آراء و تحليلات
د. محمد محفوظ
د. محمد محفوظ

كاتب و محلل

د. محمد محفوظ يكتب : الثنائيات المكسورة لبناء الإنسان وتنظيم المجتمع

أن الحرية الإنسانية هي مناط التكليف الإلهي للإنسان، فالإنسان مكلف لأنه حر، حر في الالتزام بالتكليف أو التقصير فيه أو حتى التحلل منه

مشاركة:
حجم الخط:

 الثنائيات المكسورة غير المترابطة في العقل المركزي للدولة المصرية، التي يؤدي انكسارها إلى ممارسات الدولة المتعثرة المتخبطة العشوائية في أرض الحاضر ، وإلى رؤيتها الكليلة الفقيرة الواهمة لخريطة المستقبل .

وتبدو تلك الثنائيات جديرة بتنظيم المجتمعات وبناء الإنسان، لو تم الحفاظ على تماسكها وتوازنها، دون أن تتخللها الفجوات العملية التي تستمر في الاتساع، لتكسر روابط تزاوجها واتحادها .

ولنستعرض معا هذه الثنائيات المكسورة في واقعنا المعاصر .

١- ثنائية القيم / السلوكيات 

تظل القيم مجرد براويز أو لافتات معلقة على الحوائط والجدران ، لو لم يتم ترجمتها إلى سلوكيات يمارسها الناس.

وكلما تصلبت القيم وتجمدت كلما تعاكست مع السلوك لتصادمها مع الفطرة الإنسانية.

وتظن بعض المجتمعات أن تطابُق منظومة القيم مع حزمة المحرمات الدينية، يمثل بالضرورة حصن الأمان لبناء الشخصية الإنسانية السوية .

ولكن يغيب عن هذا التوجه حقيقة هامة مفادها :

أن الحرية الإنسانية هي مناط التكليف الإلهي للإنسان، فالإنسان مكلف لأنه حر، حر في الالتزام بالتكليف أو التقصير فيه أو حتى التحلل منه.
ولذلك تبدو المجتمعات التي لا ترتبط فيها منظومة القيم بالمحرمات الدينية وإنما ترتبط بالمقصد الكلي للدين، تبدو هي المجتمعات التي تترابط فيها ثنائية القيم / السلوكيات .

وليست هذه مفارقة 

فتلك المجتمعات تقبل على مضض التعايش مع المحرمات الدينية التي تندرج تحت بند الحريات الشخصية، طالما كانت لا تمثل تعديا على حريات الآخرين .

انطلاقا من الإيمان بأن المقصد الكلي للدين هو كفالة الحرية للإنسان، باعتبار الحرية هي القيمة العليا التي تميز الإنسان عن باقي الكائنات على الأرض.

ولذلك بينما تبدو الفجوة العملية واسعة بين منظومة القيم وبين شبكة السلوكيات في المجتمعات المقيدة.

فإن تلك الفجوة تتقلص إلى أضيق الحدود في المجتمعات الحرة التي تتبنى الاعتراف بقيمة عليا هي : حرية الإنسان .

وتعاني الشخصية المصرية من انفصال متفاقم بين القيم والسلوكيات، نتيجة سيادة قيم التدين الكاذب التي يتشدق بها الناس في أقوالهم، بينما تخاصمها سلوكياتهم .

ولا مجال لردم الفجوة العملية العميقة بين القيم والسلوكيات في الشخصية المصرية، إلا باتباع سبيل واحد هو :

إعلاء قيمة احترام الحرية الإنسانية، باعتبارها القيمة العليا – في منظومة القيم – التي تتماشى مع المقصد الكلي للدين ومع الفطرة الإنسانية، وتترابط مع شبكة السلوكيات الحياتية اليومية في ثنائية غير مفتعلة ولا متوهمة.

2- ثنائية المعارف / المهارات (التطبيقات):

من المألوف أن يستوعب الإنسان العديد من المعارف ، دون أن يتقن أو حتى يهتم بالمهارات المرتبطة بها .

كما أنه من السائد أن يتقن الإنسان الكثير من المهارات ، دون أن يدرك المعارف الحاكمة لها .

ولكن من الخطورة، أن لا تتوفر في أي مجتمع علمي أو نظام تعليمي ؛ طائفة أو نسبة من الكيانات أو المناهج الضامنة للربط الوثيق بين المعارف والمهارات أو ( التطبيقات ) بحيث لا يتحول الإنسان إلى مجرد وعاء معرفي لو تم الاقتصار على تكديس المعارف داخل عقله دون المهارات، أو يتحول إلى محض روبوت آلي لو تم الاقتصار على إلمامه بالمهارات دون المعارف.

ولعل ذلك المنطق هو المحفز 

لضرورة تمهيد الطريق للكوادر البشرية التي تمتلك الاستعداد الفطري للنبوغ في المجال الذي تندمج فيه المعارف مع المهارات في ثنائية متدفقة . وهذا المجال هو : مجال البحث العلمي .

وتمثل مؤسسات البحث العلمي المرتبطة بالقطاع العلمي أو التعليمي أو بالقطاع الصناعي ، البوتقة المؤهلة لاحتضان ثنائية المعارف / المهارات .

ولعل الواقع يقرر ؛ بأن المجتمعات تفقد القدرة على حل مشكلاتها وتطوير أوضاعها ، لو لم تهتم بتوفير سياق يضمن الربط بين المعارف والمهارات والتطبيقات بنسب متفاوتة داخل مؤسساتها التعليمية ، وصولا إلى درجة الترابط الوثيق داخل المؤسسات البحثية ( العلمية أو الصناعية ) .

وللأسف ، فإن الواقع في مصر ، يعاني من قطيعة مزمنة بين المعارف والمهارات أو التطبيقات !!

3- ثنائية السياسات / الإجراءات :

السياسات هي الأداة التي يمكن من خلالها تنظيم الإجراءات أو تحديثها . ولا يمكن إدارة أي عمل إنساني على مستوى المجتمعات المعاصرة بتعقيداتها وتشابكاتها ؛ في ظل وجود فجوة عملية واسعة في ثنائية السياسات / الإجراءات.

وفي المجتمعات المتراجعة تغيب السياسات أو تتجمد ، ومن ثم يتغول دولاب العمل البيروقراطي ، ويتم إضفاء التقديس على إجراءاته الروتينية المتقادمة والمتكلسة . الأمر الذي لا يُفرِّخ إلا كوادر قيادية جاهلة بالسياسات ، تدمن الغرق في مستنقعات الإجراءات بكل ما يتشابك داخلها من التفاصيل والجزئيات .

ولهذا، لا تتقدم المجتمعات إلا لو سلمت زمام أمورها للخبراء في السياسات ، ليبسطوا مظلة ولايتهم على سراديب الإجراءات ودهاليزها ، فيمهدون مسالكها ودروبها ، وينظمون بيروقراطيتها وروتينها ، ويحدثون تجهيزاتها وأساليبها ، ويلجمون سدنتها وكهانها .

ولعل الواقع المصري الذي تغيب عنه السياسة وأهلها ، يمثل نموذجا لطوفان الإجراءات المنزوعة السياسات !!

4- ثنائية القوانين / النظم (Systems):

لا تمتلك القوانين قوة ذاتية تضمن لها التنفيذ داخل مجتمعاتها ، بل تحتاج إلى سياق تعمل خلاله يوفر معززات نفاذها .

ولنضرب مثلا بالتعديلات المتتالية التي يتم إدخالها مرارا وتكرارا على قانون المرور المصري لتغليظ العقوبات ، ورغم ذلك مازالت الفوضى المرورية قائمة بمعظم شوارع وميادين محافظات مصر ، بسبب عدم وجود ( نظام ) متكامل للتخطيط المروري وهندسة الطرق يعتمد على التكنولوجيات المتقدمة .

ولهذا تظل القوانين في المجتمعات الفوضوية حبرا على الورق ، طالما اتسعت الفجوة العملية بينها وبين النظم التي تساعد الناس على الالتزام بمحدداتها .

الأمر الذي يفرز غابة تشريعية تتمدد أحراشها وتتغلظ عقوباتها ، ورغم ذلك يندر الالتزام بنصوص قوانينها . طالما ظلت ثنائية القوانين / النظم مكسورة ، بفعل فجوة عملية تتسع وتتمدد بدلا من ردمها .

وتواجه الحكومات العقيمة كل مشكلاتها السقيمة بإسهال تشريعي مزمن ، يفتقر دائما إلى النظم المسانِدة . فتكون النتيجة تلال من المشكلات يتم دفنها تحت ركام من التشريعات التي تشبه المسكنات ، تخدر الألم ولا تعالج الكارثة .

5- ثنائية السلطات / المسئوليات :

يحرص كهنة الدولة الاستبدادية على توسيع الفجوة العملية بين السلطة والمسئولية ، إلى الحد الذي تبدو معه السلطات في مراحل الانحطاط ، متحررة ومتفلتة من أية مسئوليات .

فسلطة استخدام القوة لفرض القانون لا تقابلها مسئولية الالتزام بحقوق الإنسان .
وسلطة جباية الضرائب والرسوم لا تقابلها مسئولية الالتزام بجودة السلع والخدمات وفاعلية برامج الرعاية والحماية .

ولا يقتصر التحلل من شق المسئولية على السلطة التنفيذية فقط ، بل يمتد ليطال كل سلطات الدولة بما فيها القضائية والتشريعية .

فسلطة القضاء في توقيع العقوبات وفض المنازعات ، لا تقابلها مسئوليته عن كفاءة كوادره وسرعة إجراءاته وانشغال قضاته بتفعيل أحكامه ونفاذها .

وسلطة البرلمان في التشريع ، لا تقابلها مسئوليته عن الرقابة والمساءلة والتوجيه .

ولهذا تبدو الدول التي تتسع فيها الفجوات بين السلطات ومسئولياتها ، وكأنها إقطاعيات يشقى رعاياها بقبضة السلطات وبأسها ، بينما تنحسر عنهم مظلة المسئوليات بكل واجباتها والتزاماتها .

والخلاصة 

أن المجتمعات التي تتكسر روابط ثنائياتها ، تسكنها الفوضى ، وتغيب البنية السوية عن إنسانها 

فالمجتمعات التي تتسع فيها الفجوة العملية بين ( القيم / السوكيات ) ، هي مجتمعات بلا أخلاق .. بلا خُلق .

والمجتمعات التي تتعمق فيها الفجوة العملية بين ( المعارف / المهارات ) ، هي مجتمعات تتموضع على سلم الحضارات في مرتبة الطفيليات .

والمجتمعات التي تتمدد فيها الفجوة العملية بين ( السياسات / الإجراءات ) ، هي مجتمعات متردية في متاهات التفاصيل والجزئيات .

والمجتمعات التي تترسخ فيها الفجوة العملية بين ( القوانين / النظم ) ، هي مجتمعات العقوبات التي لا تغرس في نفوس مواطنيها أي عِبَر أو عظات .

والمجتمعات التي تتعمق فيها الفجوة العملية بين ( السلطات / المسئوليات ) ، هي مجتمعات الأحرار الرعية والمماليك السادات .

.. ولهذا .. ستظل مصر في أزمتها العصية المزمنة ، طالما استمرت روابط ثنائياتها متكسرة متصدعة على مستوى : الأخلاق ، والعلم ، والعمل ، والتحكم ، والحكم .. ورغم ذلك لا يبالي حكامها !!!

شارك المقال: