كتاب جديد (النهار والشجن): إطلالات على عالم أسامة أنور عكاشة
يقدم تحليلًا للبنى الدرامية والاجتماعية التي قامت عليها أعمال مثل «ليالي الحلمية» (ملحمة القرن العشرين المصري)، «الشهد والدموع» (دراما الميراث ولعنة الأجيال)، «عصفور النار» (استبداد السلطة ويقظة الضمير)

كتاب عن عالم أسامة أنور عكاشة الدرامي
النهار والشجن.. إطلالات على عالم أسامة أنور عكاشة
كتاب جديد لأحمد رجب شلتوت
صدر حديثًا عن وكالة الصحافة العربية (ناشرون) بالقاهرة، كتاب نقدي جديد بعنوان «النهار والشجن.. إطلالات على عالم أسامة أنور عكاشة»، من تأليف الأديب والناقد أحمد رجب شلتوت، في طبعة أنيقة من 192 صفحة من القطع المتوسط.
يأتي هذا الكتاب بوصفه أول دراسة موسعة تتناول المشروع الإبداعي المتكامل للكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة (1941-2010)، ليس بوصفه «كاتب الدراما التلفزيونية الأول» فحسب، بل بوصفه مثقفًا عضويًا، وروائيًا، وقاصًا، وكاتبًا للسينما والمسرح. فالكتاب يكسر لأول مرة الاختزال الذي طال عكاشة طوال عقود، حيث حُصر إبداعه في مسلسلاته الشهيرة، في مقابل تجاهل شبه كامل لإنتاجه الأدبي المطبوع الذي امتد من ستينيات القرن العشرين حتى روايته الأخيرة «شق النهار» التي صدرت قبيل رحيله.
يؤسس شلتوت في كتابه لقراءة منهجية جديدة، تنطلق من قناعة أساسية: أن قراءة أسامة أنور عكاشة لا ينبغي أن تقتصر على الاحتفاء بدراما التلفزيون، بل تمتد إلى نصوصه الأدبية التي مثّلت معملًا لتجريب الأفكار والشخصيات قبل أن تتجسد على الشاشة. فالكتاب يتتبع البذور الأولى لشخصياته الدرامية، ويرصد كيف نضجت مفاهيم مثل «العدالة الاجتماعية»، و«الشخصية الدونكيشوتية»، و«لعنة الميراث»، و«صراع الهوية»، انطلاقًا من مجموعاته القصصية الأولى «خارج الدنيا» (1968) ورواياته العديدة.
يكشف الكتاب أن عكاشة كان مثقفًا موسوعيًا يقرأ التاريخ والفلسفة، ويحوّل أدواته الأكاديمية (تخرّج في قسم الاجتماع وعلم النفس بجامعة عين شمس) إلى رؤية درامية تنبض بالحياة. ويوضح أن دراما عكاشة لم تكن مجرد حكايات مسلّية، بل قدم سجلاً بصريًا لتاريخ مصر الاجتماعي والثقافي، من الملكية إلى ثورة يوليو، ومن النكسة إلى العبور، ومن الانفتاح إلى العولمة.
تفكيك الهواجس الكبرى
يخصص شلتوت مساحة واسعة من كتابه لتفكيك الهواجس الكبرى التي شغلت عكاشة طوال رحلته الإبداعية. ففي فصل «هواجس وشواغل أخرى»، يقدّم تحليلًا عميقًا لخمسة محاور مركزية، فالحب ليس مجرد عاطفة رومانسية في عالم عكاشة، بل سؤال وجودي يتقاطع مع الحرية والهوية والمصير. الحب عنده لا يكتمل أبدًا، ليس لفشل درامي، بل لأن المجتمع نفسه غير مكتمل. من شوقي وزينب في «الشهد والدموع»، إلى يوسف ورحاب في «وهج الصيف»، إلى بشر وعايدة في «زيزينيا».. كلها قصص حب تنكسر أمام الفوارق الطبقية، أو إرادة العائلة، أو وصاية المال.
والحرية تظل حلما مؤجلًا. شخصيات عكاشة، رغم تمردها، تظل أسيرة شبكة معقدة من القيود: قيود العائلة، الماضي، الطبقة، والمؤسسة. حتى أبو العال البشري، أكثر شخصياته مثالية، يجد نفسه معزولًا، وحريته تكلفه كل شيء: عمله، علاقاته، وحتى كرامته.
أما الهوية فهي السؤال المفتوح الذي يطارد شخصياته من «زيزينيا» إلى «أرابيسك». فبشر عامر عبد الظاهر، ابن المصري والأم الإيطالية، يعيش أزمة الانتماء المزدوج. وحسن النعماني، حرفي الأرابيسك، يرى هويته المهنية والثقافية تذوب أمام منطق السوق والاستهلاك. الهوية عند عكاشة ليست جوهرًا ثابتًا، بل صراعًا يوميًا، وبناءً متواصلًا بين الجذور والانفتاح، بين الماضي والحاضر.
والمال هو الشيطان الأكبر في مشروع عكاشة. ليس مجرد أداة اقتصادية، بل قوة اجتماعية وثقافية تعيد تشكيل العلاقات، وتُفسد الحب، وتُهدر الموهبة، وتُهين الكرامة. من حافظ في «الشهد والدموع» إلى فضة المعداوي في «الراية البيضاء»، ومن عوض الله الرشيدي في «ضمير أبلة حكمت» إلى تجار الانفتاح في «ليالي الحلمية»، يرصد عكاشة كيف يتحول المال من وسيلة للعيش إلى إله جديد يُعاد تعريف القيم على مذبحه.
والسلطة في نصوص عكاشة ليست سياسية فقط، بل بنية متشعبة تمارس قهرها على كل المستويات: سلطة الأب والأخ الأكبر، سلطة العائلة والعرْف الاجتماعي، سلطة الطبقة، وسلطة الدولة. وفي «عصفور النار» و«المصراوية» و«أبو العلا البشري»، يكشف الكاتب عن الوشائج الخفية بين السلطة والمال، وكيف يتحول الحاكم إلى مستبد، حتى لو بدأ عادلًا.
الإسكندرية
يفرد الكتاب مساحة خاصة لـلإسكندرية في دراما أسامة أنور عكاشة، معتبرًا أنها لم تكن مجرد خلفية مكانية، بل شخصية درامية متكاملة، تتنفس وتتحرك، وتمتلك تاريخًا وحاضرًا وحلمًا خاصًا بها. من «زيزينيا» التي استعادت الكوزموبوليتانية وصراع الهوية، إلى «الراية البيضاء» التي جعلت من القصر الأثري رمزًا للذاكرة الوطنية المهددة بالاغتصاب، إلى «ضمير أبلة حكمت» حيث تتحول المدرسة إلى مرآة للضمير الجمعي، وصولًا إلى «عفاريت السيالة» حيث ينزل الكاتب إلى الهامش الشعبي.
يرى شلتوت أن عكاشة كتب عبر هذه الأعمال «ملحمة إسكندرانية» هي في جوهرها ملحمة مصرية، مدينة تتسع لكل التناقضات، وتتحول إلى مختبر حي لاختبار معنى الانتماء والهوية والعدالة.
الشخصية الدونكيشوتية
من أبرز ما يميز مشروع عكاشة، وفقًا للكتاب، هو حضور الشخصية الدونكيشوتية، ذلك الفرد الذي يقاتل طواحين الهواء مدفوعًا بحلم مستحيل، لكنه يظل مخلصًا لقيمه حتى النهاية. يرى شلتوت أن هذه الشخصية لم تكن وليدة الصدفة، بل هي انعكاس لجيل كامل: جيل الستينيات الذي حلم بالعدالة الاجتماعية والوحدة العربية، ثم صدمته النكسة، وآمن بالاشتراكية فواجه خيبات الانفتاح.
يتتبع الكتاب تطور هذه الشخصية من البذور الأولى في رواية «أحلام في برج بابل» إلى ذروتها في شخصية «أبو العال البشري» المثقف العضوي، و«حسن النعماني» الحرفي الأصيل، و«زينهم السماحي» الباحث عن العدالة. كلها شخصيات تخسر معاركها الواقعية، لكنها تكسب معركة الوجدان، وتصبح شهودًا أخلاقيين على عصرهم.
ملحمة شعبية وسجل وطني
في القسم الثاني من الكتاب، يقرأ شلتوت الأعمال الدرامية الكبرى، ويضعها في سياقها الثقافي والتاريخي، ويقدم تحليلًا للبنى الدرامية والاجتماعية التي قامت عليها أعمال مثل ليالي الحلمية (ملحمة القرن العشرين المصري) الشهد والدموع (دراما الميراث ولعنة الأجيال)، عصفور النار (استبداد السلطة ويقظة الضمير)، الراية البيضاء (صراع المال والهوية) ضمير أبلة حكمت (تآكل القيم في زمن الانفتاح)، أرابيسك (اغتراب الحرفي في عصر العولمة) و زيزينيا (أزمة الهوية في المدينة الكوزموبوليتانية)، ويكشف أن هذه الأعمال لم تكن مجرد قصص تلفزيونية ناجحة، بل وثائق ثقافية وبصرية تحفظ ذاكرة الوطن، وتعيد كتابة التاريخ من منظور المواطن العادي، لا من فوق منابر السلطة.
تجارب مغمورة لكنها عميقة
لا يغفل شلتوت تجربة عكاشة السينمائية (من خلال سيناريوهات أفلام: كتيبة الإعدام، دماء على الأسفلت، الهجامة، الطعم والسنارة) وتجاربه المسرحية المغمورة (الناس اللي في التالت، أولاد اللذين، القانون وسيادته). ويرى أن هذه التجارب، رغم قلة عددها، تمثل مختبرًا لرؤيته النقدية، حيث قدّم فيها خطابًا أكثر احتجاجية، بسخرية سوداء لاذعة، وصرخة وجودية ضد الفساد وتآكل القيم.

الحلم المستمر
يختتم الكتاب برسالة مؤثرة عن راهنية عكاشة اليوم، بعد أكثر من عقد على رحيله. ففي زمن تتهاوى فيه الدراما إلى سلعة استهلاكية، وتُعاد كتابة التاريخ بقلم السلطة، ويُهدد السرد بالتفاهة، يصبح إرث عكاشة أكثر حضورًا من أي وقت مضى. إنه يذكّرنا بأن الحلم، حتى لو كان مستحيلًا، يظل شرطًا أساسيًا للحياة. وأن الهزيمة الحقيقية ليست في سقوط الحالم، بل في استسلام المجتمع لمنطق المال والسطوة.
الكتاب إذن ليس مجرد دراسة عن كاتب كبير، بل محاولة لإعادة اكتشاف معنى الأدب
رابط المقال المختصر:





