إبراهيم القاضي يكتب: ثمن العرق وثمن الوطنية
ينظر العمال إلى بعضهم، ويهتفون باسم بلدهم، ثم يتسلل إليهم الخوف، فربما اضطر أحدهم منح أذنه لأعداء الوطن، وسقط في بئر الخيانة، تحت ضغط الحاجة، إلى شراء رغيف خبز،

صورة من داخل مواقع العمل (وسائل التواصل)
يذهب ابني إلى العمل مع طلوع الشمس، ويعود بعد رحيلها، ويتشارك معه آلام العمل ومتاعبه آلاف غيره، يحملون الأجولة فوق أكتافهم حتى تئن ظهورهم.
ويحكي شاب آخر يعمل في المنصورة الجديدة أن قوانين العمل في المصنع الذي يعمل به تقضي بأن يُقابل غياب يوم واحد خصم يومين من الأجر، فالعامل غير مسموح له بالمرض.
ويضحك ساخرًا وهو يقول إن أصحاب العمل يهددون العمال بسبب الغياب، وإنهم يفضلون أن يموت العامل بين آلات المصنع، ويتحملوا هم تكاليف جنازته، وقدرها ثلاثمائة جنيه، على أن يتغيب.
أما العاملون هنا وهناك، فيتقاضون ثمن عرقهم مائتي جنيه، وهو مبلغ قد يُطعم دجاجة في عهد الجمهورية الجديدة!
ابني طالب جامعي، بخلاف أغلب زملائه في العمل، الذين تطوق أعناقهم مسؤولية أسر وأطفال.
هؤلاء يعيشون في دولة تتحدث عن سيادة القانون، واحترام المواطنين، ولا يعيشون في أيام السخرة، أو هكذا يُفترض.
إبراهيم القاضي يكتب: علي أبو هميلة رجل يسكنه الوطن
إبراهيم القاضي يكتب: أربعة وسبعون عامًا، وما زلنا عند مفترق الطريق
ابني وزملاؤه، في كل أنحاء ما كانت تُسمى بالمحروسة، يعشقون تراب بلدهم.
وأكثرهم داهمه البكاء حزنًا على فريق الكرة الذي كان يمثل مصر في كأس العالم، وبعضهم فقد النطق لدقائق من هول الصدمة، لكنهم جميعًا هتفوا لمصر وهي”تلعب”.
ثم يتابعون وسائل الإعلام، فيطل عليهم أخبار المدرب الوطني جدًا، الذي اعتاد الطعن في انتماء معارضيه، فهم – في نظره – لم يقدموا للوطن ما قدمه هو وأخوه من تضحيات، فنجيل الملاعب كان يُسقى من عرقهم.
وبالطبع، لن يطلب المدرب الوطني جدًا ثمن عرقه مائتي جنيه كعامل بسيط.
ربما يطلب ألف جنيه، أو ألفين، فهو صاحب الإنجازات، ورافع اسم مصر عاليًا، في وقت لا يرفع فيه هؤلاء سوى الأجولة فوق أكتافهم.
ثم تطالعنا وسائل الإعلام بطلبات المدرب الوطني جدًا:
خمسة ملايين جنيه شهريًا، فيقول أحد العمال ساخرًا: كان الله في عون العميد، كيف يعيش بخمسة ملايين فقط؟
وعلى الجانب الآخر، يتابع بعض أصحاب المائتي جنيه السيد أحمد موسى، الوطني جدًا، وهو يشخط ويزعق في مشاهديه، ويحذرهم من أن يعيروا آذانهم لأعداء الوطن.
ينظر العمال إلى بعضهم، ويهتفون باسم بلدهم، ثم يتسلل إليهم الخوف، فربما اضطر أحدهم منح أذنه لأعداء الوطن، وسقط في بئر الخيانة، تحت ضغط الحاجة، إلى شراء رغيف خبز، أو سندوتش فول، أو طعمية، قد تودي بالمائتي جنيه قبل أن ينتهي اليوم.
أما اللحم الأحمر، فلا يعرفون إليه سبيلًا، وإنما يرونه على شاشات التلفزيون، فوق موائد نجوم التمثيل الوطنيين جدًا، الذين يتقاضون الملايين خدمةً للوطن.
والسيد أحمد موسى، الوطني جدًا، الذي يتقاضى الملايين، تلمع عيناه بدموع الحنين إلى أيام الفقر، ويتندر على أيام البركة، فالمائتي جنيه التي يتقاضاها العامل أكثر بركة من ملايينه.
ثم ينصح العمال، والموظفين، وأصحاب المعاشات، أن يقبلوا أيديهم باطنًا وظاهرًا، ويحمدوا الله، فنعمة الأمن والأمان تكفيهم.
ثم يغيرون القناة، وبعد انتهاء حلقة الوطنية الموسية، تصطدم وجوههم بالأستاذ نشأت، الذي يواصل الصراخ والشخط في كل من لا يحب الوطن كما يحبه هو.
وفي أعلى الشاشة، تلمع عبارة، “يلا ساحل”
ينظرون إلى بعضهم، وتتهلل وجوههم، ويقول أحدهم:
يا ما أنت كريم يا وطن، يفتح حبك الأبواب الموصدة.
فبعد أن أغلقت المائتا جنيه منافذ الأمل في الذهاب إلى مصيف جمصة، ها هو الوطن يفتح لهم أبواب الساحل على مصراعيها.
لكن،” يا فرحة ما تمت، أخذها الغراب وطار” فالساحل ليس لهم. وإن كانوا وطنيين، يسمعون الكلام، فلا مكان لهم هناك. فذلك الساحل الوطني جدُا يكره رائحة الفقراء.
لذلك، يصبح من واجبهم الوطني أن يتابعوا أخبار الساحل عبر شاشات التلفزيون، وربما يراود أحدهم حلمًا خائنًا بالذهاب إلى مدينة العلمين.
وحتى هذا الحلم يبدو بعيدًا، لكن لكل عقدة حلال، فما عليهم إلا أن يواظبوا على أداء واجباتهم الدينية، لعل الله يدخلهم الجنة، فيذهبون جميعًا إلى العلمين.
ابني وزملاؤه العاملون يحبون وطنهم، غير أن هذا الحب يأتي من طرف واحد، ولا تستقيم علاقة بهذه الصورة. فإما أن يبادلهم هذا الوطن الحب، وإما أن يبادلوه هم الكراهية.






