آراء و تحليلات
د. محمد محفوظ
د. محمد محفوظ

كاتب و محلل

د.محمد محفوظ يكتب: شخصية مصر أم شخصية الطغيان (2) أركان النظام الفرعوني

يستمر جمال حمدان، فيتعرض للركن الثاني في النظام الفرعوني ، وهو الثيوقراطية ( رجال الدين )

مشاركة:
حجم الخط:

أركان النظام الفرعوني 

يتابع جمال حمدان، فيتعرض للركن الأول في النظام الفرعوني، وهو (البيروقراطية ) فيقرر قائلا:

” أما البيروقراطية فهي الأساس الصلب الراسخ للفرعونية والقوة الضاربة الرئيسية لنظامها في الداخل.

إذ تجمع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بمفهوم الماضي، أي إدارة الدولة والحكم على العموم.

فإليها تنتهي مهام ضبط النهر و الري وتوزيع المياه وتنفيذ المشاريع العامة ومواجهة الفيضانات وإدارة وتنظيم السخرة ومسح الأراضي وحصر الحيازات.

وتوزيع وإعادة توزيع الأرض للزراعة سنويا أو دوريا وفرض وجباية الضرائب وتنظيم التجارة الخارجية.

واستخراج المعادن، ثم تقنين وتنفيذ هذا كله، حتى النقل الداخلي النهري أو البري والبريد هي وظيفة مركزية تحتكرها الدولة لأنها أساسا تحمل شبكة مخابراتها اللازمة للضبط والربط وإحكام السيطرة على الشعب.

الجهاز كله، باختصار، يعمل لحساب النظام ، حتی مهندس الري كان دائما خادما للفراعنة لا خادما للفلاحين”

ومع هذا الدور الخطير، كان يتناسب وزن البيروقراطية الثقيل.

فكان جيش الموظفين لا يقل حجما وعددا عن جيش المحاربين في أكبر حالاته، فهو جهاز ضخم من الموظفين أساسا، التكنوقراط كنواة والبيروقراط کشرنقة .

والواقع أن طبقة البيرقراطية العليا أو النبالة أو الأرستقراطية البيروقراطية، كما كانت من عمد النظام، كانت أحد القطاعات الرئيسية التي تتلقى الإقطاعات والملكيات الكبيرة من فرعون، وتدخل دائرة كبار الملاك باستمرار.

هذا بينما كانت البيروقراطية الصغيرة هي المخرج أو المهرب الأساسي لعامة الشعب من دائرة العبودية المعممة بكل متاعبها والتزاماتها المادية من تعرض للأخطار والتعذيب أو السخرة والابتزاز… الخ.

وفي الوقت نفسه المدخل والأمل الأوسع إلى بعض المكانة والنفوذ والمزايا والامتيازات والثروة”

د. محمد محفوظ يكتب : شخصية مصر أم شخصية “أرض الطغيان” 1

ويستمر جمال حمدان، فيتعرض للركن الثاني في النظام الفرعوني ، وهو الثيوقراطية ( رجال الدين )

فيقرر قائلا :

“طبقة الكهنة ورجال الدين، هي القوة المعنوية للفرعونية

(غلاف السكر) الذي تحيط به نفسها ليسيغ الشعب ابتلاع الطغيان، أو أكبر جهاز للتخدير الشعبي لضمان الخضوع للنظام .

وكمعقل من معاقله، كان النظام يغدق على طبقة رجال الدين بلا حساب لتقوية سيطرته الدينية على الفلاحين وسائر الشعب، بالإقطاعيات الزراعية الواسعة وأملاك المعابد وأوقافها وحصصها من غنائم الحروب والأسرى… الخ.

وقد بلغ نفوذ الكهنة حدا خطيرا حيث تضخمت طبقة رجال الدين إلى كتلة غليظة الحجم، وتضخمت المعابد إلى حد شاذ، وواضح أن رجال الدين كانوا من أكبر المنتفعين بالنظام، مثلما كانوا دعاته وعملائه ومن أكبر ضواغط المحافظة والاستقرار “

ويختتم جمال حمدان، استعراضه لأركان نظام الطغيان الفرعوني

بالركن الخطير وهو (العسكريون ) 

فيقرر قائلا :

“أما رجال الجيش أو النبالة العسكرية، فإلى جانب ضخامة القوات المحاربة بسبب وفرة الإنتاج القومي، فإنها بالطبع السند الأساسي والمباشر للنظام كله في الداخل كما في الخارج، حيث كانت حاميات الأقاليم تساند وتساعد عمليات جباية الضرائب وتجييش السخرة، فضلا عن قمع كل انتفاضة شعبية للفلاحين.

وكانت النبالة العسكرية تنال من الأراضي والإقطاعيات والامتيازات ما يجعلها دائما في طليعة طبقة كبار الملاك، كما أن منها معظم «حكام الأقاليم» الذين يمثلون فرعون مباشرة .

ولأن تجنيد وتسليح الشعب والفلاحين لم يكن دائما مأمون الجانب ويحمل أخطارا واضحة على النظام، فقد لجأ الفراعنة منذ وقت مبكر إلى الاعتماد المتزايد على العبيد الأجانب والجند الأرقاء، سواء من أسرى الحروب أو الرقيق المجلوب أو المرتزقة، بينما أُبعدت القوات المصرية غالبا بعيدا إلى الحدود ومناطق التخوم ))

وهكذا، وكما يقرر جمال حمدان :

“كانت مصر تقليديا تنقسم أساسا ما بين فراعنة وفلاحين، وبقدر قوة وقسوة وثراء ونفوذ الطبقة الأولى، بقدر انسحاق وفقر وتبعية الطبقة الثانية .

والخلاصة النهائية أن المجتمع كان ينقسم تقليديا إلى أقلية تملك ولا تعمل، وأغلبية تعمل ولا تملك، الذين يملكون والذين لا يملكون، أو بالأحرى الذين يملكون والذين يُملكون.

وفي النتيجة تدهورت الفرعونية إلى دولة بوليسية تحمي الإقطاع وحكم المـُلاك وتجعل الفلاحين أشبه بعبيد الأرض”

وكما يقول الجغرافي والجيولوجي والعالم في عصور ما قبل التاريخ  ليون أوفرير:

فإن المعابد الضخمة تشير إلى قوة كهنتها، والمقابر الهائلة إلى سطوة فراعنتها، وليس هناك سوى المَلَكِيات المطلقة، بضرائبها والسخرة، تستطيع بناء آثار کالأهرام، والواقع أن الأهرام – وهي عقيمة اقتصاديا – لیست في رأى البعض إلا « نصبا تذكاريا هائلا للطغيان »

 هكذا، قدم جمال حمدان شهادته عن الطغيان الفرعوني، لتأتي الصفحة رقم ٥٨٠ من كتابه يتوسطها عنوان نصه :

شخصية مصر الاجتماعية ( أرض الطغيان ) 

ويخلُص جمال حمدان إلى ما مفاده -بتصرف مني – : أن ثلاثية الأرض والشعب والحكومة ، تبرئ الأرض بطبيعتها النهرية التي أوجبت نظام الحكومة المركزية، تبرئها من المسئولية عن الطغيان .

ليبقى الطغيان مُعلقا في رقبة الثنائي ( الفاعل ) و ( المفعول به )  فاعل تمثله ( الحكومة ) ببطشها وطغيانها، ومفعول به يمثله ( الشعب ) بخنوعه وهوانه.

.. لتتلخص تراجيديا الطغيان بـ ٧ كلمات فقط بالآية القرآنية الكريمة : { فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين } . سورة الزخرف – الآية ٥٤

 في فيلم : فجر الإسلام ، يستنكر ( حنظلة ) تأفف شيخ القبيلة من رائحته، فيرد مُكابرا : ( إنها رائحة إنسان وأنا فخور بها ) .

ودخل حنظلة لدائرة الإيمان ، فزالت رائحته .

كان حنظلة نرجسيا ، يحب ذاته بكل عبلها وأرفها .

والشيفونية أيضا مثلها مثل النرجسية، تخدر العقل ، وتجمع المتناقضات، من الفخر بالرائحة الكريهة، إلى الفخر والاعتزاز بالطغيان.

ولهذا ، لا ترتفع نبرة الشيفونية إلا في عصور الانحطاط والقمع والاستبداد.

فأي نظام ديكتاتوري يعلم بأن التعصب القومي يشوه الإدراك لدى الناس ، فيوطن في النفوس مشاعر كاذبة مزيفة بالفخر والاعتزاز .

لذلك نقول ، لأشباه حنظلة وأسيادهم ومواليهم :

لقد زالت رائحة حنظلة بدخوله لدائرة الإيمان ، فمتى ستزول رائحتنا بدخولنا لدائرة الديمقراطية والحكم الرشيد ، فنهجر الاستبداد العربي ، ونخجل من الطغيان الفرعوني ؟!

 

شارك المقال: