علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

تقرير : ماذا جرى في بين طهران وواشنطن في مفاوضات نيويورك؟

في إشارة مهمة إلى أن الإدارة الأميركية لا تراهن على المفاوضات وحدها، بدأت فرنسا بالتنسيق مع واشنطن إعداد مشروع داخل مجلس الأمن لإنشاء مهمة دولية تساعد في استعادة حركة الملاحة في المضيق.

مشاركة:
حجم الخط:

من حافة الحرب إلى غرفة الوسطاء

لم يكن مساء الثلاثاء في نيويورك مجرد محطة أخرى في ماراثون الجمعية العامة للأمم المتحدة.

خلال ساعات قليلة، انتقلت العلاقة الأميركية الإيرانية من لغة التهديد والحصار إلى مفاوضات استمرت لساعات.

أصبح مضيق هرمز ــ أحد أخطر مفاتيح الطاقة في العالم ــ موضوع مساومة مباشرة بين الطرفين.

وبينما كان دونالد ترامب يطالب من فوق منبر الأمم المتحدة بعزل إيران اقتصاديا، كان مبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يتحركان على مسار تفاوضي موازٍ مع الإيرانيين.

البداية لم تكن في نيويورك

ما ظهر مساء أمس لم يبدأ أمس فعليًا، فبحسب رويترز، كانت طهران قد سلّمت عبر وسطاء في 16 سبتمبر/أيلول مقترحًا إلى واشنطن، يتضمن استعدادها لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت حصارها عن الموانئ الإيرانية.

أبلغ مسؤول إيراني كبير الوكالة أن الوفد الموجود في نيويورك يملك «صلاحيات كاملة» لإحياء المسار الدبلوماسي.

قبل الوصول إلى نيويورك، مرّ وزير الخارجية عباس عراقجي بالدوحة لإجراء مشاورات، فيما تحركت قطر وباكستان خلال الأيام السابقة لنقل الرسائل بين الجانبين.

وكانت الدوحة قد استأنفت منذ أغسطس وساطتها بصورة مكثفة بعدما وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، في حين سعت باكستان بدورها إلى دفع الطرفين نحو صيغة لخفض التصعيد.

ساعات غامضة قلبت المشهد

المثير أن الساعات الأولى من الثلاثاء لم تكن توحي بحدوث اختراق. وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن لقاءً مع الإيرانيين لم يكن مقررًا في تلك اللحظة.

لكن مساء اليوم نفسه أعلن ترامب أن ويتكوف وكوشنر أجريا محادثات مع الوفد الإيراني استمرت نحو ثلاث ساعات، وقال إن الاجتماع سار «بشكل جيد جدًا»

لاحقًا أوضح ويتكوف أن وسطاء كانوا يتحركون بين الوفدين طوال اليوم، ما يترك قدرًا من الغموض حول حجم الاتصال المباشر الذي جرى بالفعل.

وهنا تكمن إحدى أهم التفاصيل خلف الكواليس: واشنطن وطهران تبدوان راغبتين في إبقاء شكل التفاوض نفسه ضبابيًا.

الجانب الأميركي يستطيع القول إنه تفاوض مع الإيرانيين، بينما تستطيع طهران التأكيد داخليًا أن المسار ظل بوساطة قطرية ولم يتحول إلى تطبيع سياسي أو قمة رئاسية.

وهذا تفسير تحليلي تدعمه التناقضات الظاهرة في توصيف الجانبين لطبيعة الاتصالات، وليس معلومة معلنة عن اتفاق سري.

هرمز مقابل الحصار.. الصفقة الأولى على الطاولة

وفق الإعلام الإيراني، حمل عراقجي إلى الجانب الأميركي شروطًا أكثر تحديدًا:

رفع الحصار البحري، الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحرب على مختلف الجبهات مقابل إعادة فتح المضيق.

وفي المقابل، لا تزال واشنطن تربط أي تسوية أوسع بضمان عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا.

ترامب نفسه أكد بعد المحادثات استمرار هذا الشرط الأميركي.

لكن هرمز ليس ورقة سياسية فقط، فقبل الحرب كان نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر المضيق.

واضطراب الملاحة رفع كلفة الشحن بصورة استثنائية، إذ تجاوزت أرباح استئجار بعض ناقلات النفط العملاقة المتجهة من الخليج إلى آسيا مليون دولار يوميًا، فيما أشارت بيانات الصناعة في سبتمبر إلى مستويات تتجاوز 1.2 مليون دولار على بعض المسارات.

هذه الكلفة تفسر لماذا تحوّل هرمز إلى قلب الصفقة وليس بندًا جانبيًا.

واشنطن تجهز مسارًا موازيًا

في إشارة مهمة إلى أن الإدارة الأميركية لا تراهن على المفاوضات وحدها، بدأت فرنسا بالتنسيق مع واشنطن إعداد مشروع داخل مجلس الأمن لإنشاء مهمة دولية تساعد في استعادة حركة الملاحة في المضيق.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن البحث يشمل حلولًا قد تسمح بزيادة مرور الناقلات حتى من دون التوصل إلى اتفاق أميركي إيراني شامل.

بمعنى آخر، أمام طهران رسالة مزدوجة: هناك باب للتفاوض، ولكن واشنطن تعمل بالتوازي على تقليص قيمة ورقة هرمز إذا فشلت المساومة.

إلى أين تتجه المشاورات؟

المؤشرات الحالية تسمح بثلاثة مسارات، لا بتنبؤ حاسم. السيناريو الأسرع هو اتفاق مرحلي محدود حول هرمز:

تخفيف بعض إجراءات الحصار مقابل توسيع الملاحة وإجراءات أمنية قابلة للتحقق، مع تأجيل الملفات النووية والإقليمية الأصعب.

المسار الثاني هو استمرار مفاوضات متقطعة عبر قطر وباكستان وعُمان، مع استخدام كل طرف الضغوط الاقتصادية والعسكرية لتحسين شروطه.

أما المسار الثالث فهو انهيار الاتصالات إذا أصرّت إيران على ربط فتح المضيق بإنهاء الحرب على جميع الجبهات، بينما أصرت واشنطن على إدخال الملف النووي وترتيبات الأمن الإقليمي في صفقة واحدة.

المؤكد حتى ظهر 23 سبتمبر/أيلول 2026 أن ما جرى في نيويورك لم ينتج اتفاقًا ولا وقفًا للحرب، لكنه فعل شيئًا أكثر أهمية سياسيًا:

أعاد إنشاء قناة تفاوض كانت شبه مغلقة، وحدد للمرة الأولى بصورة واضحة ثمن فتح هرمز وثمن رفع الحصار.

لهذا فإن السؤال بعد ليلة نيويورك لم يعد: هل سيتفاوض الطرفان؟

لقد تفاوضا بالفعل.

السؤال الأخطر الآن هو: أيّهما سيقدّم الخطوة الأولى من دون أن يبدو أمام جمهوره أنه تراجع؟

شارك المقال:

شاركنا برأيك