(سامح الفؤاد) رواية إبراهيم عبد المجيد
ذهب يومًا إلى مبنى الإذاعة لتسجيل إحدى قصصه في أحد البرامج الثقافية، فدخلت فتاة جميلة جمالا باهرًا، طويلة العود، ممشوقة القوام، ذات عينين خضراوين

رؤية نقدية
محمد شبانة
– ومع أحدث روايات كاتبنا الكبير إبراهيم عبد المجيد، التي يفاجئنا فيها -وهو صاحب كل جديد كعادته- بأنها عمل رومانسي صِرف، في زمن اختفى فيه هذا الشكل تقريبًا، حتى أنه كان يريد أن يكتب عنوانًا آخر موجّهًا للنقاد أساسًا -وهو خبر حصري لكم هنا- هو “رواية رومانسية يا ولاد ال..”!
– نلتقي شخصيات “سامح الفؤاد” بطلنا الذي يعيش في شارع المبتديان بجوار دار “الهلال” في الخمسين من عمره وصاحب مكتبة في شارع الفجالة، وأخته “شادية”، وأمه التي تجاوزت الخامسة والسبعين، وزوج شقيقته “إيهاب”- “ماجدة” المطلّقة وطفليها- “كريم النجار” عضو مجلس الشعب الذي يريد الاستيلاء على مكتبة ليحولها إلى محل سيراميك (نلاحظ هنا إدانة للانقلاب العشوائي الذي أحدثه السادات ومبارك في الاقتصاد، وعملية التجريف التي تعرض لها العقل المصري في عهديهما)- العجوز مؤلف القصص، و”فاتيما” المغربية.
– تحضر الفانتازيا في مقاطع بديعة جدًا وطريفة وذات مغزى وتدين التردّي الذي وصلنا إليه، أبطالها الملابس.
1- “ها هو مقهى فيينا يقترب، ويراه مفتوحًا. الجزء الواضح منه الذي يطل على الشارع مقاعده خالية، إلا مقعدًا واحدًا فوقه بنطلون يَشغل قاعدته، ويرتخي أمامها إلى الأرض، وتحت طرفيه حذاء. الله أكبر. ها هو ما فكّر فيه يتحقق. لينحرف إلى المقهى بسرعة قبل أن يختفي البنطلون لأي سبب.
بالفعل دخل إلى المقهى، وتوقف أمام البنطلون في حيرة، فسمع صوته يقول:
– لماذا تنظر إليّ؟ هل تشك فيّ؟ صاحبي اشتراني منذ شهر، ثم اشترى غيري لأن حبيبته ذكّرته أن موضة الشارلستون انتهت من زمان، فما معنى أن يعود إليها.
كان طرفا البنطلون شارلستون حقًا، واستمر يستمع إليه:
– كنت معلقًا في فاترينة المحل بشارع طلعت حرب، ينظر إليّ المارة بإعجاب ولا يشترونني. لكن كانت نظرات الإعجاب منهم تسعدني جدًا. اشتراني الملعون، وكنت تقريبًا آخر ما لدى المحل، ثم بعد شهر واحد اشترى غيري، وركنني مهملًا في ركن من دولاب ثيابه، لم يعلّقني حتى على شماعة ليراني. هل هذه هي الإنسانية التي تتحدثون عنها؟
ظل واقفا يستمع، ودهشته تزداد. توقع حديثًا أكثر، وقال لنفسه إنه سيضعه في الرواية إذا كتبها، حتى لو اعتبره النقاد والقراء مجنونًا.
واستمر البنطلون يتحدث:
– أنا الذي ارتداني معظم المشاهير من الكتّاب والفنانين. هل أذكّرك مثلًا بفريق البيتلز الإنكليزي الذي أسعد البشرية كلها؟ هل أذكّرك بمحمود ياسين وحسين فهمي ومحمود عبد العزيز في أفلامهم؟ مئات يمكن أن أذكّرك بهم، وفي النهاية يتخلى الجميع عني. يضعني صاحب المحل في فاترينة يتفرج عليَّ الناس وأرضَى، ثم يشتريني متخلف يلقي بي بعد شهر واحد أسفل الدولاب لا يعتني بي أحد.
وقف حائرًا لا يعرف بما يجيب، وفي اللحظة نفسها، سمع البنطلون:
– إياك أن تقول لي أني أصبحت موضة قديمة. رئيسكم يحكمكم منذ ثلاثين سنة ولم تغيّروه”.
2- “رأى الغارسون يأتي إليه. طويل القامة كما هو. ألقى عليه بصوت خفيض تحية الصباح وسأله ماذا يشرب. طلب قهوة، ووجد نفسه يسأل الغارسون كيف لا يجلس في المقهى غير رجل واحد واليوم جمعة، هل اختفي الناس؟ قال الغارسون:
– أشياء غريبة تحدث هذه الأيام، لا يأتي أحد، ونكاد نحقق خسارات كبيرة. وكل مَن يأتي يجلس وحيدًا ويسألني “ماذا تقدمون إلى هذه الكيلوتات من شراب؟”.
قبل أن تبدو الدهشة على وجهه، قال الغارسون:
– صدّقني والله، حتى هذا العجوز الذي يجلس وحده سألني هذا السؤال، وأخشى أن تسألني أنت أيضًا.
شرد بعيدًا عن الغارسون، ثم قال:
– أنا لن أسألك، لكني سأتفرج.
هز الغارسون رأسه في دهشة، كأنه يقول في نفسه “لا حول ولا قوة إلا بالله”، بينما هو صار يرى على كل مقعد كيلوتًا أشبه بالمنشور على حبال الغسيل. أغمض عينيه ثم فتحهما، فوجد واحدًا منها على المقعد الذي أمامه. سمعه يقول:
– (كنا نعرف أنك قادم فأتَينا كلنا. كثيرون منا لم يصدقوا حضورك، وأجّلوا حضورهم إلى الليل. طبعًا تريد أن تعرف ما هي مشكلتنا التي جعلتنا نجلس على المقاهي غرباء. الحقيقة ليس لدينا أي مشكلة، فالناس لا تزال تشترينا مهما ارتفع ثمننا، لكن أكثرنا أصابه المرض النفسي، لأنه حين تنزله امرأة أو فتاة عنها، ينزل خاليًا، ويشعر بحزن شديد. لقد كان في أكثر أماكن الدنيا متعة، وصار فجأة مجرّدًا منها. بل تغسلنا النساء فيضيع عطر المكان، الذي هو الجنة الحقيقية لكل الناس. وينشروننا على الحبال ليشمَت فينا عابرو السبيل. دقق النظر حولك ترى كيلوتات النساء أكثر من “سليبّات الرجال. ربما سليبّ الرجل لا يشعر بما نشعر نحن به من لذة. فارق كبير بين الجنّتَين. بل حقيقة، ما تحت سليبّ الرجال هو الجحيم! ولأن النساء لا يحفظن جميلنا فيخلعننا بسرعة، ويغيّرننا كأنه لا روح ولا قلب لنا. قررنا أن نهرب جميعًا. الآن كل نساء البلاد بلا كيلوتات، لكننا لم نهزمهن. اتجهن إلى البوكسرات واستغنين عنا. هل يمكن أن توجّه إليهن نداء أن يَعُدن إلينا؟).
3- أغمض عينيه كي لا يرى كيف تحرك الجوب، ثم جلس على المقعد الخالي أمامه الذي ستجلس عليه ماجدة. صار نصفه على ظَهر المقعد ونصفه على قاعدته، وبدأ يتكلم بينما أغلق هو عينيه. قال الجوب:
– أنت مثقف وستقدّر ما أقول وتنقذني من الإهمال. يومًا ما كنت أكشف عن أجمل سيقان للفتيات والنساء لأني كنت أنتهي عند الركبتين. وكنت، كما تراني، مفتوحًا من أسفل الخلف قليلًا، لأكشف نيزكًا صغيرًا من الفخذين. تعرف ما جرى في البلاد من تغيّر، وكيف صار الجلباب الذي يصل إلى الكعبين ثوبًا للنساء. ضاع زمني، لكن بعض المحلات ما زالت تعرضني للبيع ولا يشتريني أحد، فلا نخرج إلى هواء الحياة الظالم. إن لم تفعل ذلك سنملأ الشوارع حركة ومَشيًا، وسنخطف النساء نخلع عنهن ثيابهن الصحراوية، ونضعهن داخلنا غصبًا وقهرًا، ونُعرّضهن إلى سباب الشيوخ والمتخلفين الذين لا يكفّون عن تهديدهم بالجحيم”.
مقتطفات
“لم يكن يعرف أن الأساطير يمكن أن تعود، أنه سيحتاج إلى سنوات ليصل إلى حبيبته، وقد لا يصل، لكنه سيظل في رحلة لا تنتهي للوصول، حتى لو لم يعد”.
“كانت بداية مدهشة لن يصدقها أحد، ولا حتى هو اليوم ذهب يومًا إلى مبنى الإذاعة لتسجيل إحدى قصصه في أحد البرامج الثقافية، فدخلت فتاة جميلة جمالا باهرًا، طويلة العود، ممشوقة القوام، ذات عينين خضراوين، وشَعر جميل ينسدل على ظهرها، وترتدي فستانًا شانيل ينتهي تحت ركبتيها، ويستدير مع وسطها، وجسمها يبرِز نحته الإلهي النادر الذي لا تدركه إلا العيون التي تتمنى يومًا رحلة إلى السماء، لا رحلة إلى بيت وسرير ومتعة تنتهي.
أولئك الذين يقضون عمرهم في خيال البحث عن المتعة الإلهية، يستريحون بها عن
هذا العالم الزائل. لم يكن يدري أن هذه الأغنية ستخرج من الخيال، الذي يأتيه أحيانًا لدقائق، لتصبح حكاية كاملة. كانت تتحدث مع المذيع في الأجر الذي سيحصل هو عليه، وتطلب بياناته الشخصية لتستخرج له مستحقاته، التي كانت وقتها عشرة جنيهات. كان ذلك عام 1980. أي منذ عشرين سنة. لا ينسى أنه أعطاها بطاقته الشخصية وتكاد يده ترتعش ويخطفها منها ويصعد عليها، ويجذبها لتصعد معه، وتطير بهما بطاقته الشخصية إلى الفضاء!
ابتسم من خياله المجنون، الذي جعل من بطاقته الشخصية سفينة فضائية. حين قرأت اسمه “سامح الفؤاد” ابتسمَت وقالت “اسم جميل”، فعاد يصعد بها إلى الفضاء. انصرفت لتعود بعد دقائق ومعها العشرة جنيهات والبطاقة. لا يعرف هو أم غيره مَن أخذ البطاقة والنقود”.
“لقد عرف بالفعل رقم تليفونها. كيف نسي ذلك؟ لقد طلبه هو منها في المرة الوحيدة التي رآها، ولمّا سألَته مبتسمة ومندهشة “لماذا؟”، قال لها، قد يسألها عن شيء يخصه في حسابات الإذاعة لا يتذكر متى كان، وحين يعود إلى البيت سيحدّثها ويعطيها البيانات، وقد يكون شاكرًا لها لو أخبرَته بما جرى لمستحقاته.
لقد عاد يومها وكتَب رقم التليفون في أجندة قديمة. لقد كتَبه باللون الأحمر ليظل مشتعلًا وواضحًا، لا يبحث عنه كثيرًا بين الأرقام السوداء، التب كلها تقريبًا قديمة، تغيّرت أو اختفى أصحابها، واستغنى عنها بعد أن ظهرت الموبايلات”.
“- هل أنتِ متزوجة؟
سكتت لحظات، فقال:
-آسف، لقد رأيتك مرة ومعك طفل في شارع طلعت حرب، ولا معنى للسؤال.
قالت:
– أنا مطلّقة، ولديَّ طفلان أعيش من أجلهما.
اتسعت عيناه بالفرح. هي مطلّقة، وهو أمضى حياته دون زواج، فهل اختارها له القدَر وهو في الخمسين من عمره الآن؟ لم ينتبه إلى جملة “أعيش من أجلهما” التي قد تعني أنها لن تتزوج مرة أخرى. لا يدرك المحب إلا ما يريد”.
“- إذن ما رأيك نلتقي في الميريلاند؟ الكافتيريا بين حديقة وبحيرة جميلة.
قفز قلبه ورآه أمامه. الميريلاند تاريخ للحب والأحباء والسينما والأفلام الرومانسية. قال:
– يوم الجمعة نلتقي، هل يناسبك؟ الساعة الواحدة.
– تمام، في انتظارك. تصبح على خير.
قام يكاد يقفز في الغرفة. امتلأ فضاء الشقة كله بموسيقى حاوَل أن يتعرف عليها رغم أنه لا يرى أحدًا يعزفها. كانت سوناتا “إلى أليز” لبيتهوفن”.
“لا ينسى حديثًا له مع أحد أصدقائه أيام الشباب. كان ذلك الصديق كل يوم تقريبًا يأتي بامرأة أو فتاة إلى بيته، يقضي حاجته من المتعة معها، ولمّا سأله “كيف تنجح في ذلك؟”، أجابه أنه كما نحن الرجال نحتاج إلى المتعة مع النساء، فهن أيضًا يفعلن ذلك. كان هو، ولا يزال، لا يرى معنى لأي علاقة لا تنتهي بالزواج، وهو لا يريد الزواج. لا يريد أن ينفق على أحد، ولا يتحمل الكثير كي يربي أولاده في حالة الإنجاب. ليس بخلًا، لكن سيكبر الأولاد ويموت هو، ويكون كل ما فعله أنه أضافهم إلى عالَم لا يستحق الحياة”.
“الناس في بلادي يحبون الحزن، وإن لم يجدوه يذهبون إليه”.
“- أغرب ما حدث لي، أني على يقين مما قرأت في تاريخ العالم والبشر، أن حياة الإنسان رحلة لا يصل فيها أبدًا إلى الجمال المطلق، لكن ما حدث أني وصلت، فليس بعدك جمال يمكن أن ألتقيه”.
“مسكين الإنسان، يمضي عمره وراء المال، بينما الثراء كله في امرأة تحبه”.
“كيف حقًا لم يخترع الموسيقيون آلة تعزف صوت القبلات فقط؟ أنت مجنون يا سامح. هل دقات البيانو غير قبلات؟ اليد التي تلعب عليه لا تلعب، في كل ضغطة صوت قُبلة يرتفع أو ينخفض كما يشعر الموسيقار بشفتي حبيبته”.
“هي الأصول المصرية التي استطاعت أن تمتص كل الوافدين. ماجدة قارورة تقطّر فيها جمال .نساء الدنيا كلها
المصدر : صفحة الكاتب على فيسبوك
رابط المقال المختصر:





