أحمد علام يكتب: أين المسلمون من عودة الجذور؟ سؤال الهوية (2)
ليست المشكلة في التحديث. وليس المطلوب أن نغلق الجامعات، أو نرفض التكنولوجيا، أو نستعيد مجتمعات القرن السابع كما كانت. فمثل هذا الكلام ليس عودة إلى الجذور بل هروب من التاريخ وفي التاريخ
جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي
حين تبدأ قطاعات من الغرب في البحث من جديد عن الأسرة والدين والأمة والجذور الحضارية.
حين يتحدث نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس من قلب البيت الأبيض بلغة الإيمان والكاثوليكية والخير والشر.
حين يستدعي اليمين الأوروبي »أوروبا المسيحية« في مواجهة الهجرة والتفكك الديموغرافي والثقافي، يصبح السؤال الملح: وأين المسلمون من عودة الجذور؟
السؤال أكثر إيلامًا مما يبدو.
ففي الوقت الذي تستعيد فيه الصين خطاب النهضة العظيمة للأمة الصينية، وتقدم نفسها وريثة حضارة عمرها آلاف السنين.
وتستدعي الهند جذورها الهندوسية إلى قلب مشروعها السياسي.
ويعود جزء من الغرب نفسه إلى البحث في طبقاته الرومانية والمسيحية عما يستطيع به ترميم مجتمعاته.
يبدو العالم الإسلامي، وخاصة العربي، وكأنه يسير بسرعة مذهلة في الاتجاه المعاكس: يبحث عن المستقبل بقطع مزيد من الصلات مع ماضيه، ويستورد النموذج الذي بدأ أصحابه أنفسهم يتساءلون عن ثمنه.
ليست المشكلة في التحديث. وليس المطلوب أن نغلق الجامعات، أو نرفض التكنولوجيا، أو نستعيد مجتمعات القرن السابع كما كانت. فمثل هذا الكلام ليس عودة إلى الجذور بل هروب من التاريخ وفي التاريخ.
أحمد علام يكتب: حين يعود الدين إلى الغرب من باب الهوية
المشكلة في سؤال أبسط: بأي إنسان ندخل العصر الحديث؟
هل ندخله بإنسان له مرجعية وهوية وتاريخ وذاكرة وأسرة وانتماء، يمتلك التكنولوجيا ولا تمتلكه، ويستخدم السوق ولا يتحول هو نفسه إلى سلعة؟
أم ندخله بذلك الفرد النيوليبرالي الذي جُرِّب في الغرب:
مستهلك متحرك، منفصل شيئًا فشيئًا عن الأسرة والمكان والتاريخ، تقاس قيمته بقدرته على الإنتاج والشراء، ويُعاد تعريف حياته كلها باعتبارها سلسلة من الاختيارات الشخصية ؟
من الضروري هنا التفريق بين النيوليبرالية الاقتصادية والليبرالية الاجتماعية؛ فهما ليستا نظرية واحدة بالمعنى الدقيق.
لكنهما تداخلتا في العقود الأخيرة واندمجتا داخل نموذج اجتماعي يجعل السوق والفرد والاختيار والاستهلاك عناصر شديدة المركزية في تشكيل الحياة وهذه هي الأزمة الكبرى .
والمفارقة أن كل الدول العربية تتسابق الآن إلى هذا النموذج في اللحظة نفسها التي تظهر فيها ارتداداته داخل المجتمعات الغربية التي أنتجته.
اقتصاديًا، تتوسع برامج الخصخصة وتقليص دور الدولة وجذب الاستثمار وإعادة تشكيل الاقتصاد حول القطاع الخاص.
ففي مصر، لا يزال النظام يقوم بتسريع التخارج من أصول الدولة بل وبيعها وزيادة مساحة القطاع الخاص الأجنبي، بينما السعودية تقوم منذ 2016 بتحول هيكلي واسع في بيئة الأعمال وسوق العمل ورأس المال والاقتصاد غير النفطي.
قد تكون الإصلاحات ضرورية اقتصاديًا.
فالدولة المتضخمة والفاسدة ليست بديلًا صالحًا عن السوق، والاقتصاد الريعي ليس نموذجًا ينبغي الدفاع عنه.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإصلاح الاقتصادي إلى تصور للإنسان نفسه.
وهذا ما يحدث.
حين تصبح المدينة مشروعًا استثماريًا، والثقافة صناعة ترفيه، والتعليم طريقًا إلى احتياجات سوق العمل، والمواطن، رأس مال بشريًا.
والأسرة عقبة أمام حركة الفرد، ويصبح النجاح الاجتماعي مقدار ما تستطيع الدولة جذبه من استهلاك وسياحة واستثمار، نكون قد انتقلنا من تحديث الاقتصاد إلى سوقنة المجتمع.
وهنا تبدو المفارقة العربية شديدة القسوة.
الغرب الذي نقل مصانع مدنه إلى الصين بدأ يسأل: ماذا فعلنا بالطبقة العاملة والأسرة والمجتمع المحلي؟
ونحن نسأل: كيف نصبح أسرع في جذب رأس المال؟
الغرب بدأ يقلق من انخفاض الإنجاب والوحدة وتفكك الأسرة.
ونحن ما زلنا نقدم الفرد المنفصل عن بنيته الاجتماعية باعتباره علامة التقدم ونعتبر خفض المواليد إنجاز.
الغرب يستدعي الكنيسة والجذور المسيحية إلى النقاش السياسي.
ونحن ننظر إلى الدين باعتباره ملفًا ينبغي أن تحاصره و تديره الدولة بأقل قدر ممكن من الحركة المستقلة.
وهنا ندخل إلى التعليم ونسأل السؤال التالي:
أي دين نتعلم؟ ومن ينتجه؟ وما موقعه في تشكيل عقل الطالب؟
في مصر مثلًا، التربية الدينية في النظام التعليمي مادة نجاح ورسوب لكنها لا تدخل في المجموع الكلي، بينما تدخل مواد أخرى في تشكيل مجموع الطالب ومستقبله الجامعي. وهذه المفارقة تكاد تلخص الأزمة كلها:
نعلن أهمية الدين في بناء الإنسان، ثم نقول للطالب عمليًا: هذه مادة لا تؤثر في مستقبلك كما تؤثر المواد الأخرى.
والطالب أذكى مما نتصور.
هو يفهم ترتيب الأولويات من النظام، لا من الخطب.
لكن القضية الأعمق من المناهج هي تحول العلم الديني نفسه من مجال معرفي واجتماعي واسع إلى مؤسسة بيروقراطية وعسكرية تديرها الدولة.
دراسة واسعة لمؤسسة كارنيغي عن المؤسسات الإسلامية في الدول العربية رصدت زيادة تدخل الأنظمة في الجامعات والمعاهد والمساجد والأوقاف والمنابر والمؤسسات الخيرية، عبر التعيينات والقوانين والرقابة وإعادة التنظيم.
ودراسة أحدث عن الإسلام الرسمي في الخليج تشرح كيف تحولت المؤسسات الدينية تدريجيًا إلى بيروقراطيات وطنية تدير التعليم والفتوى والمساجد والخطاب الديني، مع مراقبة أشد للمجالات الدينية.
وهنا يقع التحول الأخطر.
قد تظل هناك آلاف المساجد وملايين نسخ القرآن وحصص للتربية الدينية، لكن العلم الديني الحي يحتاج أكثر من ذلك.
يحتاج عالمًا يستطيع أن يفكر.
ومؤسسة تستطيع أن تنتج معرفة.
ووقفًا مستقلًا.
وجامعة تناقش الدولة والمجتمع والاقتصاد والتكنولوجيا والأخلاق من داخل المرجعية الإسلامية، لا مجرد جهاز يجيب عند الطلب عن سؤال: هل هذا جائز أم غير جائز؟
اين يُسمح للدين بالحديث في العبادات، لكنه يُطرد تدريجيًا من سؤال:
ما الإنسان؟ وما الاقتصاد العادل؟ وما الأسرة؟
وما حدود السوق؟ وما أخلاق الذكاء الاصطناعي؟ وما واجبات الدولة؟
وما معنى الحرية؟ يكون الدين موجودًا في الشكل لكنه غائب عن إنتاج الحضارة أو قل إنتاج الحياة.
ليس كل تغيير في المناهج الدينية مذمومًا.
لقد أزيلت في السعودية، مثلًا، نصوص تحمل لغة عدائية تجاه طوائف أخرى، وتراجعت عبارات التكفير والتجريح في الكتب الحديثة.
وهذا في ذاته قد يكون إصلاح محمود إذا كان المقصود تنقية التعليم من التعصب المذهبي والطائفي.
لكن السؤال هو: هل نستبدل العلم المتعصب بعلم أعمق وأكثر رحابة؟
أم نستبدله بفراغ وميوعة؟
فالفارق هائل بين أن تحرر التراث من قراءة ضيقة ورأي وحيد، وبين أن تحرر الإنسان من التراث كله.
نحتاج إلى طالب يدرس القرآن بصورة أعمق، لا طالبًا يقرأ أقل.
ويدرس السيرة باعتبارها بناءً للإنسان والمجتمع، لا مجموعة تواريخ.
ويدرس الفقه باعتباره تدريبًا على فهم النص والواقع والمقاصد، لا قائمة محظورات.
ويدرس تاريخ الحضارة الإسلامية بما فيه من نجاح وفشل وصراع واجتهاد، لا حكاية ذهبية مقدسة ولا قصة سوداء ينبغي الاعتذار عنها.
نحتاج إلى تجديد فهم الدين لا تجفيفه.
والغريب أن العالم من حولنا يذكرنا بهذه الحقيقة.
لماذا تحول فانس، الرجل المتعلم في أرقى الجامعات الأمريكية، إلى الكاثوليكية؟
لم يبحث عن دين أكثر سهولة، بل عن تراث أعمق: أوغسطين، وتاريخ، وفلسفة، ونظرية للإنسان والمجتمع والصالح العام.
ولماذا يعود الأوروبي العلماني إلى القول إنه مسيحي؟
لأنه حين رأى الهويات الأخرى أكثر كثافة بدأ يشعر بأن الفردانية وحدها لا تكفي لتعريفه.
لماذا يستعيد الصيني كونفوشيوس بعدما حاولت الثورة الثقافية اقتلاع ذلك؟
ولماذا يتحدث الهندي من جديد عن ثقافته الهندوسية؟
لأن الأمم عندما تشعر أن موقعها التاريخي مهدد لا تبدأ عادة بالسؤال: كيف نتخلص من ذاكرتنا؟
بل تقول:
ماذا يوجد في ذاكرتنا يساعدنا على البقاء؟
أما نحن فهناك قطاع من نخبنا ما يزال يتعامل مع كل صلة قوية بالجذر باعتبارها مشكلة محتملة.
الفهم الحق للدين يجب أن يكون معتدلًا؛ لكن الاعتدال يتحول من رفض الفهم المتطرف إلى رفض القوة الفكرية للدين ذاته.
المناهج يجب أن تكون حديثة ؛ لكن الحداثة تختزل في إضافة البرمجة واللغات وتقليل ما لا يطلبه سوق العمل.
والثقافة يجب أن تكون منفتحة ؛ لكن الانفتاح يتحول أحيانًا كثيرة إلى استيراد سريع لصناعة الترفيه والاستهلاك قبل بناء صناعة معرفة وفكر وفن قادرة على الحوار مع العالم من موقع ذاتي.
ولا يعود السؤال: كيف نجعل المسلم حديثًا؟
بل يصبح، دون أن نقول ذلك صراحة :كيف نجعله أقل إزعاجًا للنموذج العالمي؟ وهذه هي السياسة التي تسير عليها النظم العربية والإسلامية.
فهذه وصفة خطرة.
لأن الإنسان الذي تُفرغ ذاكرته لا يصبح بالضرورة معتدلًا.
قد يصبح فارغًا.
والفراغ لا يدوم.
إما أن تملأه السوق، فيصبح الإنسان مستهلكًا بلا مرجعية.
أو تملأه هوية أخرى تأتيه من الإنترنت أو من أي مكان.
أو يبحث عن معنى في صورة دينية سطحية لا تملك علمًا ولا مؤسسات قادرة على تقويمها.
وهنا نكتشف المفارقة: تجفيف وتأميم وعسكرة المجال الديني والعلمي قد لا ينتج مجتمعًا أقل تطرفًا، بل قد يترك الشباب بين ثقافة استهلاك بلا معنى ودين رقمي بلا علماء.
والمطلوب ليس العودة إلى الخلف ، ولا إغلاق المجتمع في وجه العالم.
المطلوب أصعب بكثير: أن ندخل العالم الحديث من داخل أنفسنا وذواتنا.
أن ندرس الذكاء الاصطناعي ونسأل أيضًا عن الإنسان الذي سيستخدمه.
أن نبني المصانع ونسأل ماذا تفعل الصناعة بالأسرة والمدينة.
أن نعلم الاقتصاد ونسأل عن العدالة.
أن نعلم الطفل البرمجة، لكنه يعرف كذلك القرآن واللغة والتاريخ.
أن نحرر العقل من الخرافة والجهل دون أن نحرره من المعنى.
وأن ننقي العلم الشرعي دون أن نحوله إلى موظف صغير في الجهاز الإداري للدولة.
المجتمعات لا تعيش بالناتج المحلي وحده.
فقد تكون الدولة أغنى، والمدن أكثر لمعانًا، والمطارات أكبر، والأسواق أفخم، وفي الوقت نفسه يصبح المجتمع أقل قدرة على تفسير نفسه لأبنائه.
وهنا تبدأ الحضارة في الموت وهي تبدو ناجحة للغاية.
المفارقة الكبرى إذن أن الغرب الذي صدر إلينا لسنوات طويلة فكرة أن المستقبل يعني تجاوز الدين والأسرة والهوية بدأ قطاع متزايد منه يعود ليسأل عن الدين والأسرة والهوية.
والصين التي حاولت في مرحلة من تاريخها الحديث سحق تراثها القديم تستعيده اليوم داخل خطاب النهضة.
والهند تعيد تعريف نفسها من جذورها.
أما عواصم العالم العربي فتتصرف كأن وصولنا إلى المستقبل مشروط بأن نصل إليه أخف وزنًا من تاريخنا، وأضعف صلة بمرجعيتنا، وأكثر قابلية للذوبان في السوق العالمي.
ولذلك فإن السؤال لم يعد: هل يحتاج المسلمون إلى تحديث؟
هذا سؤال حُسم منذ زمن.
السؤال هو: هل يمكن أن نكون حديثين من دون أن نصبح بلا جذور؟
وهل نستطيع أن نفعل ما يفعله الآخرون الآن: أن نراجع تراثنا وننقده ونطوره، لكننا لا نخجل منه، ولا نسلّمه للجهلاء، ولا نحاصره حتى يصبح مجرد طقوس فردية ومناسبات رسمية؟
فإذا كانت الصين تعود إلى جذورها لكي تصعد، والغرب يعود إلى جذوره لأنه يخشى التراجع، والهند تعود إلى جذورها وهي تبحث عن موقعها في القرن الجديد، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله المسلمون هو أن يدخلوا عصر عودة الجذور بلا جذور.
شاركنا برأيك