أيمن منصور ندا يكتب: وهم الجمهورية الجديدة! (3- 12)
ومن وهم الازدهار المؤجَّل تتولد خمسة أوهام أصغر، يتولى كلُّ واحد منها حراسة الآخر:

صورة تعبيرية للمقال
غداً… دائماً غداً: وهم الازدهار المؤجَّل
في إحدى أشهر حكايات جحا، استدعاه السلطان وطلب منه أن يعلّم حماره الكلام، وهي مهمة لا يجرؤ عاقل على قبولها لكنَّ جحا وافق فوراً، وطلب مهلة عشر سنوات، ووعد السلطان بأن يسمع الحمار في نهايتها يتحدث مثل البشر..
وحين سأله أصحابه كيف ورّط نفسه في وعد مستحيل، ابتسم وقال: خلال عشر سنوات، إما أن يموت السلطان، أو أموت أنا، أو يموت الحمار!
لم يكن جحا خبيراً سياسياً، ولم يقض أكثر من خمسة عقود في فهم “يعني إيه دولة” لكنه اكتشف مبكراً واحداً من أقدم قوانين السياسة:
كلَّما كان الوعد مستحيلاً، اجعل موعده بعيداً
فالزمن الطويل لا يحقق المعجزات بالضرورة، لكنَّه يبدِّد المسؤولية، ويغيِّر الحكومات، وينسي الناس من قال ماذا، ومتى كان يفترض أن يتكلم الحمار..
وإذا كان وهم “النظام السياسي المعصوم، والرئيس اختيار السماء” هو الوهم السياسي الأكبر الذي تقوم عليه الجمهورية الجديدة، فإنَّ “الازدهار المؤجَّل” هو وهمها الاقتصادي المقابل.
فالأول يطلب من المواطن أن يثق في القرار لأنَّه صادر عن نظام سياسي معصوم وقيادة لا تخطئ، والثاني يطلب منه أن يتحمل نتائج هذا القرار لأنَّ ثماره ستظهر يوماً ما.
وبين الثقة المطلقة والصبر المفتوح، تتحول الجمهورية الجديدة من مشروع يُقاس بما أنجزه في حياة الناس، إلى وعد يُطلب منهم الإيمان به، ولو لم يروا منه إلا كلفة الانتظار..
ويقوم وهم “الازدهار المؤجَّل والنعيم المقيم المُنتظر”
على فكرة أنَّنا نسير في طريق الإصلاح الاقتصادي الصعب والطويل والشاق، وأنَّ ما قمنا به هو خطوات مهمة على الطريق الصحيح، ولكنَّنا لن نرى آثار هذا الإصلاح ونتائجه إلَّا بعد فترة زمنية طويلة.
ومن ثمَّ، ليس أمام المواطنين سوى الصبر والتحمّل والتفاؤل حتى يروا نتائج هذا الإصلاح.
وبهذا، فإنَّ التضحية والعمل والصبر هي واجبات آنية وفورية يقوم بها المواطنون (ادفع أولاً)
أما الحقوق وجني ثمار التضحيات فهي مؤجَّلة إلى حين وإلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وقد لا يكون موعد الاستحقاق قريباً أو منظوراً خلال هذا الجيل أو الجيل الذي يليه!
منذ عام 2016، ومع بدء تنفيذ سياسات “الإصلاح الاقتصادي الشامل” بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، اعتمدت الدولة خطاباً يقوم على المقارنة بين “الألم الحالي” الذي يجب تحمُّله، و”الأمل المستقبلي” الذي يجب الصبر حتى يتحقق.
وتم تبرير الإجراءات الاقتصادية الصعبة والقاسية التي نُفِّذَت باعتبارها جراحة ضرورية لا بدَّ منها لإنقاذ الاقتصاد الوطني.
ومع تصاعد حدَّة الأزمة المعيشية، أخذ الخطاب الرسمي طابعاً أكثر صراحة في تبرير المعاناة، إذ تحوَّل من مجرد دعوة إلى الصبر المؤقَّت (اصبروا معايا سنتين) إلى فلسفة سياسية كاملة تؤسس لفكرة أنَّ التنمية ليست حقاً آنياً، بل هي عملية ممتدة قد لا يراها الجيل الحالي أصلاً!
وقد أشار الرئيس السيسي أكثر من مرة إلى هذه الفكرة
على سبيل المثال: (9 مارس 2024) “تفتكروا أنه ممكن تتحل الأزمة وتبقى بلد تاخد مكانها في وسط الأمم في عشر سنين.. طب أنا بقول للمفكرين والمثقفين ورجال الإعلام إن الدول بتاخد 75 سنة عشان تبقى دول ذات شأن… أنا عمري ما وعدتكم أن الموضوع هيخلص في سنة ولا اتنين ولا عشرة، ما وعدتش بكدة”!
وفي لقاء مع برنامج التاسعة مساء (25 أكتوبر 2022)، قال الرئيس:
“كتير من اللي اتكلموا يا يوسف عن تجارب الدول، زي كوريا الجنوبية، وزي سنغافورة، وزي ماليزيا، اتكلموا عن التجارب فقط، لكن ما اتكلموش على السياق اللي كانت الدول ماشية فيه… على الأقل 20، 30 سنة، فضلت الدولة حاشدة طاقتها ال 20، 30 سنة دول”!
وأخيراً، (26 نوفمبر 2025) صرح الرئيس بأنَّ “تطور الدول قد يستغرق 100 عام، والبعض يتصور أن الأمور ممكن تنحل في 5 أو 10 سنوات فقط”!
وليس الوهم في القول إنَّ الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى وقت؛ فهذا صحيح
ولم تنهض دولة كبيرة في ليلة واحدة، إنَّما يبدأ الوهم حين يتحول الزمن من عنصر في خطة قابلة للقياس إلى مخزن مفتوح تُلقى فيه كلُّ الوعود.
حين يصبح السؤال عن النتائج دليلاً على نفاد الصبر وقلة الوطنية وسوء تقدير حجم التحديات، وعن عدم فهم حقيقي لمعنى الدولة.
وتصبح المطالبة بجدول زمني نوعاً من الجهل بقوانين التاريخ
وعدم المعرفة بكيفية تقدم الأمم، والرغبة في الحصول على مكاسب فئوية (أنا لو أقدر أديك هاديك من عيني، أنا مش قادر أديك… هتاكلوا مصر يعني؟ يعني هتموتوها؟)!
ومن وهم الازدهار المؤجَّل تتولد خمسة أوهام أصغر، يتولى كلُّ واحد منها حراسة الآخر:
أولها “وهم الطفرة الاستثمارية”:
إذ يتم الإشارة من حين إلى آخر إلى أنَّ صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في ارتفاع، وأنَّه يقفز قفزات متسارعة.
على سبيل المثال، فقد أُعلِن أنَّ صافي الاستثمار الأجنبي المباشر قفز في العام المالي 2023/2024 إلى نحو 46 مليار دولار، بعدما كان يدور حول عشرة مليارات في العام السابق.
والرقم صحيح، لكنه لا يروي القصة كلها، فالجزء الأكبر من هذه القفزة ارتبط بصفقة “رأس الحكمة” الاستثنائية، لا بتدفق سنوي منتظم لمصانع جديدة ومشروعات إنتاجية تتكرر كل عام.
إنَّ الاستثمار الحقيقي لا يُقاس بحجم الشيك عند توقيع الصفقة فقط، بل بما يضيفه بعد سنوات إلى الإنتاج والتكنولوجيا والتشغيل.
أما الاحتفال بكل تدفق مالي باعتباره شهادة على تعافي الاقتصاد، فيشبه من يبيع جزءاً من منزله، ثم يعلن أنَّ دخله الشهري قد ارتفع!
وثانيها “وهم تعافي الجنيه بقرار أو نبوءة إعلامية”
فمع كل انخفاض كبير للعملة، يظهر من يؤكد أن الجنيه سيستعيد عافيته قريباً، وأنَّ الجنيه قادر على التعافي، وعلى الوصول إلى قيمته الحقيقية، في المستقبل القريب.
وأنَّ الانخفاض الكبير في قيمته ما هو إلَّا “تذبذب مؤقَّت” ستعقبه موجة من التعافي بمجرد استقرار الأوضاع الاقتصادية، وزيادة التدفقات الدولارية.
(على سبيل المثال، تصريحات يوسف الحسيني عن كون سعر الدولار “عبارة عن فقاعة” وتصريحات الفريق كامل الوزير عن أنه “قريباً هنصنع الدولار”
وتصريحات سابقة لمحافظ البنك المركزي السابق عن وصول سعر الدولار إلى أربعة جنيهات، وتصريحات أحد المحسوبين على الحكومة بأن الدولار قريباً لن يجد من يشتريه….)
غير أنَّ التحليل الموضوعي للمؤشرات الاقتصادية والسياسات المالية والنقدية يؤكد أنَّ هذه الفكرة تفتقد للأسس الواقعية، وأنَّها أقرب إلى التهدئة الإعلامية الدعائية منها إلى التوقع الاقتصادي العلمي.
وثالث الأوهام هو أنَّ “الديون استثمار في المستقبل”
: والاقتراض ليس جريمة في ذاته، فكلُّ الدول تقترض، وقد يكون الدين أداة رشيدة إذا موّل مشروعاً إنتاجياً يحقق عائداً يفوق تكلفته؛ لكنَّه يصبح عبئاً حين يُستخدم لسداد دين سابق، أو تمويل عجز مزمن، أو إنشاء مشروعات لا تولِّد إيراداً يكفي لخدمته، أو لشراء سلع ترفيهية ليس هذا أوانها أو مكانها.
وحين تستحوذ فوائد الدين وأقساطه على جزء بالغ الضخامة من إيرادات الدولة، فإنَّ المال لا يذهب إلى مدرسة أو مستشفى أو مصنع جديد، بل إلى ثمن أموال اقترضناها من قبل.
وبديهي، أنَّ الدين الذي يبني قدرة على السداد (مصانع…) قد يخدم المستقبل.
أما الدين الذي يلتهم الإيرادات ويضطر الدولة إلى الاقتراض مجدداً لخدمته، فلا يستثمر في المستقبل؛ بل يرسل إليه الفاتورة.
والوهم الرابع هو أنَّ “الازدهار مضمون، لكنه بعيد”
: وتركِّز وسائل الإعلام المصرية على هذه الفكرة، وتشير إليها باستمرار، فعلى سبيل المثال، أشارت جريدة “الوطن” (8 أغسطس 2017) إلى “تقرير: مصر بين أقوى 32 اقتصاد قي العالم 2050”
وأشارت جريدة اليوم السابع (25 فبراير 2018) إلى “تقرير دولي: الاقتصاد المصري سيحتل المرتبة ال 15 عالمياً بحلول عام 2050”
وأشار نشأت الديهي (19 مارس 2024) إلى أنَّ “كلَّ الدراسات تقول إنَّ مصر ستصبح من أهم 10 اقتصاديات في العالم، خلال الفترة من 2050 حتى 2075، وسيكون اقتصاد مصر ضخماً جداً، وهذا الكلام مبني على إحصائيات ومعادلات”!
وأشار يوسف الحسيني (24 أغسطس 2025): “الوضع الاقتصادي في مصر يحقق نمواً، وترتيب مصر، في النمو، الثاني أو الثالث على مستوى المنطقة، والمسار الاقتصادي لمصر جيد، وهذه هي الحقيقة تحبها ما تحبهاش مش بتاعتي”
أما الوهم الخامس فهو أنَّ “بيع الأصول استثمار”
وقد يكون طرح شركة حكومية أو إدخال شريك أجنبي قراراً اقتصادياً سليماً إذا رفع الكفاءة، وجلب التكنولوجيا، ووسَّع الإنتاج، وجرى في إطار شفاف وبسعر عادل.
لكنَّ بيع الأصل لتغطية احتياج عاجل إلى الدولار يختلف عن الاستثمار فيه؛ الأول يوفر سيولة مرة واحدة، والثاني يخلق تدفقاً مستمراً.
والمشكلة ليست في أن تبيع الدولة أصلاً، بل في أن تبيع اليوم لتسد فجوة، ثم تكتشف غداً أنَّ الفجوة عادت بينما الأصل لم يعد موجوداً، عندها لا تكون قد عالجت الأزمة، وإنَّما موّلت استمرارها لبعض الوقت، تماماً كما يبيع رب الأسرة أثاث المنزل ليسدد مصروفاته الشهرية، ثم يحتفل لأنَّ السيولة تحسنت!
إنَّ أخطر ما في الوهم الاقتصادي للجمهورية الجديدة أنَّه لا ينفي معاناة الحاضر، بل يعيد تفسيرها بوصفها دليلاً على أنَّنا نسير في الطريق الصحيح.
كلما زاد الألم، قيل إنَّ الجراحة أعمق، وكلما تأخرت النتيجة، قيل إنَّ بناء الدول يحتاج إلى وقت، وكلما فشلت نبوءة، نُقلت إلى سنة أبعد.
وهكذا يصبح المستقبل في الجمهورية الجديدة مخزناً واسعاً للوعود التي عجز الحاضر عن الوفاء بها:
الاستثمار الحقيقي سيأتي، والجنيه سيتعافى، والديون ستتحول إلى عوائد، والأصول المبيعة ستصنع تنمية، والازدهار الكبير ينتظرنا في نهاية الطريق.
لكنَّ الطريق يطول، والموعد يتحرك، والتضحيات تبقى عاجلة، بينما تظل الثمار مؤجلة!
وعندما تنتهي المهلة، قد يتغير السلطان، ويرحل جحا، ويموت الحمار، لكنَّ شيئاً واحداً يبقى حياً:
الوعد نفسه، ينتقل من خطاب إلى خطاب، ومن خطة إلى خطة، ومن عام مستهدف إلى عام أبعد!
ليست المشكلة أنَّ الحمار لم يتكلم؛ المشكلة أنَّ الناس ظلوا عشر سنوات يدفعون ثمن دروسه!






