علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

حسن مدبولي يكتب: هل تدخل مصر الحرب؟

صر خلال أكثر من عقد تجنبت الدخول في حروب واسعة النطاق، مع استثناءات محدودة، أبرزها العمليات العسكرية في ليبيا عقب قتل مصريين هناك، فضلًا عن العمليات المستمرة ضد الجماعات المسلحة في سيناء.

مشاركة:
حجم الخط:

السياسة المصرية خلال العقد الأخير، وتحديدًا منذ 2015 تقريبًا، دأبت على تجنب الانخراط المباشر في حروب كبرى أو مغامرات عسكرية خارج الحدود تشوبها مخاطر غير محسوبة.

وعلى الرغم من وجود ملفات وأحداث جسيمة مست الأمن القومي المصري، ظلت هذه السياسة هي السائدة، فلم تدفعها المجازر التي جرت في غزة على حدودها الشرقية مباشرة إلى الدخول في الحرب، واكتفت بدور الوسيط والداعم السياسي والإنساني.

كما لم تنخرط مصر  عسكريًا بصورة مباشرة في الحرب على لبنان، واكتفت في السودان بدور سياسي ودبلوماسي داعم لأحد أطراف الصراع.
وفي ليبيا، وعلى الرغم من الدعم المصري لقوات خليفة حفتر، وبلوغ الأزمة عام 2020 مرحلة اقتربت فيها احتمالات المواجهة مع تركيا، خصوصًا حول سرت، لم تتحول التهديدات إلى حرب مصرية ـ تركية، وانتهى الأمر إلى مسار سياسي، ثم تطورت العلاقات المصرية التركية لاحقًا، كما احتفظت القاهرة بعلاقاتها مع مختلف الأطراف الليبية.

وحتى في ملف سد النهضة، الذي يمثل أحد أخطر التحديات الاستراتيجية لمصر، تمسكت القاهرة طوال السنوات الماضية بالمسار الدبلوماسي والتفاوضي، رغم الدعوات الداخلية إلى الخيار العسكري، ورغم تصريحات للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عام 2020 أبدى فيها تفهمًا لاحتمال لجوء مصر إلى تدمير السد إذا فشلت المفاوضات.

مصر خلال أكثر من عقد تجنبت الدخول في حروب واسعة النطاق، مع استثناءات محدودة، أبرزها العمليات العسكرية في ليبيا عقب قتل مصريين هناك، فضلًا عن العمليات المستمرة ضد الجماعات المسلحة في سيناء.

وكان لهذا النهج دوافع متعددة، منها الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، والظروف الاقتصادية الصعبة، وحسابات الأمن الداخلي، والأهم عدم اليقين بشأن مواقف القوى الإقليمية والدولية إذا تورطت مصر في حرب واسعة.

ومن هنا، فإن السؤال المطروح الآن يختلف في خطورته: هل يمكن أن تتخلى مصر عن هذا النهج في ظل الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية مع إيران، واتساع ارتداداتها إلى الخليج واليمن والبحر الأحمر؟

التطورات الأخيرة تجعل السؤال أكثر إلحاحًا، فقد طلبت السعودية دعمًا مصريًا في مواجهة التصعيد الحوثي، في وقت تتعرض فيه طرق الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لضغوط شديدة.

كما توجد أنباء عن مشاركة مصر في اجتماع عسكري سري ضم الولايات المتحدة وإسرائيل وعددًا من الدول العربية لبحث التطورات المرتبطة بإيران.

لكن ذلك لا يعني، حتى الآن، وجود قرار مصري بالمشاركة العسكرية المباشرة. بل إن الموقف المصري المعلن ظل يركز على خفض التصعيد، وضمان حرية الملاحة، والحفاظ على أمن الخليج.

ومن ثم، فإن الاحتمال الأقرب، في تقديري، هو ألا تشارك مصر بقوات في معارك مباشرة ضد إيران أو اليمن، حتى لو تعرضت لضغوط إقليمية متزايدة، خصوصًا أن القاهرة تستطيع الدفاع عن مصالحها في البحر الأحمر وقناة السويس بوسائل أمنية وعسكرية محدودة، من دون تحويل نفسها إلى طرف رئيسي في الحرب.

أما الانخراط في حرب مفتوحة، فسيكون قرارًا بالغ الخطورة، لأن نتائج هذه الحرب غير مضمونة، ولن تشبه بالضرورة حرب تحرير الكويت.

فالصراع الحالي أكثر تعقيدًا، وأطرافه ليست إيران واليمن ولبنان والعراق وحدها، وإنما تقف وراءه شبكة واسعة من القوى الدولية والإقليمية، فيما تتداخل فيه حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج وروسيا والصين، فضلًا عن احتمالات اتساع ساحاته بصورة يصعب ضبطها.

كذلك فإن الاقتصاد المصري، في وضعه الراهن، لا يتحمل بسهولة الدخول في صراعات كبرى غير مأمونة العواقب، خصوصًا أن الحرب نفسها تضرب حركة التجارة والطاقة، وتنعكس مباشرة على قناة السويس والسياحة وتكاليف الاستيراد.

فقد عانت مصر بالفعل من آثار اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وارتفاع تكاليف النقل والطاقة.

ولا يمكن كذلك ضمان أن يتحول الدعم المالي الخليجي إلى تعويض دائم عن تكلفة الحرب، خصوصًا إذا طال أمدها أو تغيرت موازينها.

فالحروب لا تُدار بمنطق التمويل وحده، وإنما بمنطق المصالح والنتائج، وهذه النتائج لا يستطيع أحد ضمانها مسبقًا.

وهناك عامل آخر لا يمكن تجاهله، هو غياب إجماع شعبي مصري على الدخول في حرب دفاعًا عن أطراف إقليمية، في الوقت الذي يرى فيه قطاع واسع من الرأي العام أن بعض هذه الأطراف ترتبط بصورة وثيقة بالسياسة الأمريكية والإسرائيلية.

ومثل هذا العامل يصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بحرب طويلة ومرهقة، لا بعملية عسكرية محدودة ومحددة الهدف.

لكن الأخطر ربما ليس الحرب نفسها، وإنما «اليوم التالي» لها

ماذا لو انتصرت إيران أو خرجت روسيا والصين أكثر نفوذًا؟

وماذا لو انتصرت الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما؟

ما الذي ستكسبه مصر في أي من الحالتين؟

وهل ستصبح قوة عظمى؟ وهل ستحل القضية الفلسطينية؟

وهل ينتهي خطر سد النهضة؟ وهل تتوقف الحروب في السودان والصومال؟

لا شيء من ذلك مضمون.

لهذا فإن الحفاظ على مسافة آمنة من الحرب، مع حماية المصالح المصرية وحرية الملاحة وأمن البحر الأحمر وقناة السويس، قد يكون أكثر إلحاحًا الآن من أي وقت مضى.

فمصر ليست مطالبة بأن تختار طرفًا في كل حرب تشتعل حولها؛ أحيانًا يكون الحفاظ على الدولة ومصالحها، وسط حريق إقليمي، هو القرار الاستراتيجي الأهم.

شارك المقال:

شاركنا برأيك