علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

لبنان… اتفاق واشنطن على الورق والنار على الأرض

في 26 يونيو 2026، وقّع ممثلو لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، «الإطار الثلاثي» الذي يضع مسارًا تفاوضيًا لإنهاء النزاع وترتيب الوضع الأمني بين البلدين.

مشاركة:
حجم الخط:

نيويورك تتحدث عن السيادة، وواشنطن ترسم خرائط الانسحاب، لكن جنوب لبنان ما زال يستيقظ على أصوات المدفعية والتفجيرات.

وبين طاولة المفاوضات ومدينة الخيام، تبدو الدولة اللبنانية أمام واحد من أعقد الاختبارات منذ عقود:

كيف تستعيد قرارها الأمني وسلطتها على كامل أراضيها، فيما القوات الإسرائيلية ما زالت تسيطر على مناطق داخل الجنوب، وحزب الله يرفض تسليم سلاحه وفق الصيغة المطروحة، والشارع السياسي اللبناني ينقسم حول ما إذا كان «إطار واشنطن» بابًا لاستعادة السيادة أم مدخلًا إلى أزمة داخلية جديدة؟

نيويورك.. سلام يبحث عن مظلة دولية

على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، كثّف رئيس الحكومة نواف سلام تحركاته الدبلوماسية، واضعًا ثلاثة ملفات في مقدمة أجندته:

الانسحاب الإسرائيلي، دعم الجيش اللبناني، وتأمين صيغة دولية تمنع حدوث فراغ أمني في الجنوب بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»

وخلال لقائه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، جرى التأكيد على تنفيذ القرار 1701 وعلى حصرية السلاح بيد الدولة واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه.

المشكلة الأكثر إلحاحًا أن مجلس الأمن كان قد قرر تمديد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 ديسمبر 2026، على أن يبدأ بعدها انسحاب منظم للقوة الدولية.

وهذا ما دفع لبنان وفرنسا والأردن ودولًا أخرى إلى بحث بدائل أمنية ودولية لدعم الجيش اللبناني ومنع نشوء فراغ في الجنوب.

ماذا يقول «إطار واشنطن» فعلًا؟

في 26 يونيو 2026، وقّع ممثلو لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، «الإطار الثلاثي» الذي يضع مسارًا تفاوضيًا لإنهاء النزاع وترتيب الوضع الأمني بين البلدين.

وينص جوهره العملي على انتقال تدريجي للسيطرة الأمنية إلى الجيش اللبناني في «مناطق تجريبية»، بالتوازي مع نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها العسكرية، ثم إعادة انتشار القوات الإسرائيلية بصورة مرحلية ومتحقق منها. كما أُنشئت آلية تنسيق عسكري بدعم أميركي لمتابعة التنفيذ.

لكن سلام شدد لاحقًا على أن الوثيقة ليست «اتفاقية» أو «معاهدة» بالمعنى القانوني، وإنما إطار يحدد طريق المفاوضات، بينما تقول الرئاسة اللبنانية إن غياب جدول زمني نهائي للانسحاب يعود إلى طبيعة الوثيقة باعتبارها إطارًا عامًا وليس تسوية مكتملة.
وهنا تكمن العقدة:

إسرائيل تربط انسحابها الكامل بتحقق ترتيبات أمنية ونزع سلاح حزب الله، فيما تطالب بيروت بانسحاب إسرائيلي ووقف العمليات العسكرية وتوسيع المناطق التي يتسلمها الجيش، وصولًا إلى جدول زمني واضح للانسحاب.

الأرض تقول شيئًا آخر

بعد قرابة ثلاثة أشهر من توقيع الإطار، لا تبدو الجبهة الجنوبية في حالة استقرار كامل.

ففي 23 سبتمبر تعرضت مناطق في وادي زبقين وأطراف برعشيت لقصف مدفعي إسرائيلي، وسُجل إطلاق نار باتجاه بلدات أخرى، بعد غارات ليلية على المنصوري وعمليات تدمير في الخيام.

كما أدى تفجير في الخيام إلى أضرار في شبكة الكهرباء وانقطاع التيار عن حاصبيا وشبعا والعرقوب.

هكذا أصبحت المشكلة اللبنانية ذات وجهين متناقضين: الدولة مطالبة دوليًا بتنفيذ التزاماتها المتعلقة بحصرية السلاح، لكنها في الوقت نفسه تقول إن العمليات الإسرائيلية واستمرار السيطرة على أراضٍ لبنانية يعقّدان تنفيذ المسار ويضعفان قدرة الحكومة على إقناع الداخل بأن التسوية تنتج انسحابًا فعليًا.

الشرخ اللبناني.. السلاح يقسم الداخل

الانقسام لم يعد خفيًا، الحكومة اللبنانية كانت قد قررت في مارس حظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله خارج مؤسسات الدولة، وأكدت أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصريًا بيد الدولة.

في المقابل رفض حزب الله إطار واشنطن، معتبرًا أنه يفرض نزع سلاحه قبل ضمان الانسحاب الإسرائيلي، وحذّر مسؤولون فيه من أن فرضه بالقوة قد يقود إلى اضطرابات داخلية.

قد ظهر حجم الشرخ داخل البرلمان نفسه في سبتمبر:

الحكومة حصلت على الثقة بـ68 صوتًا مقابل 12 وامتناع نائبين، بينما انسحب نواب حزب الله قبل التصويت، في حين منح نواب حركة أمل الحكومة الثقة.

إلى أين يتجه لبنان؟

أمام لبنان عدة مسارات ممكنة، لا يمكن الجزم بأي منها. الأول هو تقدم تدريجي في تنفيذ الإطار:

توسع انتشار الجيش، انسحابات إسرائيلية مرحلية، وتمويل دولي لإعادة الإعمار، بما يسمح بتحويل التفاهم السياسي إلى واقع أمني.

الثاني هو بقاء الوضع معلّقًا: استمرار المفاوضات مع ضربات إسرائيلية متقطعة ورفض حزب الله نزع السلاح الكامل، فتتحول المناطق التجريبية إلى ترتيبات مؤقتة بدلاً من أن تكون بداية تسوية شاملة.

أما المسار الأخطر فهو انهيار الترتيبات الميدانية إذا اتسع التصعيد أو تحولت أزمة السلاح إلى مواجهة داخلية، خصوصًا مع اقتراب نهاية ولاية اليونيفيل.
ولهذا فإن السؤال الذي يلاحق لبنان من نيويورك إلى الخيام لم يعد فقط: متى تنسحب إسرائيل؟ بل أيضًا: هل يستطيع اللبنانيون الاتفاق على شكل الدولة ومن يملك قرار السلاح قبل أن تفرض الأرض إجابة أكثر كلفة؟

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك