علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
ترجمات
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

كابلان يحذر: سوء التقدير قد يدفع أمريكا والصين نحو الحرب

يرى الكاتب روبرت دي. كابلان أن الخطر الأكبر لا يكمن في التنافس الأمريكي الصيني وحده، بل في احتمال سوء تقدير نوايا الطرف الآخر، خصوصًا بشأن تايوان وبحر الصين الجنوبي. ويحذر من أن أي مواجهة قد تتجاوز حدود المنطقة وتؤثر في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.

مشاركة:
حجم الخط:

في مقال رأي نشرته نيويورك تايمز، حذر الكاتب والمحلل الأمريكي روبرت دي.

كابلان من أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين يحمل مخاطر استثنائية إذا أخطأ أي من الطرفين في قراءة نوايا الآخر.

ويضع كابلان تايوان وبحر الصين الجنوبي في مركز المخاوف،

معتبرًا أن أي مواجهة بين أكبر قوتين اقتصاديتين يمكن أن تتجاوز حدود المنطقة لتؤثر في الاقتصاد العالمي

وسلاسل الإمداد والتوازنات الجيوسياسية.

تاريخ طويل من سوء التقدير

يبني كابلان تحليله على مراجعة تاريخية للعلاقة الأمريكية مع الصين.

ويعود إلى الحرب الأهلية الصينية في أربعينيات القرن الماضي،

عندما دعمت واشنطن حكومة شيانغ كاي شيك، قبل انتصار الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ عام 1949.

ويرى الكاتب أن الجدل الأمريكي الذي أعقب انتصار الشيوعيين، والمعروف باسم «من خسر الصين؟»،

عكس مبالغة في تقدير قدرة الولايات المتحدة على التحكم في مسار الأحداث داخل الصين.

كما ينتقد سوء تقدير بعض المسؤولين الأمريكيين لطبيعة نظام ماو،

بعدما ركزوا على الانضباط والتنظيم في المناطق التي كان يسيطر عليها الشيوعيون، وفق عرضه التاريخي للمسألة.

من الصين إلى فيتنام

يربط كابلان بين الجدل الأمريكي حول الصين خلال خمسينيات القرن الماضي وبعض القرارات التي قادت

لاحقًا إلى التورط الأمريكي في فيتنام.

وبحسب تحليله، أدى تراجع حضور الخبراء المتخصصين في الشأن الصيني داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكية

إلى إضعاف القدرة على قراءة التحولات السياسية في آسيا.

لكن الكاتب يقر في الوقت نفسه بأن كل مرحلة تاريخية كانت لها ظروفها الخاصة، وأن العلاقة بين الأحداث لم تكن مباشرة أو بسيطة.

نيكسون وكيسنجر وتغيير المسار

شهدت العلاقات الأمريكية الصينية تحولًا كبيرًا مع زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972،

وما ترتب عليها من انفتاح دبلوماسي بين البلدين.

وأصبح التفاهم حول تايوان عنصرًا أساسيًا في إدارة العلاقة، مع الحفاظ على قدر من الغموض بشأن مستقبل الجزيرة.

ويرى كابلان أن هذا الإطار ساعد لعقود في الحد من احتمالات الصدام المباشر بين واشنطن وبكين.

الصين لم تسلك المسار الذي توقعته واشنطن

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى مرحلة الانفتاح الاقتصادي الصيني.

فبعد صعود الاقتصاد الصيني وانضمام بكين إلى منظمة التجارة العالمية، افترضت قطاعات واسعة

من المؤسسة السياسية الأمريكية أن الاندماج الاقتصادي سيقود الصين تدريجيًا نحو نظام أكثر انفتاحًا.

لكن هذا المسار، بحسب كابلان، لم يتحقق بالشكل الذي توقعته واشنطن.

ويشير إلى أن الصين عادت إلى مزيد من المركزية السياسية والسلطوية في عهد الرئيس شي جين بينغ.

تايوان في قلب الحسابات الجديدة

يعتبر كابلان أن تايوان هي نقطة الاختبار الأخطر في العلاقة الحالية بين واشنطن وبكين.

فأي سوء تقدير بشأن استعداد الولايات المتحدة للدفاع عن الجزيرة، أو بشأن استعداد الصين لاستخدام القوة،

يمكن أن يؤدي إلى نتائج يصعب احتواؤها.

ويشير الكاتب إلى أن بعض التصريحات الأمريكية بشأن الدفاع عن تايوان أثارت نقاشًا

حول مدى استمرار سياسة «الغموض الاستراتيجي» التقليدية.

وفي المقابل، يرى أن الرسائل المتناقضة أو غير المتوقعة قد تزيد احتمالات سوء فهم نوايا واشنطن.

لماذا يمثل بحر الصين الجنوبي خطرًا أكبر؟

لا تقتصر المخاطر، وفق المقال، على تايوان.

فأي صراع عسكري في غرب المحيط الهادئ يمكن أن يؤثر في طرق التجارة العالمية وسلاسل التوريد،

خصوصًا إذا امتد إلى مناطق بحرية استراتيجية.

وتنبع خطورة السيناريو أيضًا من حجم الاقتصادين الأمريكي والصيني وتشابكهما مع الاقتصاد العالمي.

وقد حذرت تحليلات أخرى من أن المنافسة الأمريكية الصينية تجمع بين أبعاد عسكرية واقتصادية وتكنولوجية،

ما يجعل إدارة التوتر أكثر تعقيدًا.

الذكاء الاصطناعي يضيف ساحة جديدة للصراع

يرى كابلان أن المنافسة لا تتوقف عند القوة العسكرية.

فالولايات المتحدة والصين تتنافسان أيضًا في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، ومنها الذكاء الاصطناعي،

وهو ما يضيف بعدًا جديدًا إلى العلاقة الاستراتيجية.

ويحذر الكاتب من أن غياب آليات فعالة لإدارة هذا التنافس التكنولوجي يمكن أن يزيد من صعوبة احتواء الخلافات بين البلدين.

المشكلة ليست في التنافس وحده

لا يدعو المقال، بحسب مضمونه، إلى إنهاء التنافس الأمريكي الصيني، بل يركز على كيفية إدارته.

ويعتبر كابلان أن وجود قوة ردع لا يعني بالضرورة أن الصراع العسكري حتمي، وأن الحفاظ على قنوات الاتصال

وإرسال رسائل واضحة وقابلة للتوقع يمكن أن يقلل مخاطر سوء الحسابات.

وهذه الفكرة تتقاطع مع دراسات استراتيجية أخرى ترى أن المنافسة بين واشنطن

وبكين تحتاج إلى مزيج من الردع والدبلوماسية وآليات لمنع التصعيد.

درس الحرب العالمية الأولى

يستعين كابلان بتاريخ الحرب العالمية الأولى للتحذير من خطورة سوء قراءة نوايا الخصوم.

ويستشهد بتحليل المؤرخين لكيفية مساهمة الافتراضات الخاطئة بشأن ردود فعل القوى الأخرى

في تصعيد الأزمة الأوروبية عام 1914.

ويستخدم الكاتب هذه المقارنة للتحذير من أن سوء تقدير واحد بشأن تايوان أو التزامات الولايات المتحدة

في آسيا قد يؤدي إلى سلسلة من القرارات يصعب التراجع عنها.

الخطر الأكبر: سوء الفهم

الخلاصة الأساسية في مقال كابلان ليست أن الحرب الأمريكية الصينية حتمية،

بل أن خطر سوء التقدير يصبح أكثر أهمية كلما تصاعد التنافس.

ويعتبر أن السياسة الأكثر قابلية للتوقع، والرسائل الواضحة، والحفاظ على قنوات الاتصال،

يمكن أن تكون عناصر أساسية لتقليل احتمالات الصدام.

وتأتي هذه المخاوف في سياق أوسع من التنافس الأمريكي الصيني الذي يشمل التجارة والتكنولوجيا والقوة العسكرية

والتحالفات والأمن الإقليمي. وتشير دراسة لمعهد كارنيغي إلى أن إدارة المنافسة دون الانزلاق إلى الحرب

تظل من أبرز تحديات السياسة الأمريكية تجاه الصين.

 

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك