أحمد علام يكتب: الشارع وصراع أجنحة الحكم؟ (التمرد الإبتزازي)
لا ينجح المتمرد وحده؛ فهو يحتاج إلى مجتمع غاضب مستعد للاستماع. يجد أمامه مواطنين يعانون ضغوطًا اقتصادية واجتماعية، ويفقدون الثقة في الإعلام، ولا يملكون مؤسسات سياسية تعبّر عنهم

صورة تعبيرية للمقال
حين تستخدم أجنحة الحكم الشارع للضغط على رأس النظام
ليست كل شتيمة معارضة، وليس كل من هاجم الحاكم معارضًان فقد يكون المهاجم واحدًا من أبناء النظام، أو المتحدثين باسمه، أو المستفيدين من مؤسساته، ثم يكتشف فجأة لغة الغضب والسباب وكشف الأسرار؛ لا لأنه انحاز إلى المجتمع، ولا لأنه رفض بنية الحكم، بل لأن مصلحته تعطلت، أو لأن الجناح الذي ينتمي إليه خسر موقعًا أو امتيازًا.
نحن هنا لا نكون أمام معارضة سياسية، بل أمام ظاهرة يمكن تسميتها» التمرد الابتزازي :
خروج أفراد من داخل النظام أو من دوائره القريبة، واستخدام الجمهور والفضاء الرقمي والشتائم والتسريبات للضغط على رأس النظام، من أجل تحقيق مصلحة خاصة أو تحسين موقع جناح داخل السلطة.
فالتمرد الابتزازي لا يريد تغيير قواعد الحكم، وإنما يريد حصة أفضل داخلها.
لا يخاطب المواطنين بوصفهم أصحاب حق، بل يستخدم غضبهم مكبرًا للصوت حتى تصل رسالته إلى القصر.
لم تكن مؤسسات الدولة المصرية وأجهزتها كتلة واحدة في أي عهد.
فقد عرفت فترات عبد الناصر والسادات ومبارك صراعات بين مراكز القوى والأجهزة والوزراء والحزب الحاكم ورجال الأعمال والشخصيات المقربة من الرئاسة.
لكن تلك الصراعات، مهما بلغت حدتها، ظلت محكومة بقاعدة أساسية: الجميع يتصارعون تحت سقف رأس النظام ويسعون إلى كسب رضاه.
كان جناح يسرّب معلومات عن جناح منافس لإسقاطه أمام الرئيس، أو يدفع نحو إقصائه، أو يشكك في ولائه وكفاءته. لكن رأس النظام ظل الحكم النهائي، لا الهدف المباشر للهجوم.
كان كل طرف يقول للحاكم، صراحة أو ضمنًا: نحن الأوفى لك والأقدر على حماية نظامك.
أما الجديد فهو أن بعض الخارجين من دوائر الحكم لم يعودوا يكتفون بضرب خصومهم أمام الرئيس، بل أصبحوا يستخدمون التشهير بالرئيس نفسه وسيلة ضغط عليه.
قديمًا كان التسريب لإسقاط المنافس أمام رأس النظام، أما الآن يصبح لإحراج رأس النظام أمام الجمهور.
قديمًا كان الصراع من أجل الحصول على رضاه، أما الآن يتحول إلى محاولة لإجباره على تقديم تنازل.
قديمًا كان المواطن خارج غرفة الصراع؛ أما اليوم فيُسحب عنوة إلى داخلها، لا شريكًا في القرار، بل رقمًا في عداد المشاهدات وإعادة النشر.
يبدأ التمرد الابتزازي غالبًا عندما تتعطل قنوات التفاوض الداخلية.
فكلما ازدادت السلطة شخصنةً، وتركز توزيع المناصب والمصالح والحماية في دائرة ضيقة، أصبح القرب من رأس النظام موردًا سياسيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية.
وعندها لا يعني فقدان الرضا خسارة المنصب فقط، بل قد يعني خسارة النفوذ والمال والحماية والمستقبل كله.
ومن يجد الباب الداخلي مغلقًا قد يبحث عن باب خارجي، ومن يعجز عن إيصال رسالته عبر قنوات الحكم يخرج بها إلى وسائل التواصل.
ومن لا يستطيع التفاوض داخل الغرف، يرفع تكلفة تجاهله أمام الجمهور.
هنا يتحول الفيديو إلى رسالة تفاوض، والشتيمة إلى ورقة ضغط، والتسريب إلى دفعة أولى، والتهديد بكشف المزيد إلى إعلان بأن ثمن الصمت قابل للارتفاع.
المتمرد لا يقول للنظام: أريد إسقاطك. بل يقول: أستطيع إلحاق الضرر بك ما لم تستجب.
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن تجريف المجال السياسي.
فعندما تُضعف الأحزاب، وتُحاصر الصحافة المستقلة، وتُغلق النقابات، ويُطارد أصحاب المواقف السياسية الحقيقية، لا يختفي الغضب ولا تتوقف الصراعات الذي يختفي هو الإطار المنظم القادر على التعبير عنها.
ينشأ فراغ سياسي، ثم يملؤه من يمتلك الحماية أو المال أو المعلومة الداخلية أو القدرة على الصراخ.
وهكذا يجد المتمرد القادم من داخل النظام ساحة تكاد تخلو من المنافسة، لا حزب يسأله عن برنامجه، ولا تنظيم يختبر ثباته، ولا صحافة قوية تحقق في ادعاءاته.
يكفي أن يمتلك بعض الأسرار أو يدعي امتلاكها، وأن يستخدم لغة فجة، حتى يتحول إلى بطل مؤقت.
لقد قُتلت المعارضة التي كانت تريد تغيير قواعد الحكم، وتُرك المسرح لمن يريدون تحسين نصيبهم منه.
وهذه إحدى أخطر نتائج إغلاق السياسة:
يُحاصر صاحب المشروع، بينما يتصدر صاحب الشتيمة؛ لأن الأول يمثل بديلًا حقيقيًا، أما الثاني فيمثل مشكلة يمكن التفاوض معها وتسويتها.
للظاهرة أيضًا أساس اقتصادي.
فعندما تضيق الموارد وتتركز المشروعات والامتيازات في أيدٍ محدودة، تصبح كل مكافأة يحصل عليها طرف خسارة مباشرة لطرف آخر. ويتحول التنافس من صراع على التقدم إلى صراع على البقاء.
وقد يجد من فقد موقعًا أو صفقة أو حماية أن أقصر طريق لاستعادتها هو التشهير أو التسريب أو تحريك حملة ضد خصمه، وربما ضد رأس النظام نفسه.
ينشأ بذلك اقتصاد غير معلن للصمت والكلام:
تصبح المعلومة سلعة، والفضيحة أصلًا تفاوضيًا، والقدرة على إحداث الضرر رأسمالًا سياسيًا.
كلما امتلك الشخص معلومات أكثر، ارتفع سعر صمته. وكلما اتسع جمهوره، زادت قيمته في المساومة.
لم تصنع التكنولوجيا هذه الصراعات، لكنها سلحتها ووسعت مداها.
في الماضي كان من يريد مخاطبة جمهور واسع يحتاج إلى صحيفة أو قناة أو شبكة علاقات، أما الآن فيكفي هاتف محمول ومقطع قصير كي تنتشر الرسالة خلال ساعات.
لقد خفضت المنصات الرقمية تكلفة التمرد، وأتاحت الانتشار من دون مؤسسة، والتحدث من خارج الحدود، والانتقال التدريجي من التلميح إلى الاتهام، ثم إلى التهديد بكشف المزيد.
كما أنتجت هذه المنصات اقتصادًا للانتباه يكافئ الصدمة.
فالتحليل الهادئ بطيء، أما الشتيمة فسريعة وسهلة التداول، والفضيحة تجذب أكثر من البرنامج السياسي.
لذلك قد لا تكون الفجاجة مجرد انفلات، بل جزءًا من الوظيفة. فالسباب يجذب الجمهور، ويكسر الخطوط الحمراء، ويثبت لمركز الحكم أن صاحبه قادر على التصعيد.
وهكذا تتحول المشاهدات والتعليقات وإعادة النشر إلى أوراق ضغط على طاولة التفاوض.
لا ينجح المتمرد وحده؛ فهو يحتاج إلى مجتمع غاضب مستعد للاستماع.
يجد أمامه مواطنين يعانون ضغوطًا اقتصادية واجتماعية، ويفقدون الثقة في الإعلام، ولا يملكون مؤسسات سياسية تعبّر عنهم. وقد لا يثق المواطن في المتمرد، لكنه يجد في كلامه تنفيسًا بالوكالة، لأنه يقول ما لا يستطيع المواطن قوله.
وهنا يحدث اللقاء الخادع:
المواطن يتابع المتمرد لأنه غاضب من النظام، بينما يستخدم المتمرد غضب المواطن ليعود إلى النظام.
المواطن يظن أنه وجد صوتًا يعبر عنه، بينما وجد المتمرد جمهورًا يفاوض به.
وعندما تتحقق التسوية، ينخفض الصوت أو يتوقف الهجوم أو يعود صاحبه إلى التأييد، ويبقى المواطن وحده مع أزماته؛ لأنه لم يكن طرفًا في الصفقة، بل أداة من أدواتها.
لا ينبغي الحكم على هذه الشخصيات من حدة كلامها، بل من الغاية التي ينتهي إليها خطابها.
هل تتحول الشتائم والتسريبات إلى برنامج عام ومطالب تخص المجتمع؟
هل يستمر الموقف بعد فتح أبواب التفاوض؟
هل يدافع صاحبه عن حقوق ثابتة تتجاوز مصلحته الشخصية؟
أم ينتهي الأمر إلى صمت مفاجئ، أو مصالحة، أو استعادة امتياز، أو عودة إلى النظام؟
المعارضة تطرح بديلًا، أما المتمرد فيطرح سعرًا.
المعارضة تخاطب المجتمع، أما المتمرد فيخاطب الحاكم عبر المجتمع.
المعارضة تتحمل الثمن من أجل موقف، أما المتمرد فيهدد حتى يحصل على الثمن.
هو لم يختلف مع النظام لأنه ظالم، بل لأنه لم يعد منصفًا له في توزيع المكاسب، ولم يكتشف معاناة الشعب، بل اكتشف أن غضب الشعب مورد يمكن استثماره.
قد تكشف هذه الصراعات بعض ما يحدث داخل السلطة، لكن كشف المعلومات لا يعني أن أصحابها يمثلون بديلًا سياسيًا.
فالتمرد الابتزازي قد يضعف رأس النظام، لكنه لا يبني مؤسسات.
وقد يفضح بعض الأجنحة، لكنه لا ينشئ رقابة عامة. وقد يكسر الهيبة، لكنه لا يعيد السياسة إلى المجتمع.
بل إن أخطر نتائجه أنه يشوه معنى المعارضة ذاتها. فعندما يشاهد الناس شخصًا يهاجم ويشتم ثم يصمت بعد تسوية، يترسخ لديهم أن الجميع يبحثون عن مصالح شخصية، وأن كل معارض قابل للشراء، وأن السياسة ليست سوى سوق للمساومات.
وهكذا يؤدي المتمرد خدمة للنظام الذي يزعم محاربته؛ إذ يقتل ثقة الناس في إمكان وجود معارضة شريفة.
الجديد إذن ليس وجود صراعات داخل الدولة، وإنما خروجها من غرفها، واستخدام المجتمع والفضاء الرقمي سلاحًا للضغط على رأس النظام.
لكن الشعب لم يدخل بذلك إلى صناعة القرار، بل تحولت حياته وشاشاته وغضبه إلى ساحة لمعركة لا يعرف شروطها، ولا يحصل على شيء من نتائجها.
في الماضي كانت أجنحة الحكم تتصارع أمام الرئيس لتحصل على رضاه، أما اليوم فقد أصبح بعضها يتصارع فوق رؤوس المواطنين للضغط عليه.
لم تصعد معارضة من المجتمع إلى السلطة، بل هبط صراع من داخل السلطة إلى المجتمع.
إنهم لا يخرجون من النظام لأنهم يرفضونه، بل يتمردون عليه لأنهم يريدون نصيبًا أكبر منه، يستعيرون غضب الشعب وصوته وعدده، ثم يعيدونه إلى الصمت بعد انتهاء الصفقة.
هذه ليست معارضة.
إنه تمرد ابتزازي: يبدأ بالشتيمة، ويتغذى على غضب الناس، وينتهي عند أول باب يُفتح للمساومة.






