أحمد علام يكتب: لا تنظروا إلى الأعلى انظروا إلى (ترامب) البيت الأبيض
قد وعد ترامب الأمريكيين بأنه سيوقف الحروب فإذا بالعالم في عهده يقف وسط شبكة من الحرائق المترابطة:

صورة تعبيرية للمقال
قبل سنوات، أخرج آدم مكاي فيلمه الشهير (لا تنظروا إلى الأعلى) “Don’t Look Up”
ذلك الفيلم الذي يحكي عن عالِمين يكتشفان مذنبًا يتجه نحو الأرض، ويحاولان تحذير البشرية من فنائها، فلا يجدان أمامهما إلا رئيسة مشغولة باستطلاعات الرأي، وإعلامًا يحوّل الكارثة إلى مادة ترفيهية، ومليارديرًا تقنيًا يرى في المذنب فرصة استثمارية لا خطرًا وجوديًا.
كان المذنب في الفيلم قادمًا من الفضاء.
أما اليوم، فلا داعي لأن ننظر إلى الأعلى لأن المذنب يخرج من المكتب البيضاوي نفسه.
يجلس دونالد ترامب على رأس القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر في العالم، محاطًا بدائرة ضيقة من أفراد العائلة والأصهار والمقربين ورجال الصفقات، حتى بات من الصعب أحيانًا معرفة أين تنتهي الدولة الأمريكية وأين تبدأ “شركة ترامب العائلية”
صهره جاريد كوشنر ينغمس في قلب الملفات الدولية، مشاركًا في التفاوض حول إيران، وعضوًا مؤثرًا في الهيئة التي أنشأها ترامب لإدارة ملف غزة.
ومسعد بولس، والد زوج ابنته تيفاني، مستشارًا للشؤون العربية والشرق أوسطية.
وفي الوقت نفسه، تتوسع أعمال العائلة في العقارات والعملات الرقمية والاستثمارات الخارجية، بما يثير أسئلة لم تعد تتعلق بمجرد تضارب المصالح، بل بتحول السلطة السياسية نفسها إلى رافعة للمكانة والنفوذ والثروة.
أحمد علام يكتب: الشارع وصراع أجنحة الحكم؟ (التمرد الإبتزازي)
لقد وعد ترامب الأمريكيين بأنه سيوقف الحروب
فإذا بالعالم في عهده يقف وسط شبكة من الحرائق المترابطة: حرب مباشرة مع إيران امتدت شهورًا، واضطرب معها مضيق هرمز وباب المندب، وتراجعت حركة السفن في أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية.
والحرب في أوكرانيا ما زالت مستعرة رغم الإعلانات المتكررة عن اقتراب الحل. وفي غزة، تستمر الغارات وسقوط الضحايا، بينما يخرج ترامب معلنًا «إنجازات تاريخية» وخططًا للسلام وإعادة الإعمار.
في فيلم “لا تنظروا إلى الأعلى” لم تكن المشكلة أن ساكني البيت الأبيض لا يعرفون بوجود المذنب.
لقد عرفوا، لكنهم قرروا تحويله إلى فرصة للربح والدعاية والفوز في الانتخابات.
وهذا هو وجه الشبه المخيف مع عالم ترامب: فالحرب عنده ليست مأساة إنسانية بقدر ما هي ورقة تفاوض ومحرك لمؤشرات البورصة.
والدولة ليست أمانة عامة بقدر ما هي علامة تجارية.
والدبلوماسية ليست عملًا مؤسسيًا طويل النفس، بل لقاء بين رجال أعمال يتبادلون العروض والتهديدات. أما الشعوب التي تُقصف وتُهجّر وتجوع، فليست سوى أرقام تظهر على شاشة، يمكن تمريرها بإصبع بارد إلى الخبر التالي.
في الفيلم، كانت شركة التكنولوجيا تمتلك البيانات، فتتنبأ بسلوك الناس وطرق موتهم، ثم تفرض على الإدارة الأمريكية خطتها المجنونة لاستغلال المذنب اقتصاديًا بدل تدميره.
وفي واقعنا، لا تقف شركات التكنولوجيا خارج السلطة
بل تلتقي معها في بنية واحدة:
منصات تصنع الحقيقة، وخوارزميات توزع الغضب والخوف، ومليارديرات يشترون النفوذ، ورئيس يدير السياسة الدولية بمنشور مفاجئ وتهديد علني وموعد نهائي يحدده كما لو كان يفاوض على شراء فندق.
لا يحتاج ترامب إلى إخفاء ما يفعل.
إنه يعلن التهديدات بنفسه، ويحولها إلى عرض يومي، ثم تنشغل وسائل الإعلام بتحليل نبرة صوته وتعابير وجهه:
هل كان جادًا؟ هل سيتراجع؟
هل يقصف الليلة أم يؤجل القصف أسبوعًا؟
وهكذا تتحول احتمالات الحرب العالمية إلى مسلسل جماهيري، له حلقات ومفاجآت ومعدلات مشاهدة.
كان الناس في الفيلم يرفعون شعار: «لا تنظروا إلى الأعلى» حتى لا يروا المذنب الذي أصبح ظاهرًا في السماء.
أما الشعار المعاصر فهو:
لا تنظروا إلى القتلى، ولا إلى المدن المدمرة، ولا إلى السفن المتوقفة، ولا إلى أسعار الطاقة والغذاء، ولا إلى المصالح العائلية المتشابكة مع القرار السياسي. انظروا فقط إلى الرئيس وهو يعلن أنه حقق انتصارًا جديدًا.
في نهاية الفيلم، هربت رئيسة الولايات المتحدة ومجموعة من كبار الأثرياء في مركبة فضائية، تاركين بقية البشر للموت.
كانوا يعتقدون أن ثرواتهم وتقنياتهم ستمنحهم كوكبًا بديلًا، لكنهم ما إن وصلوا حتى افترستهم وحوش ذلك الكوكب.
كانت النهاية تقول إن الطبقة التي تدمر العالم لا تمتلك بالضرورة القدرة على النجاة من الخراب الذي صنعته.
واليوم، لا يوجد كوكب بديل، ولا سفينة تتسع للنخبة، ولا ملجأ يحمي أحدًا من حرب كبرى تنفلت من أيدي الذين أشعلوها.
لذلك لا تنظروا إلى الأعلى.
انظروا إلى البيت الأبيض.
انظروا إلى الرئيس المحاط بأسرته وأصهاره وأصحاب المصالح.
انظروا إلى شاشة الهاتف التي تتحول أمامها الحرب إلى منشور، والموت إلى رقم، والعالم إلى صفقة.
فالمذنب هذه المرة لا يهبط من السماء.
المذنب هذه المرة يصدر القرارات.






