مقالات
إبراهيم القاضي
إبراهيم القاضي

كاتب وروائي

إبراهيم القاضي يكتب: الولس هزم عرابي

وهكذا تفعل الشعوب أحيانًا مع أبطالها، تمنحهم كلمات أكبر من اللحظة، وتصنع من المشهد أسطورة، ثم تأتي أجيال أخرى لتفتح دفاتر الحساب.

مشاركة:
حجم الخط:

كان الفلاح المصري، حين يسمع اسم أحمد عرابي، يستحضر رجلًا خرج من طين الأرض، ورفع رأسه في وجه السرايا، ثم وجد نفسه في نهاية الطريق وحيدًا، كأن الريح حملته بعيدًا عن القرية التي خرج منها، وتركت له اسمًا ثقيلًا يتناقله الناس جيلاً بعد جيل.

كان عرابي واحدًا من أبناء الفلاحين الذين صعدوا إلى الجيش في عهد الوالي سعيد، في زمن بدأت فيه طبقة جديدة من المصريين تكتشف أن أبواب الدولة قد تُفتح أمام أبناء الأرض، بعد أن ظلت طويلًا حكرًا على طبقات وأصول بعينها.

دخل الرجل الجيش، وتدرج فيه، ثم وجد نفسه ذات يوم في قلب عاصفة أكبر من قامته، وأوسع من خبرته.

ومن هنا بدأت الحكاية.

حكاية الرجل الذي صار اسمه مرادفًا للثورة، ثم صار عند آخرين مرادفًا للهزيمة,

ثم عاد بعد عقود ليجلس على مقهى في القاهرة، محاطًا بعيون تعرفه وشفاه تتهامس حوله، بينما يحمل في صدره وطنًا قديمًا لم يعرف كيف يحتضنه، وكيف يعتذر له.

ارتبط اسم عرابي بوقفة عابدين الشهيرة، وبالجملة التي صارت جزءًا من الذاكرة الشعبية:

لقد كنا أحرارًا ولن نستعبد بعد اليوم.

وقد دخلت تفاصيل تلك اللحظة إلى منطقة شديدة الالتباس بين التاريخ والذاكرة، فالروايات حولها تعددت، واختلفت الشهادات، وتداخلت الحقيقة مع ما أحب المصريون أن يتذكروه عن رجل وقف في مواجهة الخديوي.

وهكذا تفعل الشعوب أحيانًا مع أبطالها، تمنحهم كلمات أكبر من اللحظة، وتصنع من المشهد أسطورة، ثم تأتي أجيال أخرى لتفتح دفاتر الحساب.

كان عرابي فلاحًا طامحًا إلى الزعامة، يحمل غضب أبناء طبقته، ويؤمن أن الجيش يمكن أن يكون طريقًا إلى إصلاح أحوال البلاد.

غير أن السياسة عالم آخر، فيها دهاء القصور، وحسابات الدول، ومكر الوسطاء، وتقلب الولاءات، وخيوط تمتد من القاهرة إلى إسطنبول ولندن وباريس.

وهنا كانت مأساة الرجل.

كانت أحلامه أكبر من خبرته السياسية، وربما أكبر كذلك من قدرته على قراءة البشر المحيطين به.

فالعدو الواضح يمكن الحذر منه، أما الصديق الذي يبتسم لك، ثم يبيعك في اللحظة المناسبة، فذلك خصم يصعب اكتشافه قبل فوات الأوان.

وحين انكسرت الحركة العرابية أمام التدخل البريطاني، بدأت مرحلة أخرى من الحكاية، مرحلة البحث عن المسؤولية.

من هزم عرابي؟ أهو عرابي نفسه؟ أم الخديوي؟ أم الخلافات داخل الحركة الوطنية؟

أم التدخل البريطاني الذي كان يتحين اللحظة المناسبة للنفاذ إلى مصر؟

أم ذلك المزيج المعقد من ضعف القيادة، وانقسام النخب، والتدخل الأجنبي، والظروف الدولية؟

دخل عرابي إلى كتب التاريخ وفي يده تهمة ثقيلة، أنه كان الطريق الذي عبر منه الاحتلال البريطاني إلى مصر.

ثم جاء آخرون للدفاع عنه، ورأوا فيه رجلًا حاول مقاومة الاستبداد والتدخل الأجنبي، ودفع ثمن تجربة سياسية وعسكرية أكبر من إمكاناته.

حتى مصطفى كامل، الذي حمل راية الحركة الوطنية في مرحلة لاحقة، ارتبط اسمه بموقف نقدي من تجربة عرابي.

بينما ظل الشاعر أحمد شوقي، القريب من القصر يومها، شاهدًا شعريًا على انقلاب صورة الرجل في الذاكرة السياسية.

وفي بيت شوقي الشهير:

صغارًا في الذهاب وفي الإيابِ
أهذا كل شأنك يا عرابي؟

تظهر مرارة السخرية أكثر مما يظهر مجرد النقد.

ثم جاءت الهزيمة، وسقط الرجل.

وحين يسقط الزعيم، تبدأ الأيدي التي كانت تتزاحم حوله في الابتعاد.

غدر به بعض من وثق بهم، وتبدلت المواقف تحت ضغط السياسة، وتسابقت أطراف مختلفة إلى التخلص من الرجل الذي صار عبئًا على الجميع.

وحتى بعض رجال الدين دخلوا معركة إدانته، في سياق الصراع السياسي والديني الذي أحاط بالحركة العرابية وموقف الدولة العثمانية منها.

ثم جاءت المحاكمة والنفي.

ذهب عرابي إلى سيلان، يحمل معه هزيمته وذكرياته، ويترك خلفه مصر التي حلم بأن يراها أكثر عدلًا واستقلالًا.

ومرت السنوات، وعاد الرجل.

عاد إلى البلد التي خرج منها بطلًا، فرجع إليها شيخًا مثقلًا بالسنين، وقد تغيرت مصر، وتغير الناس، وتغير موقعه في الحكاية.

كانت المأساة في أن الرجل عاد إلى وطنه بعد أن صار الوطن نفسه يختلف حول صورته.

قيل إنه عاش سنواته الأخيرة في المقاهي، يراقب الناس وهم يمرون من أمامه، وبعضهم يعرفه، وبعضهم يتجاهله، وآخرون يجدون في وجوده فرصة للسخرية من رجل كانت الدنيا يومًا تتحدث عنه.

وهنا تبدو الحكاية المصرية بأقسى صورها.

فالشعب الذي صنع من عرابي رمزًا للكرامة، كان قادرًا بعد سنوات على الجلوس أمامه وإلقاء النكات.

ومع ذلك، ظل الفلاحون يحتفظون له بشيء من المحبة.

ذات يوم، حكى لي فلاح مصري عن عرابي، وقال إن الناس في قريته كانوا إذا أرادوا مدح رجل قوي أو شجاع قالوا عنه: ده عرابي.

ثم ضحك وقال جملة بقيت عالقة في ذهني: الولس هزم عرابي.

وربما كانت الجملة، على بساطتها، تختصر مأساة الرجل أكثر من عشرات الكتب.

فالولس، في المخيال الشعبي، يعني أولئك الذين التفوا حول الرجل، وهتفوا باسمه، ثم تركوه وحيدًا حين دارت الدائرة.

عرابي لم تهزمه بريطانيا وحدها.

هزمته لحظة تاريخية أكبر من الجميع، هزمته أخطاء القيادة، وانقسامات الداخل، ومكر السياسة، وقوة الإمبراطورية، وتبدل مواقف الرجال.

ومع ذلك، بقي اسمه.

وهذه وحدها مفارقة تستحق التأمل.

فالسياسي قد يخسر معركته، والجندي قد يُهزم في ميدان الحرب، والزعيم قد يسقط من عرش الشعبية، ثم يبقى اسمه حيًا لأن الناس وجدت فيه شيئًا يشبهها.

كان عرابي ابن الفلاح الذي حلم بالصعود.

اقترب من القصر، ثم اصطدم به.

وقف في وجه الخديوي، ثم انكسر أمام جيش إمبراطورية.

عاد إلى مصر، فوجد بعض المصريين يسخرون منه.

ومع ذلك، ظل الفلاح المصري يرى فيه واحدًا منه.

ربما لأن عرابي، رغم أخطائه، لم يكن مصنوعًا في معامل القصور.

كان رجلًا خرج من الأرض، وحاول أن يرفع رأسه فوق جدار طويل من الطبقية والاستبداد والتدخل الأجنبي.

أخطأ كثيرًا، وأخفق في النهاية، ودفع ثمن تجربته عمرًا كاملًا.

أما مصر، فقد أخذت منه شيئًا آخر: اسمه.

دفن أحمد عرابي، وانتهى جسده إلى التراب الذي خرج منه.

أما الحكاية، فظلت تمشي بين الناس.

كلما أراد فلاح أن يصف رجلًا شجاعًا قال: ولا عرابي في زمانه

وكلما أراد آخر أن يلخص مأساة الزعامة المصرية قال:

الولس هزم عرابي.
وربما كان الرجل، لو سمعها في آخر أيامه، سيبتسم ابتسامة مرة.

فقد عرف أخيرًا أن أصعب معارك الزعيم، معركة البشر الذين يقفون حوله حين تكون الشمس في كبد السماء، ثم يبحثون عن ظل آخر عندما تبدأ الشمس في الغروب.

شارك المقال: