قانون 73 والعدالة المؤجلة
شير شكاوى متداولة عبر صفحات العاملين على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن بعض إجراءات التطبيق تفتقر إلى الشفافية الكافية، خاصة فيما يتعلق بإجراءات التحليل

صورة من وحي الموضوع
حين تتحول التحاليل إلى أداة للفصل
لم يكن يتصور أن نتيجة تحليل مفاجئ قد تكون كفيلة بإنهاء مسيرته المهنية بالكامل.
هكذا بدأت حكاية م.ع، وهو موظف حكومي وجد نفسه خارج عمله بين ليلة وضحاها بعد سنوات من الخدمة، دون تحقيق مطول أو فرصة حقيقية لإثبات موقفه.
لم يكن وحده؛ فقصص مشابهة تتكرر بصيغ مختلفة، لكنها تنتهي جميعًا عند نقطة واحدة وهي الفصل.
منذ صدور القانون رقم 73 لسنة 2021، الخاص بشروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها، والذي ينص على إنهاء خدمة الموظف حال ثبوت تعاطيه مواد مخدرة، تحوّل تطبيقه إلى محور جدل متصاعد، خاصة مع تزايد شكاوى العاملين من آليات التنفيذ.
سالم أبو رخا يكتب: مؤسس الإرهاب الأول هرتزل
سالم أبو رخا يكتب: “سعار” الهجوم الخليجي على مصر
بين النص والتطبيق
جاء القانون في سياق السعي لضبط الجهاز الإداري للدولة، ورفع كفاءة العاملين، والحد من مخاطر تعاطي المواد المخدرة داخل بيئة العمل. لكن، ومع بدء التطبيق، ظهرت تساؤلات حول مدى التوازن بين هذا الهدف المشروع، وبين ضمانات العدالة الإجرائية للعاملين.
تشير شكاوى متداولة عبر صفحات العاملين على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن بعض إجراءات التطبيق تفتقر إلى الشفافية الكافية، خاصة فيما يتعلق بإجراءات التحليل، وإمكانية إعادة الفحص، ومسارات التظلم.
كما يثير الاعتماد على نتيجة تحليل واحدة، دون تحقيق موسع أو تمكين العامل من الدفاع عن نفسه، تساؤلات حول مدى توافق ذلك مع مبادئ العدالة.
العدالة المؤجلة
في العديد من الحالات، لا يتوقف الأمر عند فقدان الوظيفة، بل يمتد إلى تداعيات اجتماعية قاسية، حيث تفقد أسر مصدر دخلها الرئيسي دون وجود بدائل أو مسارات دعم واضحة.
وبينما يهدف القانون إلى حماية بيئة العمل، يرى متضررون أن تطبيقه في بعض الحالات أدى إلى نتائج عكسية تمس الاستقرار الاجتماعي.
ويؤكد مختصون أن الفارق بين التعاطي والإدمان يجب أن يكون حاضرًا في أي معالجة تشريعية، مشيرين إلى أن التعامل مع الإدمان باعتباره مرضًا يتطلب العلاج، وليس فقط العقوبة، يمثل مدخلًا أكثر توازنًا.
تحت قبة البرلمان: هل تتحرك التشريعات متأخرة؟
في مقابل هذه الوقائع، لم يعد الجدل مقتصرًا على العاملين، بل امتد إلى مجلس النواب، حيث طُرحت عدة مقترحات لإعادة النظر في القانون.
-فقد دعا النائب أشرف سعد سليمان إلى إدخال التدرج العلاجي قبل الفصل، عبر وقف القرار مؤقتًا وإحالة الموظف إلى برامج تأهيل.
-كما طالب النائب عاطف المغاوري بمناقشة عامة لتقييم الأثر التشريعي، منتقدًا غياب البدائل الإصلاحية.
– وقدمت النائبة نشوى الشريف مشروع تعديل لتحقيق توازن بين مكافحة التعاطي وحماية الحقوق القانونية.
– فيما اقترح النائب محمد الصالحي تعزيز ضمانات التحليل والتظلم، وإنشاء آليات سريعة للفصل في الطعون.
تعكس هذه التحركات إدراكًا متزايدًا لتعقيد الأزمة، لكنها تثير في الوقت ذاته تساؤلًا مهمًا: هل تأتي هذه المراجعات بعد أن دفعت الأسر ثمن
• التطبيق بين الردع والإصلاح
يبقى التحدي الحقيقي في تحقيق معادلة صعبة: الحفاظ على بيئة عمل آمنة ومنضبطة، دون الإخلال بحقوق العاملين أو تحويل القانون إلى أداة للفصل الفوري.
فالقوانين في جوهرها لا تهدف فقط إلى الردع، بل إلى تحقيق العدالة.
والعدالة كما يرى كثيرون لا تكتمل إلا بوجود ضمانات كافية تتيح الفرصة للتظلم، وتراعي الفروق الفردية، وتفتح باب الإصلاح قبل العقاب.
نهاية مفتوحة
حتى الآن، لا تزال الأسئلة قائمة. وبين نص قانوني واضح وتطبيق يثير الجدل، تقف آلاف الحالات في منطقة رمادية تنتظر إجابة حاسمة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح التعديلات المرتقبة في تحويل القانون من أداة حاسمة للفصل، إلى منظومة أكثر توازنًا تراعي الإنسان بقدر ما تحمي الكيان الإداري؟






