عمرو صابح يكتب: محمد جلال كشك من اليسار إلى الريال
في عام 1961 ألَّف محمد جلال كشك مسرحية "شرف المهنة"، التي تناولت الفارق بين الصحافة "المغدورة" قبل الثورة والصحافة "الحرة" بعدها.

غلاف مسرحية شرف المهنة لجلال كشك
بدأ محمد جلال كشك مسيرته الفكرية قبل ثورة يوليو شيوعياً، بل وكان من مؤسسي الحزب الشيوعي المصري.
ومع قيام ثورة 23 يوليو 1952، وعقب سيطرة الرئيس جمال عبد الناصر على مقاليد الحكم في مصر، تبدّل موقف كشك ليصبح ناصرياً متحمساً.
بل تم تعيينه في أمانة الدعوة والفكر بالاتحاد الاشتراكي، حيث تولّى مهمة الرقابة على ما يُنشر من مقالات وأفكار.
عاش محمد جلال كشك مُنعَّماً في عهد عبد الناصر، يعمل تابعاً للضابط الحر عبد الفتاح أبو الفضل، الذي شغل منصب نائب رئيس جهاز المخابرات.
كتب كشك خلال فترة حكم عبد الناصر مقالات عديدة تمجّد سياساته وتتبنّى شعاراته.
ففي مقال بعنوان “نحن الشعب المصري”، كتبه بمناسبة صدور دستور 1956، راح يمدح الدستور الجديد وديمقراطيته قائلاً في ختام مقاله، تحت عنوان “لنحمي الدستور”:
“لقد انتصرنا. قهرنا الاستعمار.
وكتبنا بدم الشهداء مصر دولة مستقلة.
قهرنا دعاة التفرقة، وكتبنا بإرادة العروبة مصر دولة عربية
قهرنا الإقطاع وألغينا الملكية وكتبنا مصر دولة جمهورية ديمقراطية.
وحمينا استقلالنا وجمهوريتنا، ولكن الخونة والمستعمرين لن يصبروا على انتصاراتنا ولن يرغبوا باستقلالنا..
سيتآمرون ليل نهار”
في المسرح والميثاق
في عام 1961 ألَّف محمد جلال كشك مسرحية “شرف المهنة”، التي تناولت الفارق بين الصحافة “المغدورة” قبل الثورة والصحافة “الحرة” بعدها.
وفي العام نفسه كتب كشك سلسلة مقالات بعنوان “اشتراكيتنا” شرح فيها رؤية عبد الناصر للاشتراكية.
كما قدّم تحليلاً موسعاً لميثاق العمل الوطني الصادر عام 1962، باعتباره الوثيقة الفكرية والسياسية التي جسّدت مشروع عبد الناصر لبناء الدولة الاشتراكية.
وفي تلك الفترة أصدر كتابه الشهير “الغزو الفكري” هاجم فيه الأدباء والمثقفين اليساريين المصريين والعرب، مؤيداً لعبد الناصر في خلافه مع الاتحاد السوفيتي، ما يعكس بوضوح اصطفافه الكامل مع النظام الناصري وأفكاره.
عداؤه القديم للإسلاميين
كان كشك في بداياته الفكرية عدواً صريحاً للتيارات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.
في كتابه “مصريون..لاطوائف” (1951) شنّ هجوماً لاذعاً على الجماعة، وذكر بالاسم بعض قياداتها، واتهمهم باستغلال صلح الحديبية لتبرير أي معاهدة مع الاستعمار والرجعية .
وفي مطلع عام 1952 نشر كتابه “الجبهة الشعبية” الذي أهداه إلى السياسي الحر محمد كامل البنداري، المعروف بـ”الرأسمالي الأحمر” لدفاعه عن الاشتراكية رغم انتمائه الطبقي إلى الرأسمالية.
لكن ما لبث كشك، بعد انقلابه الأيديولوجي، أن تنكّر لكل ما كتبه ضد الإسلاميين، وصار يدافع عن هذه التيارات نفسها، متجاهلاً كتبه الأولى ومواقفه السابقة.
كشك وعلاقته بالسعودية
بعد وفاة عبد الناصر، انقلب كشك انقلاباً حاداً، فتحوّل من كاتب يمجّد الثورة وزعيمها إلى ناقد شرس يتهمها بالعمالة للأمريكيين.
لتحقيق ذلك استعان بكتاب “لعبة الأمم” الصادر في عام 1969 لمايلز كوبلاند، ضابط المخابرات الأمريكية، وأعاد صياغة أكاذيبه في كتابيه: “كلمتي للمغفلين” و”ثورة يوليو الأمريكية”

في هذين الكتابين اتهم كشك الرئيس عبد الناصر بالعمالة للأمريكيين، بل وزعم أن والدته كانت يهودية!
في الفصل السابع من كتاب “ثورة يوليو الأمريكية” وتحت عنوان “السد العالي” هاجم كشك السد العالي بضراوة، وحذّر من خطورته على مستقبل مصر، واتهمه بالفشل في أن يكون خزاناً للمياه!!، وأنه غير قادر على حماية مصر من الجفاف!!
بل إن جلال كشك تباكى على ضياع السردين وورد النيل بل والفئران أيضاً بسبب السد العالي، دون أن يوضح للقارئ ما فوائد ورد النيل، وهو نبات زينة شره للمياه، كما أنه موطن لتكاثر قواقع ديدان البلهارسيا!
وما فوائد الفئران التي “حرم” السد العالي المصريين منها؟!
ووصف كشك السد العالي بالجريمة التي جعلت مصر أسوأ من حيث إنتاج الكهرباء!! وأفتى بأنه كان من الأفضل إقامة عدة قناطر وسدود صغيرة بدلاً من السد العالي! ولم يكتفِ بهذا، بل وصف بحيرة ناصر بأنها “بحيرة فاشل”!
كتب كشك كتاباً ضخما بعنوان “السعوديون والحل الإسلامي.. مصدر الشرعية للنظام السعودي”، تناول فيه سيرة الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة.
وللكتاب قصة تكشف طبيعة علاقة كشك بالسلطات السعودية.
حين بدأ كتابته في أواخر السبعينيات، سافر إلى السعودية وطلب من المسؤولين الدعم وتوفير الوثائق.
وبالفعل، وفّرت له الحكومة التمويل والوثائق اللازمة.
لكن الطبعة الأولى الصادرة عام 1980 فجّرت أزمة؛ إذ تضمّنت وثائق تكشف حقيقة علاقة الملك المؤسس بالبريطانيين ودورهم في دعمه، فأمرته السلطات بسحب الطبعة وتنقيحها.
أعاد كشك تنقيح الكتاب وأصدر طبعة ثانية، لكنها لم تُرضِ السعوديين، فطلبوا منه إعادة التنقيح مرة أخرى.
وأخيراً صدرت الطبعة الثالثة التي نالت رضاهم الكامل، وهي الوحيدة المتاحة اليوم، فيما اختفت الطبعتان السابقتان تماماً.
الأدهى أن كشك كتب في صفحة 4 من الطبعة الثالثة عبارة:
“لا يفوتني أن أشكر كل الذين اهتموا بالتنبيه إلى الأخطاء التي وردت بالطبعة الأولى، فقد كان حرصهم على تحقيق الكمال الممكن في هذا الكتاب خير دليل على اهتمامهم به”
وهو اعتراف ضمني بالرقابة السعودية المباشرة على مؤلفاته.
ومن طريف ما يُذكر أن كشك أوصى بأن يُدفن هذا الكتاب معه في قبره ليكون “شفيعاً له”، لكنه لم يوضح أي طبعة يقصد: الأولى أم الثانية أم الثالثة التي نالت رضا السلطات السعودية.
إهانة الجيش المصري
في الطبعة الثالثة من كتاب “السعوديون والحل الإسلامي” كتب كشك في فصل “مصر المفترى عليها” كلاماً صادماً بحق الجيش المصري، إذ قال:
“ليس للجيش المصري أي شرف يُدّعى في المعارك التي خاضها عسكر محمد علي، والتي انتهت بسقوط الدرعية، لأن الجيش المصري كان في عالم الغيب لم يولد بعد…”
واستشهد بما نقله عن المؤرخ عبد الرحمن الرافعي عن شراء محمد علي ونجليه ذمم البدو بالمال، ليخلص إلى أن الانتصارات لم تكن بفضل الجيش بل بالرشاوى.
بل مضى أبعد من ذلك، مدعياً أن المصريين كانوا يتباركون بالأمراء السعوديين الأسرى في القاهرة، ويتخذون بيتهم في السيدة عائشة مزاراً!
هكذا وصل به التملّق للسعودية إلى حد الطعن في تاريخ الجيش المصري وإنكار دوره في معارك الجزيرة العربية.
الرد على “كلمتي للمغفلين” و”ثورة يوليو الأمريكية”
في عام 1988 أصدر محمد حسنين هيكل كتابه “سنوات الغليان”، الذي تضمّن وثائق تثبت أن مايلز كوبلاند نصّاب محترف نشر كتابه “لعبة الأمم” بأوامر أمريكية ضمن حملة تشويه ممنهجة لعبد الناصر بعد هزيمة 1967.
وعندما فضحه هيكل بالوثائق، هدّد كوبلاند برفع قضايا تعويض، لكنه لم يجرؤ حتى وفاته عام 1991.
لاحقاً، في سلسلة حوارات مع مجلة روز اليوسف في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، أكد هيكل أن كتاب كوبلاند تم تمويله من المملكة العربية السعودية في إطار سعي الملك فيصل للقضاء على شعبية عبد الناصر عربياً، وهو ما انسجم مع أهداف المخابرات المركزية الأمريكية.

أكاذيب كوبلاند وإرث من الرماد
في عام 2009، جاء كتاب الصحفي الأمريكي تيم واينر “إرث من الرماد.. تاريخ وكالة المخابرات المركزية” ليضع النقاط على الحروف.
اعتمد الكتاب على خمسين ألف وثيقة من وثائق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، أكدت الوثائق أن الوكالة فوجئت بثورة 23 يوليو.
وحاولت شراء عبد الناصر بدفع 3 مليون دولار له، ومساعدته في إنشاء محطة إذاعة قوية، لكنها فوجئت برفضه، إذ استخدم جزءاً من الأموال في بناء برج القاهرة رمزاً لتحدي الأمريكان.
كما كشفت الوثائق أن البريطانيين اقترحوا اغتيال عبد الناصر
بعد تأميم قناة السويس، بل درسوا خطة لتحويل مجرى النيل لإغراق مصر، لكن إدارة أيزنهاور رفضت، وفضّلت حملة طويلة من الإفساد والحصار الاقتصادي.
أوضحت وثائق الوكالة أن مايلز كوبلاند لم يكن سوى ضابط نفّذ انقلاب عسكري فى سوريا (مع حسني الزعيم عام 1949)، ولم يكن له أي دور في مصر. ما فعله في دمشق أراد أن يوحي به كذباً في القاهرة عبر “لعبة الأمم”
كما أشارت الوثائق إلى قضية تجسس الصحفي مصطفى أمين لصالح الوكالة في عام 1965، والذي كان على صلة بضابط المخابرات الأمريكي بروس تايلور أوديل.
وكان يتلقى أموالاً مقابل معلوماته ونشره أخباراً مؤيدة لواشنطن، وقد قُبض عليه وأدين وسُجن تسع سنوات، وتم وضعه على جدول معاشات المخابرات المركزية الأمريكية.
ودخلت الخيل الأزهر
في سبعينيات القرن الماضي أصدر كشك كتابه “ودخلت الخيل الأزهر” عن الحملة الفرنسية على مصر.
وفي مقدمة الكتاب ذكر أنه كتب فصوله خلال حقبة الستينيات، ونشرها في مجلتي الرسالة والثقافة المصريتين.
وأوضح أنه خاض عبر هذه المقالات معركة ضد د. لويس عوض وتحليله لتاريخ الحملة الفرنسية
كما تفاخر بكتابته سلسلة مقالات بعنوان “خلافنا مع الشيوعيين” هاجم فيها الاتحاد السوفيتي والفكر الشيوعي بضراوة، بتشجيع من النظام الناصري بسبب الخلافات المصرية–الروسية في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، واصفاً الاشتراكية الناصرية بأنها “تحدٍّ فلسفي وسياسي للماركسية”

ولم يفته أن يزهو بكون والده هو القاضي الشرعي الذي أصدر أول حكم بتكفير البهائيين.
عبر صفحات “ودخلت الخيل الأزهر”، يهاجم كشك بشدة لويس عوض وآراءه، كما يهاجم جمال عبد الناصر ونظامه بأقذع الألفاظ والنعوت، متهماً عبد الناصر ووزير ثقافته ثروت عكاشة بمحاباة لويس عوض وإعطائه مكانة لا يستحقها.
ومع ذلك، لم يقدم كشك طيلة الكتاب تبريراً منطقياً للتفاوت العلمي والحضاري الشاسع بين المصريين والفرنسيين الذي سهَّل احتلال مصر، ودافع دفاعاً متهافتاً عن الحكم العثماني على أساس ديني، إلى حد رفض وصف حكم العثمانيين لمصر بالاحتلال.
شركات توظيف الأموال والدفاع البائس
أصدر كشك في عام 1989 كتابه “الناصريون قادمون”، لا ليبشّر بعودة مشروع عبد الناصر، بل ليدافع عن شركات توظيف الأموال المملوكة للريان والشريف والسعد، التي تاجرت بأحلام المصريين ونهبت أموالهم ومدخراتهم.
فجاء كتابه صرخة بائسة ضد عبد الناصر الراقد في قبره منذ تسعة عشر عاماً، وهجوماً على نظام مبارك الذي اتهمه – عبر صفحات الكتاب – بأنه يحارب الرأسمالية ويعيد إحياء الناصرية من جديد.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد،
بل رفع كشك شركات الريان وأمثالها إلى مقام “الرأسمالية الوطنية الإسلامية” التي تريد أن تتحرر من قيود الاقتصاد العالمي “المسيحي–الصليبي–الماسوني”، على حد تعبيره!
لكن الواقع كان أكثر قسوة من أوهام جلال كشك؛ فقد ترك نظام مبارك تلك الشركات تعبث لسنوات تحت شعار “الاقتصاد الإسلامي”
تستدرج مدخرات البسطاء الراغبين في الربح السريع عبر فوائد سهلة تُجنى من المضاربات في أسواق المال العالمية.
حتى جاء عام 1988، فانهارت تلك الأوهام مع انهيار الأسهم التي كانت الشركات تضارب بها في بورصات الخارج، وعجزت عن دفع الفوائد المعتادة للمودعين، فقرّر النظام أن يجهز عليها.
راح كشك يرثي ضياع تلك الإمبراطورية المالية الوهمية، واعتبر قرار تصفيتها “الضربة الرابعة” التي أصابت مصر لتمنعها – بزعمِه – من النهوض والتنمية المستقلة.
أما “الضربات الثلاث الكبرى” السابقة، كما صاغها في تحليله، فكانت:
أولاً: مشروع محمد علي الذي جعل الدولة تتوحش على حساب المجتمع.
ثانياً: الاحتلال الإنجليزي لمصر.
ثالثاً: قرارات التمصير والتأميم التي اتخذها جمال عبد الناصر.
والعجيب أن “التحليل الكُشكي” كان يرى في تصفية شركات الريان والشريف والسعد نهاية حلم رأسمالية مصرية جديدة.
بينما لم تمضِ سوى سنتين حتى فتح مبارك أبواب الخصخصة على مصراعيها، مُكملاً مسيرة الانفتاح نحو تفكيك ما تبقّى من البنيان الاقتصادي الذي شيّده عبد الناصر.
وهنا تتجلّى المفارقة الساخرة:
فبينما كان كشك يرفع لواء “الرأسمالية الوطنية الإسلامية” في وجه “الاقتصاد الغربي الكافر”، لم يُكلّف نفسه عناء تفسير كيف تتسق هذه الرأسمالية المزعومة مع لعب أصحابها في صالات البورصة الغربية نفسها التي كان يلعنها!
النهاية والتناقض الصارخ
إن قصة محمد جلال كشك ليست حالة استثنائية، بل تكررت مع آخرين ممن عاشوا في كنف عبد الناصر مرفّهين، يسبّحون بحمده في حياته، ثم انقلبوا عليه بعد رحيله، مثل أنيس منصور، توفيق الحكيم، مصطفى محمود، وصالح جودت.
إن رحلة محمد جلال كشك تكشف بوضوح كيف يمكن للمثقف أن يتحوّل من صوت للثورة إلى بوق للرجعية، ومن مدافع عن الاستقلال الوطني إلى مروّج لثقافة عصر النفط والاحتلال العثماني.
إنها سيرة مليئة بالتناقضات، لا تعكس ثبات المبدأ بقدر ما تعكس قابلية بعض الأقلام للبيع في سوق السياسة.






