د. أيمن منصور ندا يكتب: حين يصبح الرئيس هو الجمهورية (2 – 12)
"الرئيس المنقذ" "اختيار الضرورة" "المُستَدعى لإنقاذ الوطن" "المخلص الصادق الأمين" "الرئيس الذي لا ينام" "عزيز مصر"، " اختيار السماء"

صورة تعبيرية للمقال
في السابع والعشرين من مارس 1977، شهد مطار “لوس روديوس” في جزيرة “تينيريفي” الإسبانية أسوأ كارثة في تاريخ الطيران المدني، حين اصطدمت طائرتان عملاقتان من طراز “بوينج 747” على المدرج، فقُتِل نحو ستمائة إنسان.
لم يكن قائد الطائرة التي بدأت الإقلاع طياراً قليل الخبرةن بل كان مدرباً مرموقاً وصاحب مكانة كبيرة داخل شركته (الخطوط الملكية الهولندية) غير أنَّ هذه المكانة نفسها جعلت الاعتراض عليه أكثر صعوبةً.
تردد مساعدوه في مواجهته بحسم، واختل التواصل داخل قمرة القيادة، فتحول خطأ قائد واحد إلى كارثة دفع ثمنها الجميع.
ومنذ ذلك الحين، أصبح من دروس الطيران الأساسية أنَّ الخطر لا يكمن فقط في احتمال أن يخطئ القائد، فكل البشر يخطئون، وإنَّما في أن تصبح هيبته وسطوته ونرجسيته أكبر من قدرة معاونيه على مراجعته!
د. أيمن منصور ندا يكتب: وهم “الجمهورية الجديدة”! (1- 12)
د. أيمن منصور ندا يكتب: ماذا يبقى بعد الرئيس؟
والسياسة لا تختلف كثيراً عن الطيران
فالدول لا تدخل أزماتها الكبرى لأنَّ حكامها ارتكبوا أخطاءً، وإنَّما لأنَّها أقامت حولهم مناخاً يجعل الاعتراف بالخطأ مستحيلاً، والمراجعة إهانةً.. وهنا يبدأ أول أوهام “الجمهورية الجديدة”،وربما أخطرها جميعاً:
وهم النظام السياسي المعصوم من الخطأ، والرئيس اختيار السماء
: وهم النظام السياسي الذي لا يخطئ، والرئيس الذي يمتلك من الحكمة وبعد النظر ما يجعل قراراته صحيحةً دائماً، حتى حين تقول النتائج غير ذلك.
في هذا الإطار، يتم بناء صورة ذهنية للرئيس أقرب إلى “القداسة السياسية”
: “الرئيس المنقذ” “اختيار الضرورة” “المُستَدعى لإنقاذ الوطن” “المخلص الصادق الأمين” “الرئيس الذي لا ينام” “عزيز مصر”، ” اختيار السماء”
وهنا تصبح المعارضة “كفراً صريحاً” والاعتراض “فسقاً خالصاً” والاختلاف “رجساً من عمل الشيطان” ولفت الانتباه إلى مواضع الخطر “خروجاً على ولي الأمر”
وهنا في المقابل يصبح التصفيق واجباً وطنياً، ويصبح عمل الحكومة شرح حكمة قرارات الرئيس، لا مراجعتها، وعمل البرلمان المباركة، لا المحاسبة، وعمل الإعلام البحث عن المواطن الذي لا يزال غير مقتنع، لعلاجه من ضعف الوطنية وسوء الفهم!
ولا يصرح أحد، بطبيعة الحال، حتى أشدهم تأييداً، بأنَّ الرئيس معصوم
فهذه دعوى لا يقول بها عاقل، حتى الرئيس السيسي نفسه يرفض ذلك، لكن العصمة السياسية لا تُعلن في بيان رسمي، بل تتسلل إلى الخطاب العام حين يُعاد تفسير كل خطأ بوصفه صواباً لم يحن أوان فهمه، أو ضرورةً فرضتها الظروف، أو تضحيةً ستظهر حكمتها في المستقبل.
العصمة في جمهوريتنا الجديدة لا تحتاج إلى نص دستوري
فهي نص فوق دستوري، ولا تحتاج إلى فتوى دينية، فهي عقيدة سياسية، ولا تحتاج إلى جهاز يحرسها، فهي تسكن في عقول الحراس قبل أن تتحرك في أيديهم.
العصمة في جمهوريتنا لا يطلبها الرئيس لنفسه، بل يصنعها من حوله، طبقةً فوق طبقة، أولئك الذين يخافون الحقيقة أكثر مما يخافون الخطأ، حتى يصبح الخطأ جائزاً في حق الجميع، مستحيلاً في حق الرئيس.
إنجازات الرئيس السيسي لا ينكرها إلا جاحد أو حاقد، ولا يقلل من قيمتها إلا مكابر أو معاند.
فقد نجح في الحفاظ على تماسك الدولة في واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً، وفي مواجهة موجة الإرهاب التي هددت أمنها، وفي تطوير جانب كبير من بنيتها الأساسية وشبكات طرقها، ورفع قدراتها في مجال الطاقة، وإطلاق مشروعات واسعة للإسكان والتنمية العمرانية.
غير أنَّه، في المقابل، مثل كل الحكام الكبار، أصاب في مواضع وأخطأ في مواضع أخرى؛ فأخطأ، في تقديري، في معالجة أزمة سد النهضة، وفي قضية تيران وصنافير.
أخطأ في كثير من سياساته الاقتصادية، وما ترتب عليها من تفاقم أزمتي الديون الخارجية والداخلية، واختلال ترتيب أولويات الحكم.
كما أخطأ في عدد من سياساته الاجتماعية، وهي أخطاء لا تقف آثارها عند حدود الجدل السياسي، بل يعاني نتائجها قطاع كبير من المصريين في حياتهم اليومية..
ومن هذا الوهم الكبير تتولد خمسة أوهام أصغر، يسند بعضها بعضاً.
أولها هو أن “القيادة الفردية الملهمة تكفي” المؤيِّدون لهذه الفكرة (الوهم) يشيرون إلى أنَّ الجمهورية الجديدة تقوم على وجود قائد شجاع يتخذ قرارات صعبة، ويقود الشعب بلا تردد.
وأنَّ الجمهورية الجديدة ضامنها وحاميها الأكبر هو وجود الرئيس السيسي نفسه، وإرادته القوية لتحقيق ذلك.
وهذا القول مردود عليه، إذ مع اتفاقنا على شخصية الرئيس السيسي القوية، ودوافعه الوطنية، فإنَّ ربط أي نظام سياسي بشخصية معينة، مهما كانت قوية، يضعفه، ويعرضه للخطر، وغالباً ما ينتهي بكوارث عند غيابه أو خطئه.
وقد جربت مصر هذا الطريق من قبل
كان الرئيس عبد الناصر قائداً استثنائيّاً وصاحب حضور جماهيري طاغٍ، لكن مؤسسات الدولة ذابت تدريجيّاً في شخصه، حتى صارت قراراته الفردية قدراً لا يُراجع، وانتهى الأمر بنكسة 1967.
وتكرر الأمر، بدرجات مختلفة، مع الرئيسين السادات ومبارك.
إنَّ مأساة “القيادة الفردية الملهمة” إضافة إلى غياب المساءلة والمراجعة، والوصول إلى درجة الاستبداد المُطلَقة، أنَّها تترك خلفها فراغاً واسعاً، واضطراباً كبيراً حال غياب الرئيس لأي سبب من الأسباب، وتبدأ رحلة البحث عن “مُنقِذ جديد” وعن “اختيار ضرورة” جديد، وعن دورة “رئيس” جديد تنتهي النهاية ذاتها!
ومن وهم القيادة الفردية يولد وهم ثانٍ ” الخلود السياسي للنظام”
يتم تقديم الجمهورية الجديدة، وما تُمثِّله من طريقة حكم، باعتبارها مرحلة تاريخية مستقرة، وستدوم عقوداً طويلة من الزمن.
وكأنَّنا وصلنا بهذا الحكم إلى فكرة “نهاية التاريخ” عند “فرنسيس فوكوياما”
ولعلَّ المفارقة هنا تكمن في الترويج لوهم الاستمرارية والخلود في الوقت الذي تعاني فيه البنى التحتية للمجتمع من هشاشة واضحة، ومن ضعف بيِّن.. الجمهورية الجديدة هي جمهورية قوية، في ظاهرها، ولكنَّها تستند إلى فراغ، وكأنَّها تبني قصوراً على رمال شاطئ بحر صاخب.
إنَّ فكرة “الدوام السياسي” هي حلم كلِّ نظام سياسي
والأمثلة التي يمكن ذكرها في هذا المجال عديدة.. غير أنَّ هذه الأنظمة تعاند حركة التاريخ، وتقف ضد قانون الحركة والتغير الذي هو من سنن التاريخ..
الوهم الثالث: “الاستقرار يعني الرضا الشعبي”
ويقوم هذا الوهم على الخلط المتعمَّد بين “الهدوء السياسي” و”الرضا الشعبي” وهو ما يشير إليه كثير من المسؤولين.
حيث يعتبرون عدم خروج الناس في مظاهرات ضد السياسات الاقتصادية، على سبيل المثال، هو رضا عن هذه السياسات، وتقبل لها، نتيجة معرفة الأسباب التي أدَّت لصدورها.
هذا النوع من “الاستقرار الأمني” يشبه المياه الراكدة التي تبدو هادئة من بعيد، لكنَّها تخفي في عمقها تعفُّناً متزايداً.
هو استقرار قائم على الصمت المفروض، وليس على التوافق الحر! وهو استقرار قصير الأمد، مهما طال، كما حدث مع مبارك.
وبصفة عامة، فإنَّ الاستقرار الذي لا يستند إلى العدالة أو المشاركة، ولا يقوم على الثقة، والتوازن، ومشاركة الناس، هو استقرار مصيره الزوال.
الوهم الرابع: “لا بديل للنظام الحالي”
يُكرِّس الخطاب الإعلامي والسياسي فكرة أنَّ النظام الحالي هو الضامن الوحيد لوجود الدولة، وبدونه تنهار مصر.
وتقوم هذه الفكرة على حقيقة قائمة، وهي أنَّ البديل الإسلامي قد انتهى دوره، ولم يعد من الممكن قبوله في الشارع المصري، وأنَّ البديل المدني ضعيف وعاجز، ولا توجد شخصية مدنية في الوقت الحالي (تصلح) لهذا الدور.
ولهذا، فإنَّه لا يوجد بديل للرئيس السيسي.
وهو ما يبرِّر المطالبة بتعديل الدستور لفتح المجال للترشح الأبدي
وتُستَخدم فكرة “البديل المستحيل” كبديل نفسي لإقناع الجمهور بأنَّ أي تغيير سيكون خراباً، وسيؤدِّي إلى الفوضى الشاملة، والدمار التام للدولة.
ومن ثمَّ تتم المقارنة والاختيار بين “الاستقرار” و”الفوضى” وبين “الرئيس المعروف” و”المصير المجهول”
لكن غياب البديل الجاهز لا يعني استحالته، وضعفه لا يبرر منع ظهوره.
إنَّ النظام الذي يقضي على كل منافس، ثم يتخذ من غياب المنافسين دليلاً على أنَّه لا بديل له، فهو أشبه بمن يكسر أرجل المتسابقين ثم يفتخر بأنَّه الأسرع!
الوهم الخامس: “القطيعة الكاملة مع الماضي”
ويعتبر مفهوم “القطيعة” هو أبرز هذه الأفكار الشارحة لكيفية الانتقال من جمهورية قديمة مأزومة ومهزومة وانتهت في يناير 2011، إلى جمهورية جديدة ثابتة وقوية لها شرعيتها القائمة على الإرادة الشعبية، وتعزِّزها المشروعات القومية، ويحميها الجيش الوطني القوي، وتركِّز على مفهوم الوطنية كإطار شارح للهوية قامت بعد يونيو2013.
ويرى المؤيِّدون لهذه الفكرة أنَّ الجمهورية الجديدة تعتبر تصحيحاً لمسار الدولة المصرية بعد فوضى 2011، ويتعاملون مع ثورة يونيو 2013 كحدث تأسيسي يعيد بناء الشرعية السياسية على أسس جديدة.
وأنَّ هذه الثورة وضعت “عقداً جديداً” للحكم، لا يتعلق فقط بالسياسية، بل يشمل تعريف علاقة المواطن بالدولة، وبمجتمعه، وبنفسه.
ويرى المعارضون لهذه الفكرة أنَّ الجمهورية الجديدة، بقيامها على الأسس ذاتها التي قامت عليها الدولة (القديمة) قد جعلها نسخة مكرَّرة منها، مع تغيير شكليٍّ محدود، لا يبرر الانفصال أو القطيعة.
وأنَّ أوجه التشابه (الذي يصل إلى حدِّ التطابق) بين الجمهوريتين القديمة والجديدة كبيرة جداً، بحيث لا يمكن الفصل بينهما بأي حال من الأحوال..
هذه الأوهام الخمسة ليست أفكاراً متفرقةً، بل حلقات في سلسلة واحدة:
تبدأ بتصوير النظام باعتباره فوق الخطأ، ثم تجعل القائد بديلاً عن المؤسسة، والمشروع خالداً، والصمت رضا، والبديل مستحيلاً، والماضي منتهياً.
وخطورة هذا الوهم أنَّه لا يحرم الناس وحدهم من حق نقد الحاكم، بل يحرم الحاكم نفسه من حق معرفة الحقيقة.
فعندما يخشى الجميع أن يقولوا لقائد الطائرة إنَّه أخطأ، لن تحميه مكانته، ولن تنقذ الركابَ الثقةُ فيه؛ بل ستصبح الهيبة التي صُنعت لحمايته سبباً في الكارثة.






