علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: تيران وصنافير وباب المندب

في سبتمبر 2026، لم يعد أمن باب المندب مجرد عنوان في التقارير العسكرية، بل أصبح جزءًا معلنًا من الاتصالات المصرية السعودية، بعدما أكد السيسي ومحمد بن سلمان أهمية حرية وأمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.

مشاركة:
حجم الخط:

 البحر الذي لا يجوز أن تغفل عنه مصر

باب المندب ليس مضيقًا بعيدًا عن مصر، ولا مجرد ممر تمر منه السفن في طريقها إلى قناة السويس. هو البوابة الجنوبية التي يدخل منها البحر الأحمر إلى شريان مصر البحري، وكل تغيير في ميزان القوة حوله ينعكس، بدرجات مختلفة، على قدرة القاهرة على حماية واحد من أهم مصادر قوتها الاقتصادية والسيادية.

ولهذا فإن الحديث عن سيطرة أنصار الله على باب المندب من زاوية الخسائر المصرية وحدها يظل ناقصًا. نعم، الضرر الذي أصاب قناة السويس حقيقي، ومصر دفعت ثمنًا اقتصاديًا ثقيلًا نتيجة اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، حتى إن إيرادات القناة تراجعت بأكثر من 60% خلال 2024، وخسرت مصر قرابة 7 مليارات دولار مقارنة بالعام السابق. لكن السؤال الذي يجب ألا يهرب منه أحد هو: هل كل نفوذ على باب المندب يمثل الخطر نفسه بالنسبة إلى مصر؟

هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحًا بعدما انتقلت المعركة في اليمن إلى مواقع ساحلية وجزر وموانئ تسيطر على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. فقد أفادت تقارير حديثة بسيطرة أنصار الله على جزيرة ميون، وانتشارهم في منطقة باب المندب، بعد السيطرة على المخا ومواقع أخرى على الساحل الغربي. ولم تعد المسألة مجرد تهديد نظري للملاحة، بل أصبحت واقعًا عسكريًا يعيد تشكيل ميزان القوة عند واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

وفي سبتمبر 2026، لم يعد أمن باب المندب مجرد عنوان في التقارير العسكرية، بل أصبح جزءًا معلنًا من الاتصالات المصرية السعودية، بعدما أكد السيسي ومحمد بن سلمان أهمية حرية وأمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.

لكن مصر، إذا أرادت أن تنظر إلى المسألة بعين الدولة، لا بعين البيانات السياسية، عليها أن تضع سؤالًا آخر على الطاولة: ماذا يعني أن يصبح أمن باب المندب مرتبطًا بترتيبات أمنية إقليمية طويلة المدى، ومن يضمن أن تتحول حماية الملاحة غدًا إلى إدارة للممر، ثم إلى نفوذ سياسي وأمني على قراره؟

تيران وصنافير تكفيان لتذكير المصريين بأن البحر ليس فراغًا بين الدول.

جزيرتان صغيرتان في خليج العقبة تحوّلتا إلى قضية تتجاوز مساحتهما بكثير، لأن الجغرافيا البحرية لا تُقاس بحجم الأرض وحده. الموقع قد يكون أكبر من مساحته، والنقطة البحرية قد تدخل في حسابات أمنية وسياسية تمتد إلى ما هو أبعد منها.

اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المصرية السعودية عام 2016، التي دخلت حيز النفاذ في 2017، أعادت إلى المجال العام سؤالًا قديمًا حول علاقة الجغرافيا البحرية بالسيادة وأمن الملاحة وموازين القوة في البحر الأحمر وخليج العقبة.

ومن الخطأ أن نأخذ من ذلك نتيجة مبسطة تقول إن السعودية تريد السيطرة على باب المندب. لا يوجد ما يثبت هذه الصيغة بهذه القطعية، ولا تحتاج مصر أصلًا إلى افتراضها كي تدرك حجم المسألة.

يكفي أن نسأل: إذا أصبح أمن باب المندب مرتبطًا بترتيبات أمنية تقودها دولة أخرى، وإذا كانت تلك الدولة تملك مصالح ضخمة ومباشرة في البحر الأحمر وطرق تصديرها، فهل تكون مصلحة مصر تلقائيًا مطابقة لمصلحتها في كل لحظة؟

الدول لا تبني أمنها القومي على حسن النوايا، ولا على افتراض أن الحليف سيظل حليفًا بالشروط نفسها إلى الأبد. مصر تحديدًا لا تستطيع تحمل رفاهية التعامل مع البحر الأحمر باعتباره ساحة نفوذ تخص الآخرين. قناة السويس ليست مشروعًا تجاريًا عاديًا، وإنما أحد أهم عناصر القوة المصرية، وأي طرف يستطيع التأثير في البوابة الجنوبية التي تصل إليها يملك، بدرجات مختلفة، قدرة على التأثير في أحد مفاصل الاقتصاد المصري.

واللافت أن التطورات الحالية تكشف اختلاف المصالح حتى داخل المعسكر الذي يتحدث عن «أمن الملاحة». السعودية لديها صادرات ومصالح مباشرة في البحر الأحمر، ومصر لديها قناة السويس وإيراداتها ومكانتها في التجارة الدولية. وقد أصبحت التطورات العسكرية حول باب المندب مرتبطة مباشرة بأمن صادرات النفط السعودية، بينما تتحمل مصر كلفة اضطراب الطريق المؤدي إلى قناتها.

المصلحة المصرية ليست أن لا تنتقل مفاتيح باب المندب من يد إلى يد فحسب، وإنما أن تظل القاهرة صاحبة قرار مستقل في تحديد ما يمثل تهديدًا لأمنها وما يمثل جزءًا من صراع إقليمي أوسع.

والاختزال الذي يضع أنصار الله في خانة «الخطر على مصر» وحدها يترك جانبًا أساسيًا من الصورة. صحيح أن الحركة ربطت عملياتها البحرية في مرحلة أساسية بالحرب على غزة، لكن اختزال تاريخ المواجهة البحرية في هذه اللحظة وحدها يمحو سنوات سبقتها من الحرب والحصار. فمنذ التدخل العسكري السعودي في اليمن عام 2015، عاش اليمن تحت قيود وضغوط طالت موانئه ومطاراته وحركة السلع والأفراد، بينما ظل الخلاف قائمًا حول طبيعة هذه الإجراءات وأهدافها. وفي 2026 أعادت أنصار الله تقديم عملياتها ضد الملاحة السعودية باعتبارها ردًا على هذا الحصار، وأعلنت صراحة معادلة «الحصار بالحصار».

غزة إذن ليست القصة الوحيدة، وإن كانت قد نقلت المواجهة إلى مستوى إقليمي أوسع. هناك أيضًا حرب يمنية طويلة، وصراع على قرار اليمن، وحصار تقول الحركة إنه استُخدم لإخضاعها، وممر بحري تحوّل إلى إحدى ساحات هذا الصراع. ويمكن لمصر أن تختلف مع وسائل أنصار الله، وأن تعترف بالكلفة التي تحملتها قناة السويس، من دون أن تتبنى في الوقت نفسه الرواية التي تختزل كل ما يجري في البحر الأحمر في عداء للملاحة أو تهديد لمصر.

المفارقة أن مصر قد تجد نفسها أمام ضررين من طبيعتين مختلفتين: ضرر اقتصادي مباشر يمكن أن يتراجع عندما تهدأ الحرب وتعود السفن إلى قناة السويس، وخطر استراتيجي أبطأ يتمثل في إعادة تشكيل البحر الأحمر بطريقة تجعل أمن بوابته الجنوبية تابعًا لموازين قوة لا تصنعها القاهرة.

الأول يمكن حسابه بالدولار.
أما الثاني فقد لا تظهر فاتورته إلا بعد سنوات.

ولهذا فإن القضية المصرية لا تختزل في سؤال من يملك الساحل اليمني، ولا في سؤال كم سفينة عبرت القناة هذا الشهر. القضية الأعمق هي موقع مصر داخل المعادلة التي تتشكل حول البحر الأحمر، ومن يملك القدرة على التأثير في مدخله الجنوبي، وما إذا كانت القاهرة ستظل طرفًا يصنع حساباته، أم طرفًا يتكيف مع حسابات الآخرين.

فلو كان المطلوب أن نقارن بين ضرر اقتصادي آني أصاب إيرادات قناة السويس بسبب معركة مرتبطة بصراع أوسع حول فلسطين والمنطقة، وبين إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية للبحر الأحمر بطريقة تجعل مصر تعتمد طويلًا على إرادة قوة إقليمية أخرى، فإن المقارنة ليست بهذه البساطة التي يريد البعض فرضها.

ولهذا لا يكفي أن نسأل: من يسيطر على باب المندب؟
السؤال المصري الأهم هو: من يملك قرار باب المندب، ولمن يعمل هذا القرار، وهل تستطيع مصر أن تظل صاحبة قرار مستقل في البحر الذي تبدأ عنده قناة السويس؟

ومن يريد أن ينظر تحت قدميه إلى خسائر اليوم، فليفتح أولًا دفاتر تيران وصنافير.

قد يجد فيها أن الجزر الصغيرة ليست صغيرة دائمًا، وأن الممرات البحرية لا تُقاس فقط بعدد السفن التي تعبرها، وأن أخطر ما يمكن أن تخسره مصر ليس سفينة تأخرت، ولا رسوم عبور تراجعت، وإنما قدرتها على أن تقول بنفسها: هذا أمن مصر، وهذه مصلحتها، وهذا ما تقبله، وهذا ما ترفضه.

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.