قمة الأرض المرتقبة ترسم ملامح التوازن بين واشنطن وبكين
لا يمكن فهم دلالات هذه القمة من دون العودة إلى المسار التاريخي الذي قاد العلاقة بين واشنطن وبكين من شراكة تجارية واسعة إلى منافسة استراتيجية شاملة
لقاء مرتقب بين القوتين العظمى في العالم
من صراع الرسوم إلى الهدنة
مع اقتراب قمة الأرض المرتقبة، تتجه الأنظار إلى اللقاء المنتظر بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، في وقت لم تعد فيه الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين معركة تُقاس فقط بمليارات الدولارات التي تخضع للرسوم الجمركية.
فبعد ثماني سنوات من التصعيد والردود المتبادلة، تحولت المواجهة إلى صراع أوسع على التكنولوجيا والرقائق وسلاسل الإمداد والطاقة والمعادن الحرجة، حتى باتت شحنة من المعادن الأرضية النادرة قادرة على التأثير في حسابات واشنطن بقدر ما تفعل مئات المليارات من الدولارات من التجارة.
قبيل الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة بين 23 و25 سبتمبر 2026، تبدو لهجة الإدارة الأميركية أقل تصعيدًا مقارنة بمحطات سابقة.
فيما تفرض القمة نفسها بوصفها اختبارًا جديدًا لقدرة القوتين على إدارة خلافاتهما دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ويشير محللون إلى أن هيمنة الصين على أجزاء حاسمة من سلسلة إمداد المعادن الأرضية النادرة أصبحت عاملًا رئيسيًا في إدارة الصراع، خصوصًا بعدما أثبتت بكين قدرتها على استخدام قيود التصدير كورقة ضغط في أوقات التوتر.
لا يمكن فهم دلالات هذه القمة من دون العودة إلى المسار التاريخي الذي قاد العلاقة بين واشنطن وبكين من شراكة تجارية واسعة إلى منافسة استراتيجية شاملة، انعكست على الاقتصاد العالمي وأعادت رسم موازين القوة بين أكبر اقتصادين في العالم.
2018.. الطلقة الأولى في حرب الرسوم
بدأ التحول الكبير في العلاقة التجارية خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب، ففي مارس 2018، تحركت واشنطن بموجب المادة 301 من قانون التجارة، متهمة الصين بممارسات تتعلق بنقل التكنولوجيا والملكية الفكرية وسياساتها الصناعية.
في يوليو من العام نفسه، فرضت الولايات المتحدة رسومًا إضافية بنسبة 25% على واردات صينية بقيمة تقارب 34 مليار دولار، ثم توسعت الإجراءات لتشمل دفعات أخرى من السلع.
وفي سبتمبر 2018 أعلنت واشنطن فرض رسوم إضافية على واردات صينية بقيمة نحو 200 مليار دولار، بدأت عند 10% قبل أن ترتفع لاحقًا إلى 25%.
وردت بكين برسوم على صادرات أميركية، ليتحول النزاع إلى واحدة من أكبر جولات التصعيد التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم.
2019.. التصعيد يتسع ثم تبدأ لغة التفاوض
خلال 2019، انتقلت الحرب إلى مستوى أكثر حدة، زادت واشنطن بعض الرسوم من 10 إلى 25%، بينما وسعت الصين إجراءاتها المضادة. وأصبحت ملفات التكنولوجيا، وفي مقدمتها شركة «هواوي»، جزءًا لا ينفصل عن النزاع التجاري.
لكن لقاء ترامب وشي على هامش قمة مجموعة العشرين في أوساكا في يونيو 2019 فتح الباب أمام هدنة مؤقتة، وأظهر نمطًا سيتكرر لاحقًا: تصعيد قبل القمم، ثم تخفيف نسبي للضغوط عندما تبدأ المفاوضات المباشرة.
2020.. «المرحلة الأولى» توقف الانفجار ولا تنهي الحرب
في 15 يناير 2020 وقعت واشنطن وبكين اتفاق «المرحلة الأولى» وشمل الاتفاق تعهدات صينية مرتبطة بالملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا وفتح بعض الأسواق، إلى جانب زيادة مشتريات المنتجات والخدمات الأميركية، ودخل الاتفاق حيز التنفيذ في فبراير من العام نفسه.
لكن الاتفاق لم يؤد إلى إزالة معظم الرسوم التي تراكمت منذ 2018، وحتى إدارة الرئيس جو بايدن قالت لاحقًا إن الاتفاق ساهم في استقرار بعض جوانب العلاقة التجارية، لكنه لم يعالج بصورة كاملة الخلافات الهيكلية التي تقول واشنطن إنها قائمة في النموذج الاقتصادي الصيني.
بايدن يغيّر السلاح.. من الجمارك إلى الرقائق
لم تتراجع المواجهة في عهد بايدن، لكنها اكتسبت طابعًا أكثر تركيزًا على القطاعات الإستراتيجية.
في أكتوبر 2022 فرضت وزارة التجارة الأميركية ضوابط واسعة على تصدير بعض رقائق الحوسبة المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات إلى الصين، ثم جرى تشديد هذه القيود لاحقًا.
أعلنت واشنطن أن الهدف هو الحد من قدرة الصين على الحصول على تقنيات متقدمة يمكن استخدامها في الحوسبة الفائقة والذكاء الاصطناعي والتطبيقات العسكرية.
في مايو 2024، أعلنت إدارة بايدن زيادات جديدة في الرسوم على قطاعات صينية إستراتيجية؛ فوصلت الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية إلى أكثر من 100%، بينما تقرر رفع رسوم أشباه الموصلات إلى 50%، إلى جانب إجراءات طالت البطاريات والخلايا الشمسية والمعادن الحرجة.
هكذا تحولت الحرب من مواجهة تجارية واسعة إلى سباق على الصناعات التي ستحدد موازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية خلال العقود المقبلة.
2025.. عودة ترامب وانفجار الرسوم
مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، دخل النزاع مرحلة جديدة. بدأت واشنطن بفرض رسوم إضافية على الصين، ثم تصاعدت المواجهة بصورة حادة خلال أبريل.
في ذروة التصعيد، وصلت الرسوم الأميركية الإضافية على بعض الواردات الصينية إلى 145%، بينما رفعت الصين رسومها على واردات أميركية إلى 125%.
هذه المستويات لم تستمر طويلًا، ففي مايو توصل الطرفان في جنيف إلى هدنة مدتها 90 يومًا، خفضت خلالها الولايات المتحدة الجزء الأكبر من الرسوم الجديدة على الصين إلى مستوى إجمالي بلغ نحو 30% في إطار الإجراءات محل التفاوض، مقابل خفض الصين رسومها الانتقامية الجديدة إلى 10%.
كانت الرسالة واضحة: رفع تكلفة المواجهة إلى أقصى الحدود يمكن أن يخلق أيضًا ضغطًا متبادلًا للعودة إلى طاولة المفاوضات.
المعادن النادرة.. بكين تجد ورقتها الأقوى
ما غيّر طبيعة الحسابات الأميركية بصورة أكبر كان ملف المعادن الأرضية النادرة.
تشير تقديرات أوردتها «رويترز» إلى أن الصين تستحوذ على ما يصل إلى 70% من تعدين المعادن الأرضية النادرة عالميًا، ونحو 85% من قدرات المعالجة، وحصة تقارب 90% في بعض مراحل إنتاج السبائك والمغناطيسات الدائمة.
هذه المواد تدخل في صناعات تمتد من السيارات الكهربائية والرقائق إلى الطائرات والصواريخ والمعدات الدفاعية.
عندما فرضت بكين قيودًا على صادرات بعض هذه المواد خلال جولات التصعيد، ظهرت نقطة ضعف في الاقتصاد الصناعي الغربي:
الولايات المتحدة قادرة على فرض رسوم وعقوبات وقيود تكنولوجية، لكن بناء سلسلة إمداد بديلة للمعادن الحرجة يحتاج إلى سنوات وليس إلى قرار رئاسي واحد.
2026.. هدنة تحت الاختبار
اليوم، عشية لقاء ترامب وشي في واشنطن، لم تختفِ أسباب الحرب التجارية. الرسوم لا تزال موجودة، وضوابط التكنولوجيا مستمرة، والخلاف حول الرقائق والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد لم يُحسم.
لكن ما تغير هو ميزان أدوات الضغط.
وتشير المحادثات الجارية إلى بحث خفض رسوم على بعض السلع غير الإستراتيجية، إلى جانب مناقشة المعادن النادرة والطاقة والذكاء الاصطناعي، فيما تستمر الهدنة التجارية الحالية حتى نوفمبر ما لم يتفق الطرفان على تمديدها.
بعد ثمانية أعوام من حرب بدأت برسوم على الصلب والآلات والمنتجات الصناعية، يبدو أن واشنطن وبكين وصلتا إلى معادلة أكثر تعقيدًا: لا سلام تجاري كامل، ولا قدرة لأي طرف على التصعيد بلا تكلفة.
فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك نفوذًا هائلًا في التكنولوجيا والتمويل والأسواق، بينما تملك الصين أدوات يصعب استبدالها سريعًا، من القدرة الصناعية إلى المعادن الحرجة وسلاسل التصنيع.
من هنا تبدو «الهدنة» الحالية أقل شبهًا بنهاية حرب تجارية، وأكثر شبهًا بإدارة مؤقتة لصراع اقتصادي طويل انتقلت ساحته من الموانئ والجمارك إلى الرقائق والمناجم ومختبرات الذكاء الاصطناعي.
شاركنا برأيك