علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
مني شماخ
مني شماخ

أعلامية وكاتبة روائية

منى شماخ تكتب: من غير” ليه؟”

السؤال الذي يخرج عن الدرس، أو الإجابة التي لا تشبه النموذج، فلا مكان لهما؛ يُسمح له بالتفكير والاختيار، لكن داخل حدود مرسومة سلفًا، لا يُسمح بتجاوزها، ولا حتى بمحاولة النظر إلى ما يقع خارجها.

مشاركة:
حجم الخط:

“ليه؟”

سؤال يتردد كثيرًا على ألسنة الأطفال دون سن الخامسة، لكنه يختفي أو يكاد بعد ذلك.

ليس لأننا أجبناهم، أو علمناهم البحث عن الإجابة بأنفسهم، لكن لأننا علمناهم، كما تعلمنا من قبل، أن هناك أسئلة لا تُطرح، واختيارات لا داعي للبحث عن أسبابها، وآراء من الأفضل أن تبقى داخلنا.

مع كل سؤال نغلقه بإجابة جاهزة، يتعلم الطفل أن المطلوب منه أن يعرف ما نريده، لا أن يبحث عما يريد معرفته.

يكبر الطفل، فيتعلم أن الإجابة الصحيحة هي التي لا تضعه في مشكلة، وأن الصمت أقل كلفة من النقاش.

في المدرسة، يُكافأ الطالب الذي يحفظ الإجابة المطلوبة، وحتى حين يُسمح له بالاختلاف، عليه أن يختار بين بدائل وُضعت له مسبقًا.

أما السؤال الذي يخرج عن الدرس، أو الإجابة التي لا تشبه النموذج، فلا مكان لهما؛ يُسمح له بالتفكير والاختيار، لكن داخل حدود مرسومة سلفًا، لا يُسمح بتجاوزها، ولا حتى بمحاولة النظر إلى ما يقع خارجها.

وفي الأسرة، تتحول التربية إلى صناعة نسخة منا؛ فبدلًا من مساعدة أبنائنا على اكتشاف ما يناسبهم، ندفعهم إلى تكرار تجاربنا، وننتظر منهم أن يصلوا إلى النتائج نفسها، وأن يسيروا في الطريق الذي اخترناه لهم، لأننا نظن أنه الطريق الأصح لمجرد أننا سلكناه من قبل.

لا يتوقف الأمر عند البيت والمدرسة فالمجتمع يكمل المهمة بطريقته.

هناك ما نعتبره صحيحًا لمجرد أننا اعتدناه، وما نراه خطأ لمجرد أنه جديد علينا.

وهنا أتذكر فكرة نيتشه عن «القطيع»: الجماعة لا تنزعج بالضرورة من خطأ الفرد بقدر ما قد تنزعج من فرد يخرج عن طريقتها في التفكير.

فالخطأ يمكن تصحيحه وإعادة صاحبه إلى الطريق الذي يعرفه الجميع، أما الاختلاف فيطرح سؤالًا أصعب:

ماذا لو لم يكن الطريق الذي يسير فيه الجميع هو الطريق الوحيد؟

وهذا يفسر لماذا قد يكون المختلف أكثر إزعاجًا من المخطئ. فالمختلف لا يقول فقط: «أنا أرى الأمر بطريقة أخرى»، بل يذكّر الآخرين بأن ما اعتادوه ليس بالضرورة حقيقة، وأن ما اتفقوا عليه ليس بالضرورة الخيار الوحيد.

لكن الاختلاف في حد ذاته ليس هدفًا؛ فقيمته تبدأ حين يكون وراءه قدرة على التساؤل، واستعداد لتحمل مسؤولية الاختيار، لا مجرد رغبة في السير عكس الاتجاه.

وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا به:

ماذا حدث للطفل الذي كان يسأل “ليه؟” ثم توقف؟

هل وجد الإجابة؟ أم أنه تعلّم أن بعض الأسئلة لا تُطرح، وبعض الإجابات لا تُقال، وبعض الاختيارات لا تُناقش؟

فالخطر الحقيقي ليس أن يخطئ الإنسان في اختياره، وإنما أن يظن أنه اختار، بينما كان يتعلم منذ البداية ماذا يسأل، وبم يجيب، وأي طريق يسلك، حتى يعتاد أن يعيش من غير”ليه؟”

شارك المقال:

شاركنا برأيك