قطب العربي يكتب: لماذا قطعت الجزائر علاقتها بالإمارات؟
قد تفصح الجزائر قريبا عن هذه الأسباب الخفية، ولكن نظرة إلى تطور هذا التوتر في العلاقات ينير الطريق لاستنباط ما هي القشة التي قصمت ظهر البعير أخيرا، ودفعت الجزائر لهذا القرار الحاسم.
الرئيس الجزائري تبون في مواجهة بن زايد
قرار الجزائر في العاشر من سبتمبر الماضي بقطع علاقاتها مع الإمارات جاء تتويجا لتنبيهات جزائرية متدرجة للإمارات لوقف ما تعتبره تدخلا في شئونها الداخلية ومسا بأمنها القومي ومصالحها الإقليمية، ومع استمرار الإمارات في المس بتلك المصالح وجدت الجزائر أن “آخر العلاج الكي بالنار” كما يقول المثل العربي.
علاقات الإمارات متوترة مع العديد من الدول العربية والإسلامية بسبب مساعيها للعب أدوار في تلك الدول، أو تمس بسيادتها ومصالحها.
وأصبحت القناعة لدى الكثيرين أن الإمارات لا تلعب تلك الأدوار لصالحها هي فقط بل لصالح مشروع إقليمي أكبر، وهو ما يسمى بالمشروع الإبراهيمي، والذي يستهدف دمج إسرائيل في المنطقة بشكل كامل، بل ومنحها القيادة لهذه المنطقة.
رغم وجود مؤشرات متتالية ومتصاعدة على توتر العلاقات الجزائرية الإماراتية واتجاهها إلى القطيعة الكاملة منذ مطلع العام الجاري على الأقل، إلا أن إعلان الجزائر الأخير بقطع العلاقات بشكل كامل تضمن أسبابا غير معلنة حتى الآن، وهي التي وصفها الرئيس تبون من قبل “بامتلاك أدلة ضد الإمارات”
وقد تفصح الجزائر قريبا عن هذه الأسباب الخفية، ولكن نظرة إلى تطور هذا التوتر في العلاقات ينير الطريق لاستنباط ما هي القشة التي قصمت ظهر البعير أخيرا، ودفعت الجزائر لهذا القرار الحاسم.
تتركز الاتهامات الجزائرية ضد الإمارات في ملفات داخلية (سياسية وأمنية واقتصادية) وملفات إقليمية تتصادم فيها المصالح الجزائرية مع المصالح الإماراتية.
بخلاف ملف عابر للإقليمية وهو مشروع التطبيع الإبراهيمي الذي تقوده الإمارات وتحاصر به الجزائر التي تعتبر نفسها في طليعة الدول العربية والإسلامية المناهضة للتطبيع مع إسرائيل.
في التدخلات الإماراتية في الشأن الجزائري الداخلي والتي تمثل نقطة حساسة لنظام الرئيس تبون هناك إشارات بل تصريحات واضحة عن تدخل الإمارات في الانتخابات الرئاسية الجزائرية في ديسمبر 2019 (عقب الحراك الشعبي الجزائري)
الإشارات هنا تتحدث عن دعم إماراتي للمنافس الرئيسي لتبون وهو عز الدين ميهوبي وزير الثقافة الأسبق، ورئيس التجمع الوطني الديمقراطي.
مع التذكير هنا أن الإمارات من خلال إمارة الشارقة كانت اختارت ميهوبي (الشخصية الثقافية للعام 2018) والأمر تكرر في الانتخابات الرئاسية التالي في 2024، بمزاعم عن محاولات إماراتية لعرقلة ترشح تبون لتلك الانتخابات مجددا.
وحسب الروايات الجزائرية الرسمية وغير الرسمية فإن الإمارات استغلت نفوذها الاقتصادي في الجزائر في تلك التدخلات
وهذا ينقلنا مباشرة إلى هذا الدور الاقتصادي الإماراتي حيث تستثمر الإمارات وفقا لبياناتها الرسمية حوالي عشرة مليارات دولارات في الجزائر في أنشطة خاصة بالموانئ، والتبغ، والعقارات، والصناعات الدوائية، والطاقة، والبنوك، والحديد والصلب وبعض الصناعات المشتركة.
ومن خلال هذه الاستثمارات الضخمة والتي تركز جزء منها في استثمارات استراتيجية ترتبط بالأمن القومي نجحت الإمارات في صناعة لوبيات موالية لها.
وهو ما انتبهت له الحكومة الجزائرية التي اتخذت إجراءات ضد بعض الاستثمارات العقارية والسياحية التي تأخرت في تنفيذ خططها.
وهو ما دفع الإمارات لرفع قضية تحكيم دولي حكمت لصالحها، وهو ما اغضب بدوره الجزائر المحتقنة أصلا من السلوكيات الإماراتية.

النقطة الأكثر حساسية في الشأن الداخلي الجزائري هي اتهام الإمارات بدعم جماعة انفصالية (الماك MAK ) تدعو لاستقلال منطقة القبائل، وتقديم دعم مالي لقائدها فرحات مهني، وهذه مسألة لا تتسامح الجزائر فيها -تحت أي حكومة- لأنها تمس الأمن الوطني والسلام الاجتماعي الداخلي.
أما على المستوى الخارجي فإن الجزائر المحاطة بحزام نار عبر حدودها كلها شرقا (ليبيا) وغربا (المغرب) وجنوبا (النيجر ومالي والساحل الأفريقي) وهي تتهم الإمارات بصب المزيد من النيران على هذه المناطق المشتعلة، والتي تمثل أمنا قوميا للجزائر، ومناطق نفوذ تقليدي لها تشعر الآن أن الإمارات تنافسها فيه، بل وتستغل هذه الصراعات لتصدير شظاياها إلى الداخل الجزائري.
فبخلاف العلاقات الإماراتية المتميزة مع المغرب، ودعمها للموقف المغربي في قضية الصحراء، والتي تعتبرها الجزائر خصما منها فإن الإمارات هي التي دعمت انشقاق خليفة حفتر، ومحاولته غزو طرابلس، ولا تزال تدعمه لبسط سيطرته على كل الأراضي الليبية، ما يعني أنه قد يصبح جارا خطرا للجزائر.
في النيجر التي شهدت مؤخرا محاولة انقلابية فاشلة تعتقد الجزائر أن للإمارات وفرنسا يد فيها، ولذلك سارعت الجزائر لدعم حكومة النيجر بعدد من الطائرات لمواجهة تلك المحاولة الانقلابية.
ناهيك عن المواجهات المستترة بين الجزائر والإمارات في مالي، علما أن كلتا الدولتين الجارتين (النيجر ومالي ومعهما بوركينا فاسو أيضا) تواجهان تحديا كبيرا من تنظيمات مسلحة (القاعدة وداعش) وهو ما تخشى الجزائر وصوله إليها عبر حدودها الجنوبية.
وتجدر الإشارة هنا أيضا إلى تمويلات إماراتية لإعلاميين ومؤثرين جزائريين بلغت قيمتها حسب صحيفة الخبر الجزائرية 15 مليون يورو، لإطلاق حملة إعلامية ونشر معلومات مضللة ودعاية معادية بهدف خلق توتر بين الجزائر ودول الساحل.
الأزمة الأم التي تتفرع منها الأزمات الفرعية الأخرى هي تبني الإمارات لمشروع التطبيع الإبراهيمي، والذي يسعى لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وضمنها الجزائر وفق منظومة سياسية وثقافية وأمنية جديدة تدمج إسرائيل داخلها بل تعطيها دور القيادة، وتنهي كل مقاطعة لها، دون حل للقضية الفلسطينية، وهو ما تعتبره الجزائر خطرا شديدا عليها وعلى المنطقة.
فهي من أكثر الدول رفضا للتطبيع مع إسرائيل، وهي تتبنى شعارا سياسيا متوارثا (مع فلسطين ظالمة او مظلومة) الذي صكه الرئيس الأسبق هواري بومدين، وأصبح أحد موجهات سياستها الخارجية حتى الآن، وتدرك الجزائر أن عليها واجبا أخلاقيا في مواجهة التطبيع الإبراهيمي بعد أن عجزت أو تخلت الدول العربية الأخرى عن مواجهته.
قرار قطع العلاقات لن يكون هو الخطوة الأخيرة رغم شدته، فقد تتبعه إجراءات عملية أخرى مثل إعادة فحص عقود الشركات الإماراتية في الجزائر.
تقليص التعاون الاقتصادي تدريجيا، عبر عدم تجديد بعض العقود والتراخيص، أو إعادة هيكلة بعض الشركات لاعتبارات أمنية.
وكذا تشديد الرقابة على النشاط الإماراتي وخاصة التمويل الخارجي لبعض المؤسسات السياسية والإعلامية والشخصيات الجزائرية.
لم تكن الجزائر هي أول دولة قطعت علاقاتها بالإمارات، ففي مطلع العام الحالي أعلنت الصومال عن إنهاء جميع الاتفاقيات والترتيبات الرسمية مع الإمارات، بما فيها الأمنية والدفاعية والاقتصادية
كما قطع السودان علاقاته الدبلوماسية مع الإمارات في مايو من العام الماضي، واعتبرها “دولة معادية” بسبب دعمها لميليشيا الدعم السريع، وقد يتكرر الأمر مع دول أخرى تمتلك معلومات عن أدوار إماراتية خطرة على أمنها وتماسكها الداخلي.
التعليقات مغلقة على هذا المقال.