، ولا أن «السوشيال ميديا» مؤامرة لإفساد العقول.
المشكلة أكثر دهاءً:
لدينا اليوم وصول إلى كمية من المعلومات تفوق ما امتلكته أجيال سابقة بأضعاف، لكن الوصول إلى المعرفة ليس هو المعرفة… وهنا وُلد أخطر أبناء العصر الرقمي:
إنسان يقرأ أقل مما يعتقد، ويعرف أقل مما يتصور، لكنه يملك ثقة أكبر من المتخصص الذي قضى عشرين عامًا يدرس القضية نفسها.
فالمتخصص الحقيقي يقول: «المسألة معقدة»
أما «أبو العريف الرقمي» فيقول: «الموضوع بسيط جدًا يا جماعة».
ثم يبدأ الفيديو.
المصيبة أن الفيديو غالبًا يحصل على مليون مشاهدة.
شاركنا برأيك