علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
محمد مصطفى موسى
محمد مصطفى موسى

كاتب صحفي

محمد مصطفى موسى يكتب: ما بين توفيق عكاشة وضياء العوضي (2-2)

نحن إزاء طبيب متفوق دراسيًا(ضياء العوضي) يقول: وداعًا للحياة القاسية والحرمان المؤلم، وداعًا لوخز حقن الأنسولين، وداعًا لمواعيد الدواء، شفاؤكم أن تسفوا السكر

مشاركة:
حجم الخط:

وبعد… يُصدِّق الناس إذن الخرافات حين يعجزون عن فهم الواقع فهمًا تستسيغه عقولهم، لكن هذا ليس السبب الأوحد وليس الأبرز والأهم.

خذ مثلًا بالإنسان البدائي. كان يقف أمام الظواهر الطبيعية مشتت الأفكار، فيردها إلى القوى الخفية من الأرواح الشريرة وحروب الآلهة إلى آخره. كان هذا التفسير يلبي حاجته إلى الفهم. يكره الإنسان أن يجهل ويأبي أن يعترف بجهله.

صحيحٌ أن الخرافة تنشأ في كنف الجهل وتشب في رعايته، لكن ليس الجهل وحده الذي يرمي الإنسان في حبائلها، بل إن الخوف يلعب الدور الأكبر في ذلك.

البليد يخشى الامتحان، فيصدِّق أنه سيأتي في مستوى الطالب الحمار، وربما في مستوى مقدمي برامج التوك شو، والموظف المهمل يرتكب الخطأ فيتخوّف من مغبة العقاب، فيقنع نفسه أن مديره لن ينتبه.

أما المريض الذي أعياه البحث عن الشفاء، وبات يرتعب من أن يجهز عليه، فسهلٌ جدًا إيهامه بأي هرطقة تحت عنوان “العلاج الذي يخفيه عنك الأطباء”.

الخوف يطمس العقول ويضع على الأفهام غشاوة، ولا خوف أشد وطأةً من الخوف من ذهاب الصحة، فالمرض يهدد كينونة الإنسان الذي يخوض منذ هبط أبونا آدم الأرض، صراعات لم تنقطع من أجل البقاء.

من هنا بزغ نجم ضياء العوضي، وشاع نظامه الغذائي “الطيبات”، ذلك مع التحفظ على اقتران ما يذهب إليه من فوضى وخرافات، بمفردتي نظام وطيبات معًا.

محمد مصطفي موسى يكتب: ما بين توفيق عكاشة وضياء العوضي (1-2)

كيف استغل العوضي الخوف في صناعة الخرافة؟

استثمر مشاعر الخوف الفطرية إزاء المرض، وركز على أصحاب الأمراض المزمنة، وهي كما يعلم الجميع، لا سبيل للشفاء منها.
على المصابين بها أن يتعايشوا معها عيشةً غير راضية، عيشة أساسها تجنب تفاقم الأعراض عبر الالتزام مدى الحياة بنظام تغذوي صارم، وجرعات دوائية ذات أعراض جانبية بالطبع.

مَنْ ذا الذي يشعر بالراحة في مثل هذه الظروف الخانقة؟
كان مرضى السكر الذين تُقدِّر إحصائيات اللجنة القومية للأمراض غير السارية أن عددهم في مصر يبلغ 14 مليونًا، هم أبرز ضحاياه.

استهدفهم بخطابه في المقام الأول

استغل ضجرهم بما يلزمهم به المرض اللعين من أسلوب حياة غاية في القسوة، يشمل الامتناع عن السكريات التي يسيل لعابهم عليها، فقال: “السكر مفيد، ضحكوا عليكم، ولا دواء بعد اليوم”

لم يكن مفاجئًا أن يتبعه الكثيرون.

نحن إزاء طبيب متفوق دراسيًا يقول: وداعًا للحياة القاسية والحرمان المؤلم، وداعًا لوخز حقن الأنسولين، وداعًا لمواعيد الدواء، شفاؤكم أن تسفوا السكر.

ما أحلى هذه الأوهام؛ الأوهام الإجرامية القاتلة.

أغلب الظن أن التركيز على “كتلة مرضى السكر” لم يكن اعتباطيًا، فالرجل رمى الشبكة في بحيرة مليئة بالأسماك. يكفي أن يصدقه واحد بالمائة أو حتى نصف بالمائة من 14 مليونًا.

سيغدو نجمًا كبيرًا تلاحقه الأضواء، وسيحصد القناطير المقنطرة من الذهب والفضة مقابل الإقبال الكبير على عيادته، بعد أن رفع سعر الكشف إلى خمسة آلاف جنيه، في الوقت الذي جعل يتشدَّق فيه بأنه يريد تحرير الناس من “جشع الأطباء” ومؤامرات مافيا شركات الدواء العالمية.

مكونات الطبخة الخدَّاعة.. هكذا باع العوضي بضاعته الفاسدة

بعدئذٍ كانت الخلطة التي لا تخيب أبدًا. شيء من الخطاب الطبي يضاف إليه مقدار من الخطاب الديني، على طريقة الذين تربحوا من “سبوبة” الإعجاز العلمي في القرآن، وحصدوا من الفضائيات الخليجية ودور النشر التي تكالبت عليهم، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، الملايين من تجارة الـ”لا شيء”

على هذا الأساس، لم تكن تسميته نظامه بالطيبات رمية بغير رامٍ، بل كانت عملية خداع مع سبق الإصرار والترصد.

الاسم بما له من حمولة دينية سيستميل القلوب في مجتمع “شعبه مؤمن بالفطرة” مؤمن هذا الإيمان الذي يقدَّس -بلا فحص- كل من يستهل كلامه بـ”قال الله وقال الرسول” حتى وإن كان يهذي هذيانًا خالصًا أو يكذب كذبًا بينًا.

هل أبالغ في تأثيم الرجل؟ ألم يطبِّق نظامه على نفسه مما يعني أنه كان مقتنعًا به؟ لماذا لا يكون اجتهد فأخطأ وليس مخادعًا نصَّابًا؟

أسئلة جدلية، وقد تدور الإجابات عنها في حلقات مفرغة، فإن كان هذا احتمال واردًا، فذاك ليس مستبعدًا، وإن كنت أرجح فرضية في المنتصف بين هذا وذاك، والرجل بناءً على ذلك يقع في منزلة بين المنزلتين وفق تعبير المعتزلة.

عندما كذب الكذبة فسقط في مصيدة تصديقها

أظن -ولا أقطع- أنه طرح أفكاره، أول الأمر، ساعيًا إلى الشهرة التي تستدر الأرباح، غير أنه بمرور الوقت، ومع حماس المتطرفين من مؤيديه أصابه ما أصابهم، من استلابٍ بالخرافة وتماهٍ في الضلالة. لقد كذب الكذبة وصدقها.
لكن بغض النظر عن خبيئة نفسه وطوية ضميره، وبعيدًا عن تفسيري الذي قد يصيب وقد يخيب، تبقى الحقيقة أن ما ذهب إلى من أقاويل محض دجل خالص، والمؤكد أن من يقول بدجل ليس إلا دجالًا، سواء أدرك هو شخصيًا ذلك، أو لم يدرك.

ولمَّا كان مستحيلًا أن يجد سبيلًا لنفث سمومه عبر وسائل الإعلام، كانت شبكات التواصل المفتوحة على البحري لكل مَن هب ودب، وكانت المواد الفيلمية التي أوقع بها الناس ممن لم يستوقفهم ما تكشف بجلاء عنه من اعتلالاته السيكولوجية، وهي اعتلالات تتبدى أكثر شيء في اعتداده الكبير بذاته، إلى درجة التطاول في نقاشاته مع معارضيه ومؤيديه على السواء.

“أنا نظامي كده وما حدش يناقشني” “ما عنديش دليل لازم تطبق النظام وأنت ساكت” “ايه القرف ده غوري يا شيخة” كذلك كان يجيب على الناس، فأيةُ هاوية من النرجسية سقط فيها.

يبدو لي أنه بلغ من النرجسية أخطر مراحلها؛ مرحلة “التوثين الذاتي”، وهي مرحلة يجنح فيها المريض إلى تأليه نفسه، ومن أعراض هذا التأليه أنه يعتقد أن ما يقوله أشبه بالوحي الذي لا يُرد عليه.

لكنه يدرك أن الأطباء لن يسكتوا، سينتفضون لإظهار تهافت ما يدعي أنه نظام استشفائي، وعندئذٍ كانت المناورة الأكثر دهاءً.

هوى بمعاول السخرية والتشكيك على المفاهيم الطبية الراسخة من أساساتها، وعمد إلى استئصال جذورها. ادَّعى أن مافيا الدواء وجماعات المصالح الاقتصادية تحاربه، لأنه يشهر سيف الحق في وجه الباطل.

الجهل وأشياء أخرى

من السهل اختزال هذا المشهد العبثي والمؤلم في مقولة “إنه الجهل” لكن هذا اختزال يجافي الموضوعية، فالأمر أعمق من ذلك، فحتى في الدول المتقدمة التي لا ترفع شعار:

“يعمل ايه التعليم في وطن ضايع” تشيع خرافات عن العلاج بالطاقة واللمس والأحجار الكريمة والمغناطيس، ونحو ذلك من خزعبلات حمقاء، واللافت أن لها شيعة متعصبين يدافعون عنها بكل ما أوتوا من قوة.

الجهل والخوف من ذهاب الصحة والرغبة في تحطيم القيود التي يفرضها المرض، هي عوامل تضافرت لتصنع من ضلالات العوضي “نظام استشفاء ووقاية” وتصنع من شخصه “صوت الحق” الذي جهر في وجه الباطل، أو كما يقول أتباعه:

“ضحى بنفسه من أجلنا” دون أن يفسروا كيف ضحى في حين تؤكد وفاته أن نظامه قد أودى به، وعليه فالأقرب للدقة أنه ضحى بنفسه لإثبات فشله.

كذلك تولد الخرافة من رحم الخرافة، أو قل كذلك يستولدون الخرافة من رحم الخرافة، إذ لم يكتفوا بما آتاهم به نبي الضلال من إفك مبين، فهو لم يمت ميتة طبيعة، بل اغتيل بواسطة مافيا الدواء، ثم قيل في رواية أخرى إنه لم يمت بل يحتجب عن العالمين، في “غيبة عنوان لا غيبة شخص” كما يقول الشيعة عن المهدي.

كيف وهل في الإمكان كبح هذا الجنون؟

أحيلك إلى مقالي السابق، وما سردته فيه عن لقائي الدراماتيكي بمؤيدي توفيق عكاشة ذات ثورة في ميدان التحرير، لتدرك كما أدرك أن الأمر ليس يسيرًا، فالناس يحبون الأكاذيب المريحة، لكن علينا رغم ذلك ألا نسكت، على الأقل لكي نرضي ضمائرنا.

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.