علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

هجمات الحوثيين تختبر حلف مكة

اتفاق مكة هو اتفاق دفاعي ثلاثي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس/آب 2026، وينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، مع تعزيز التعاون الدفاعي والردع الجماعي. وبدأت الدول الثلاث في أغسطس إنشاء هياكل مؤسسية لتفعيل التعاون، لكن طبيعة الاستجابة العسكرية لأي هجوم لم تُختبر علنًا حتى الآن.

مشاركة:
حجم الخط:

هجمات الحوثيين تختبر حلف مكة: هل يتحول الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان إلى التزام عسكري؟

هجمات الحوثيين على جنوب السعودية نقلت «اتفاق مكة للدفاع المشترك» من إطار التعاون السياسي والعسكري

إلى اختبار عملي مبكر. فبينما أصيب 73 شخصًا في الهجمات التي استهدفت مدنًا ومنشآت اقتصادية سعودية،

أعلنت باكستان أن الاتفاق قد يصبح قابلًا للتفعيل إذا امتد التصعيد إلى المملكة.

لكن أنقرة وإسلام آباد لم تعلنا حتى الآن عن تدخل عسكري مباشر.

وفي الوقت نفسه، تستمر الدول الثلاث في بناء الهياكل المؤسسية للتحالف،

ما يجعل السؤال الرئيسي ليس ما إذا كان حلف مكة موجودًا، وإنما متى وكيف يمكن

أن يتحول الالتزام السياسي إلى استجابة عسكرية؟

صاندي تايمز: تقدم الحوثيين في اليمن يضع السعودية أمام خيارات صعبة

هجمات واسعة على جنوب السعودية

في 8 سبتمبر/أيلول، تعرضت أربع مدن سعودية في الجنوب لهجمات بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة

أطلقها الحوثيون من اليمن، وفق بيانات سعودية وتغطيات إعلامية دولية.

وشملت المناطق المستهدفة أبها وخميس مشيط وجازان ونجران. وقالت السلطات السعودية

إن الهجمات أسفرت عن إصابة 73 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال، كما تسببت في حرائق وأضرار

طالت منشآت مدنية واقتصادية ومنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة.

وأعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجمات، وقال المتحدث العسكري باسم الجماعة

يحيى سريع إن العملية استهدفت منشآت تابعة لأرامكو ومواقع اقتصادية وقاعدة خميس مشيط الجوية.

الهجمات جاءت في وقت كانت فيه الحرب في اليمن تشهد تصعيدًا جديدًا، بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022.

كيف نقل الحوثيون الحرب مع السعودية إلى قلب التجارة العالمية؟

من اليمن إلى باب المندب

لم يقتصر التصعيد على الأراضي السعودية.

فخلال الأيام التالية، واصلت القوات الحوثية تقدمها على الساحل الغربي لليمن،

وسيطرت على مدينة المخا وجزيرة بريم، المعروفة أيضًا باسم ميون، في منطقة باب المندب.

وتكتسب بريم أهمية استراتيجية بسبب موقعها داخل أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

ويعني التقدم الحوثي على الساحل الغربي أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة

على الأراضي السعودية. فقد أصبحت السيطرة على مواقع قريبة من باب المندب جزءًا من المعادلة العسكرية والسياسية الجديدة.

وهذا يضيف بُعدًا بحريًا إلى أزمة بدأت تتخذ بالفعل طابعًا إقليميًا.

ضربة أخرى للطاقة السعودية.. لكن من العراق

في الوقت نفسه، تعرض خط أنابيب شرق–غرب السعودي لهجوم آخر، لكن من المهم الفصل بين هذا الحدث والهجمات الحوثية.

فالمعلومات المتاحة تشير إلى أن الهجوم على منشآت الخط جاء من الأراضي العراقية ونُسب إلى جماعات مسلحة مدعومة من إيران.

ويمثل خط شرق–غرب أهمية استراتيجية للسعودية لأنه يوفر مسارًا لنقل النفط إلى ساحل البحر الأحمر، بما يسمح بتجاوز مضيق هرمز.

وبالتالي، تواجه الرياض في الوقت نفسه ضغوطًا على أكثر من جبهة:

الحوثيون في اليمن وباب المندب، وجماعات مسلحة موالية لإيران في العراق،

إضافة إلى المخاطر الأوسع المرتبطة بأمن طرق تصدير الطاقة في المنطقة.

اتفاق مكة يدخل الاختبار

قبل شهر واحد فقط من الهجمات، وقعت السعودية وتركيا وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك» في 7 أغسطس/آب 2026.

وينص الاتفاق، بحسب البيانات الرسمية للدول الثلاث، على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُنظر إليه باعتباره هجومًا عليها جميعًا.

كما يهدف الاتفاق إلى تعزيز التعاون الدفاعي والردع الجماعي بين السعودية وتركيا وباكستان.

لكن الاتفاق لا ينص، في الصياغة العلنية المتاحة، على أن الرد على الهجوم يجب أن يكون تلقائيًا أو أن يكون عسكريًا بالضرورة.

وهذه نقطة جوهرية في تقييم ما إذا كان الاتفاق يماثل بالفعل المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي

أم أنه إطار مختلف للدفاع والتنسيق المشترك.

وتؤكد باكستان أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية وليس موجهًا ضد دولة بعينها.

أول اختبار عملي

بعد الهجمات الحوثية، أصبح الاتفاق أمام أول اختبار حقيقي له.

في 9 سبتمبر، قال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف إن الاتفاق يمكن أن يصبح قابلًا للتفعيل

إذا امتد الصراع في اليمن إلى السعودية. وأكد أن نص الاتفاق يعتبر الاعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الدول الأخرى.

هذا الموقف مهم؛ لأنه يعني أن إسلام آباد لم تتعامل مع الهجمات باعتبارها قضية سعودية داخلية منفصلة عن الاتفاق.

لكن التصريح لا يعني أن باكستان قررت إرسال قوات أو منظومات دفاع جوي إلى المملكة.

وهنا تظهر الفجوة بين الالتزام السياسي والتدخل العسكري.

التحالف بدأ بناء مؤسساته قبل الهجمات

كما أن وصف الاتفاق بأنه مجرد إعلان رمزي لم يعد دقيقًا.

ففي 31 أغسطس/آب، عقدت الدول الثلاث الاجتماع الأول للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية المنبثقة عن الاتفاق في إسطنبول.

وشارك في الاجتماع وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان في الدول الثلاث.

واتفقت الأطراف على إنشاء أمانة في السعودية لدعم عمل الاتفاق، على أن يتولى أمين عام من باكستان

رئاسة الأمانة في البداية لمدة ثلاث سنوات.

كما أعلنت الدول الثلاث عن خطط لتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية وتطوير التكنولوجيا

والإنتاج المشترك وتحسين قابلية التشغيل البيني بين قواتها المسلحة.

بمعنى آخر، كان التحالف ينتقل بالفعل من مرحلة التوقيع السياسي إلى بناء هيكل مؤسسي عندما بدأت الهجمات الحوثية.

لماذا لا يعني ذلك تدخلًا عسكريًا فوريًا؟

رغم قوة اللغة المستخدمة في الاتفاق، لا توجد حتى الآن مؤشرات معلنة على تدخل عسكري تركي أو باكستاني مباشر في الحرب اليمنية.

وتكشف البيانات الرسمية للدول الثلاث عن توجه أكثر حذرًا.

ففي اجتماع إسطنبول، شددت الدول على خفض التصعيد وضبط النفس والحل السلمي للأزمات،

بالتوازي مع تعزيز الردع والدفاع الجماعي.

وهذا التوازن يعكس معضلة التحالف.

فالسعودية تريد تعزيز قدرتها على الردع وحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية، بينما لا يعني ذلك بالضرورة

أنها تريد تحويل الحرب مع الحوثيين إلى حرب إقليمية مباشرة تشارك فيها قوتان عسكريتان كبيرتان مثل تركيا وباكستان.

أما أنقرة وإسلام آباد، فعليهما الموازنة بين الالتزامات الجديدة تجاه الرياض وبين مخاطر الانخراط المباشر في الحرب اليمنية.

السؤال الأصعب: ما المقصود بـ«الهجوم على الجميع»؟

هنا تكمن أهمية الاتفاق.

العبارة التي تعتبر الهجوم على دولة عضو هجومًا على الدول الأخرى تمنح الاتفاق وزنًا سياسيًا كبيرًا.

لكنها لا تجيب وحدها عن الأسئلة التنفيذية الأكثر حساسية:

هل يتطلب تفعيل الالتزام طلبًا رسميًا من الدولة المستهدفة؟

هل تكون الاستجابة عسكرية بالضرورة؟

ما نوع القوة التي يمكن أن تقدمها كل دولة؟

هل يمكن أن تشمل الاستجابة الدفاع الجوي وحماية المنشآت فقط؟

أم يمكن أن تمتد إلى عمليات هجومية خارج حدود الدولة المستهدفة؟

وما حدود المشاركة إذا كان مصدر الهجوم جماعة مسلحة غير حكومية تعمل من دولة ثالثة؟

هذه الأسئلة ستكون أكثر أهمية من الخطاب السياسي إذا تكرر استهداف الأراضي السعودية.

اختبار الردع قبل اختبار الحرب

حتى الآن، لا يمكن القول إن «حلف مكة» فشل.

فالاتفاق لم يُنشأ فقط لتوفير قوة عسكرية عند اندلاع الحرب، بل لبناء قدرة ردع مشتركة وتنسيق دفاعي طويل الأمد.

والاجتماعات التي عقدتها الدول الثلاث قبل وبعد توقيع الاتفاق تشير إلى أن بناء هذا الإطار لا يزال في مراحله الأولى.

لكن الهجمات الحوثية قدمت للتحالف اختبارًا مبكرًا لم يكن متوقعًا أن يأتي بهذه السرعة.

إذا تمكنت السعودية وتركيا وباكستان من استخدام الاتفاق لتنسيق الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير الصناعات الدفاعية، وحماية البنية التحتية الحيوية، فقد يتحول الاتفاق تدريجيًا إلى منظومة ردع حقيقية.

أما إذا ظلت بنوده عند مستوى البيانات السياسية من دون آليات واضحة للاستجابة للأزمات،

فقد تبقى قوته الأساسية رمزية وسياسية أكثر منها عسكرية.

ثلاثة مسارات محتملة

الأول: احتواء التصعيد

قد تسعى السعودية إلى احتواء الهجمات من خلال تعزيز دفاعاتها الجوية والضغط السياسي، مع استمرار التنسيق مع تركيا وباكستان من دون تدخل مباشر في اليمن.

في هذه الحالة، يصبح اتفاق مكة أداة للردع والتنسيق وليس منصة لحرب مشتركة.

الثاني: تفعيل دفاعي محدود

إذا استمرت الهجمات على المدن والمنشآت السعودية، فقد تطلب الرياض مساعدة مباشرة في مجالات مثل الدفاع الجوي، الاستخبارات، المراقبة، حماية المنشآت والطاقة.

وهذا سيكون اختبارًا أكثر واقعية للاتفاق من إرسال قوات برية إلى اليمن.

الثالث: تصعيد إقليمي

أما إذا توسعت الهجمات لتشمل منشآت الطاقة والممرات البحرية، أو إذا أصبح باب المندب ساحة مواجهة مفتوحة، فقد تجد الدول الثلاث نفسها أمام قرار أكثر صعوبة بشأن طبيعة الاستجابة.

عندها لن يكون السؤال فقط عن الدفاع عن السعودية، بل عن مدى استعداد التحالف لتحمل كلفة الدخول في مواجهة إقليمية أوسع.

الخلاصة: الاتفاق أمام اختبار المصداقية

الهجمات الحوثية لم تختبر منظومة الدفاع الجوي السعودية وحدها.

لقد اختبرت أيضًا أول تحالف دفاعي ثلاثي جديد في المنطقة.

اتفاق مكة يمتلك الآن عنصرين متناقضين:

نصًا سياسيًا قويًا يؤكد أن الاعتداء على دولة عضو هو اعتداء على الدول الثلاث،

وهيكلًا مؤسسيًا بدأ بالفعل في التشكّل؛ لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة اختبار عسكري معلن يوضح طبيعة الاستجابة في حال وقوع هجوم.

لذلك فإن الحكم على نجاح التحالف أو فشله سابق لأوانه.

الاختبار الحقيقي سيكون في الخطوة التالية.

فإذا تحول الاتفاق إلى تبادل استخباراتي، وتنسيق للدفاع الجوي،

وتعاون صناعي، وقدرة على حماية المنشآت والممرات البحرية، فسيكون قد بدأ في إنتاج الردع الذي وُعد به.

أما إذا بقيت الاستجابة عند حدود التضامن السياسي، فسيتأكد أن المسافة

بين الدفاع المشترك على الورق والدفاع المشترك في الميدان لا تزال كبيرة.

وفي منطقة تتسارع فيها التحالفات وتتداخل فيها جبهات اليمن والعراق والبحر الأحمر والطاقة،

قد تكون هذه المسافة هي الاختبار الأهم لـ«حلف مكة».

 

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك