علماء فلسطين في ذكرى النكبة: تحرير فلسطين واجب على كل مسلم
صورة غزة وهي تُذبح تحت حرب إبادةٍ ممتدةٍ تكشف عري العالم ونفاقه وتعيد إلى الذاكرة معنى النكبة بوصفها جرحًا مفتوحًا وسنّةً استعماريةً متجددة وامتحانًا لإيمان الأمة وصدق انتمائها

الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية ومسيرات تؤكد التمسك بحق العودة في مدن الضفة الغربية.
بيان من هيئة علماء فلسطين في ذكرى مرور 78 عاما على نكبة فلسطين وهذا نص البيان:
تأتي الذكرى الثامنة والسبعين لنكبة فلسطين هذا العام مع إهلالة شهر ذي الحجة حيث تمضي قوافل الحجيج إلى بيت الله الحرام ملبّيةً نداء التوحيد شاهدةً على وحدة الأمة في قبلتها ومناسكها وندائها.
بينما تقف فلسطين ــ أرض الإسراء والبركة ــ شاهدةً على واجبٍ عظيمٍ في عنق هذه الأمة إذ تجتمع في الوجدان المسلم صورة الحجيج وهم يطوفون بالبيت العتيق وصورة المسجد الأقصى المبارك وهو يئنّ تحت وطأة الاحتلال والاقتحام والتهويد.
وصورة غزة وهي تُذبح تحت حرب إبادةٍ ممتدةٍ تكشف عري العالم ونفاقه وتعيد إلى الذاكرة معنى النكبة بوصفها جرحًا مفتوحًا وسنّةً استعماريةً متجددة وامتحانًا لإيمان الأمة وصدق انتمائها.
إنّ هيئة علماء فلسطين وهي تستحضر هذه الذكرى الجليلة بما تحمله من الدم والتهجير والمفاتيح والقرى المدمّرة والمخيمات الصابرة تؤكد المعاني الآتية:
أولًا: إنّ نكبة فلسطين جريمةٌ استعماريةٌ ممتدةٌ بدأت باقتلاع شعبٍ من أرضه وتمزيق دياره وتزوير تاريخه وغرس كيانٍ صهيونيٍّ غاصبٍ في قلب الأمة.
ثم تتابعت فصولها في الحصار والتهويد والاستيطان والأسر والقتل وحرب الإبادة الجارية على غزة حتى صار شعبنا الفلسطيني شاهدًا حيًّا على معنى الابتلاء والثبات مصداقًا لقوله تعالى: “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ” الحج: 39-40
ثانيًا: إنّ فلسطين بقراها ومدنها وسواحلها وجبالها وقدسها وأقصاها، بكلّ شبرٍ من أرضها وذرّةٍ من ترابها أرضٌ إسلاميةٌ مباركةٌ في عقيدة المسلمين وحقٌّ ثابتٌ لشعبها وأمتها وأمانةٌ شرعيةٌ في أعناق الحكام والعلماء والشعوب والمؤسسات.
يحرم على أيّ أحدٍ مهما كانت صفته أو علا منصبه أو اتسعت ولايته أن يتنازل عن شيءٍ منها أو يعترف للصهاينة بحقٍّ فيها أو يمنح الاغتصاب صفة الشرعية.
فكلّ تصرّفٍ من هذا الباب باطلٌ شرعًا وصاحبه متلبّسٌ بإثمٍ عظيمٍ وخيانةٍ ظاهرةٍ للأمانة
وقد يشتدّ خطره في حقّ من يعتقد أنّ أرض فلسطين حقٌّ للصهاينة اعتقادًا يصادم القطعيّ من دين الأمة وحقّها وتاريخها.
وقد ربط الله تعالى المسجد الأقصى المبارك ببركة الوحي وذاكرة النبوات فقال سبحانه: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” الإسراء: 1
ثانيًا: تجدّد الهيئة التأكيد أنّ طريق تحرير الأرض والمقدسات ورفع الظلم عن شعبنا ودحر العدوان عن ديار المسلمين هو الجهاد في سبيل الله تعالى.
أنّ القيام بواجب النصرة والتحرير فرضٌ على كل قادرٍ من أبناء الأمة كلٌّ بحسب وسعه وموقعه وقدرته وتأثيره.
فدرجة الوجوب تتأكد بقدر ما يملكه الإنسان من علمٍ أو مالٍ أو سلطانٍ أو بيانٍ أو خبرةٍ أو قدرةٍ على الإسناد والتأثير.
ويبدأ هذا الواجب بإعداد الإنسان المؤمن وتربية الجيل المرابط وبناء القوة الممكنة وحشد الطاقات المادية والمعنوية والسياسية والإعلامية والقانونية.
وقد قال الله تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ” الأنفال: 60،
وهذا الإعداد فريضة الوقت في مواجهة مشروعٍ صهيونيٍّ يجمع أدوات الحرب والاقتلاع والتهويد على شعبنا وأرضنا ومقدساتنا.
ثالثًا: إنّ حقّ العودة إلى فلسطين حقٌّ وواجبٌ شرعيٌّ متعيّنٌ على اللاجئين وذراريهم وأمّتهم في صيانته وحفظه والعمل له.
يحرسه الإيمان بالله تعالى والثقة بموعوده وتحفظه ذاكرة المخيمات وتغذّيه وصايا الآباء للأبناء.
ويحرم شرعًا التنازل عنه فرديًّا أو جماعيًّا من لاجئٍ أو مسؤولٍ أو كيانٍ أو مؤسسةٍ أو جهةٍ سياسيةٍ أيًّا كانت صفتها.
وكلّ تصرّفٍ يرمي إلى إسقاط هذا الحقّ أو التفريط به أو استبداله أو شطبه من وعي الأجيال تصرّفٌ باطلٌ شرعًا وصاحبه متلبّسٌ بإثمٍ عظيمٍ وخيانةٍ ظاهرةٍ لأمانة الدين والأرض والدّم.
وعلى أبناء فلسطين في كل أماكن وجودهم أن يصونوا هذا العهد ويربطوا الأجيال بأرضهم ودينهم ومقدساتهم حتى تظلّ العودة حقًّا حيًّا وواجبًا قائمًا يتوارثه الشعب كما يتوارث اسمه ودمه وصلاته.
رابعًا :إنّ استمرار الإبادة في غزة مع حلول ذكرى النكبة يكشف أنّ المشروع الصهيوني يمضي في المسار ذاته الذي ابتدأ بالمجازر والتهجير والاقتلاع عام 1948م.
حيث تتجدّد النكبة اليوم على أرض غزة مجازرَ يوميةً واغتيالاتٍ غادرةً وتهجيرًا قسريًّا وتجويعًا ممنهجًا وحصارًا خانقًا وقصفًا متواصلًا وتتحول البيوت والمدارس والمستشفيات والخيام ومراكز الإيواء إلى شواهد دامية على طبيعة هذا الكيان القائم على سفك الدم ومحو العمران.
مما يضع الأمة أمام واجب النصرة العاجلة بكل وجوهها العسكريّة المادية والسياسية والإعلامية والشرعية
امتثالًا لقوله تعالى: “وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا” النساء: 75
خامسًا: إنّ تحضير الجماعات الصهيونية المتطرفة لاقتحام المسجد الأقصى المبارك في ذكرى النكبة يمثل تصعيدًا خطيرًا في مشروع التهويد.
ومحاولةً آثمةً لتحويل جرح الأمة إلى موسم استفزازٍ وعدوانٍ على أولى القبلتين وثاني المسجدين.
مما يوجب على أهل القدس والضفة الغربية والداخل الفلسطيني شدّ الرحال المادي والرباط العملي في ساحات الأقصى.
وتكثيف الحضور فيه وحوله وحمايته بالأجساد والقلوب والمواقف.
كما يوجب على الأمة كلها شدّ الرحال المعنوي إلى الأقصى المبارك بجعله حاضرًا في منابرها ودعائها وخطابها وضغطها السياسي والإعلامي وحراكها الشعبي حتى يبقى المسجد المبارك قضيةً حيّةً في وعي الأمة وأمانةً قائمةً في ضميرها وعنوانًا جامعًا لنصرتها.
سادسًا: في ذكرى النكبة تجدّد الهيئة الدعوة إلى جعل نصرة فلسطين وفي قلبها غزة الصابرة واجبًا حاضرًا في مال الأمة ولسانها ومواقفها ومؤسساتها ومنابرها وميادينها وإلى تحويل الوجع الفلسطيني من عاطفةٍ موسميةٍ إلى إسنادٍ دائمٍ.
ومن ذكرى تستعاد في الخطاب إلى عهدٍ عمليٍّ يتقدّم فيه كل قادرٍ بما يستطيع من بذلٍ وإغاثةٍ وتعريفٍ وضغطٍ ومقاطعةٍ وفضحٍ للعدوان.
فإنّ الجهاد بالمال واللسان والموقف والمؤازرة والإسناد بابٌ عظيمٌ من أبواب نصرة المجاهدين والمستضعفين
وقد قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ” الصف: 10-11
سابعًا: تدعو الهيئة الدول التي يقيم فيها اللاجئون الفلسطينيون إلى القيام بواجب الرعاية والحفظ والتمكين وصون كرامتهم.
وتيسير عمل مؤسساتهم الدعوية والتربوية والإغاثية في أوساطهم حتى تبقى مخيمات اللجوء حاضنةً للذاكرة ومدارسَ للثبات ومناراتٍ تورّث الأجيال عهد العودة والتحرير.
كما تدعو الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم إلى مواصلة الحراك الجامعي والشعبي والإعلامي والقانوني الداعم لفلسطين وغزة.
وتوسيع دوائره وتعميق أثره فقد صار هذا الحراك شاهدًا عالميًّا على سقوط السردية الصهيونية وانكشاف الزيف الأخلاقي للمنظومة الدولية المتواطئة وقيام ضميرٍ إنسانيٍّ حرٍّ يرفض الإبادة وينحاز إلى حقّ الشعب الفلسطيني في أرضه وحريته وكرامته.
تاسعًا: تهيب الهيئة بعلماء الأمة وخطبائها ودعاتها أن يجعلوا ذكرى النكبة وقد أظلّتها أيام العشر وانطلقت في أفقها قوافل الحجيج منبرًا لإحياء فريضة النصرة في ضمير الأمة وربط الشعائر بمقاصدها الكبرى.
وتذكير المسلمين بأنّ التلبية التي تهتزّ بها أفواه الحجيج ينبغي أن تتحوّل في واقع الأمة إلى استجابةٍ عمليةٍ لأمر الله تعالى في نصرة المستضعفين وحماية المقدسات.
وإسناد أهل الأرض المباركة حتى يظلّ الحجّ مدرسةً للتوحيد الجامع وميثاقًا للأمة الواحدة ونداءً يردّ القلوب من طواف البيت الحرام إلى واجب الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك وأهله المرابطين.
وفي الختام: تحيي هيئة علماء فلسطين شعبنا الصابر المرابط في غزة ومقاومته المجاهدة وأسرانا الأبطال وجرحانا الصامدين ومرابطينا ومرابطاتنا في القدس والمسجد الأقصى المبارك.
ولاجئينا القابضين على مفاتيح العودة في مخيمات الشتات ومنافي الأرض.
وتؤكد أنّ فلسطين ستبقى في وعي الأمة أرض البركة والجهاد والرباط وأنّ دماء الشهداء ودموع الثكالى وصبر الجياع وأنين الأسرى وثبات المرابطين ستظلّ روافد الفجر القادم.
تصنع طريق التحرير والعودة.
وتفتح في عتمة النكبة باب الوعد الرباني الذي يربّي الأمة على اليقين ويشدّ قلوب المستضعفين إلى نصر الله تعالى: “وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ” القصص: 5





