علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقنيات

هل يؤثر التصفح اللانهائي للفيديوهات على ذاكرة الشباب وانتباههم؟

تشير مراجعة لـ42 دراسة شملت نحو 46,900 مشارك إلى ارتباط الاستخدام المكثف وغير المنظم للمقاطع القصيرة بتشتت الانتباه وانخفاض الذاكرة العاملة والتنظيم الذاتي. ومع ذلك، لا تثبت الدراسات أن المقاطع القصيرة تسبب هذه المشكلات مباشرة.

مشاركة:
حجم الخط:

قد تفتح هاتفك لمشاهدة مقطع واحد، ثم تجد نفسك بعد ساعات ما زلت تتصفح فيديوهات قصيرة متتالية.

لكن ماذا يحدث للانتباه والذاكرة عندما يصبح هذا التصفح جزءًا يوميًا من حياة الشباب؟

تشير مراجعة علمية لـ42 دراسة إلى ارتباط الاستخدام المكثف للمقاطع القصيرة بعدد من الصعوبات المعرفية والنفسية،

من دون إثبات أنها تسببها مباشرة.

لماذا يتغير شكل الأسرة المصرية؟

هل يؤثر التصفح اللانهائي للفيديوهات على ذاكرة الشباب وانتباههم؟

قد يبدأ الأمر بمقطع فيديو واحد قبل النوم أو خلال استراحة قصيرة. ثم ينتقل المستخدم إلى مقطع آخر، ثم ثالث،

حتى تمر ساعات من دون أن يشعر بالوقت.

هذا النمط أصبح جزءًا من الاستخدام اليومي لمنصات مثل تيك توك، وإنستغرام ريلز، ويوتيوب شورتس وفيسبوك.

لكن السؤال لم يعد متعلقًا فقط بعدد الساعات التي يقضيها الشباب أمام الشاشات.

فهل يمكن لسرعة الانتقال بين المقاطع وطريقة تصميم هذه المنصات أن تؤثرا في

التركيز والانتباه والقدرة على الاحتفاظ بالمعلومات؟

أسئلة حائرة لدي الشباب؟

ماذا يحدث عندما لا يتوقف المحتوى؟

مراجعة علمية حديثة شملت 42 دراسة ونحو 46,900 مشارك، بمتوسط عمر بلغ 16.8 عامًا،

ونشرتها دار سبرينغر نيتشر في يونيو/حزيران، بحثت العلاقة بين مقاطع الفيديو القصيرة

والروتين الرقمي والنتائج العصبية المعرفية لدى الشباب.

ووجدت المراجعة ارتباطات متكررة بين الاستخدام المكثف وغير المنظم للمقاطع القصيرة،

والذي يكون عادة لعدة ساعات يوميًا، وعدد من النتائج.

ومن أبرزها:

  • زيادة طفيفة إلى متوسطة في تشتت الانتباه.
  • انخفاض متوسط في سعة الذاكرة العاملة والقدرة على التنظيم الذاتي.
  • ارتفاع متوسط في مستويات القلق والاكتئاب والتوتر.
  • زيادة متوسطة إلى كبيرة في أعراض الإدمان.

لكن هذه النتائج لا تعني أن المقاطع القصيرة ثبت أنها تسبب ضعف الذاكرة أو قصر مدى الانتباه.

والسبب أن معظم الدراسات التي شملتها المراجعة كانت دراسات مقطعية، أي إنها أجريت خلال فترة زمنية محددة.

لذلك، لا تزال هناك حاجة إلى دراسات أطول وأكثر صرامة لتحديد طبيعة العلاقة.

السرعة والتصفح اللانهائي

لا يتوقف الأمر عند مدة الاستخدام.

فطريقة استهلاك المحتوى نفسها قد تكون مهمة.

وتشير الدراسات ما قبل السريرية إلى أن الإفراط في التحفيز السمعي والبصري خلال مراحل مبكرة من العمر

قد يرتبط بتغيرات في السلوك وبنية الدماغ.

وتزداد أهمية هذه المسألة خلال الطفولة والمراهقة؛ لأن قدرات التحكم في الانتباه وتوقع المكافأة

والتنظيم الذاتي لا تزال في طور التشكل خلال هاتين المرحلتين.

وفي تحليلها للظاهرة، ركزت المراجعة على ثلاثة عناصر رئيسية تستخدمها منصات الفيديو القصير:

  1. الخوارزمية التي تختار المحتوى للمستخدم.
  2. التصفح اللانهائي الذي يلغي إشارات التوقف الطبيعية.
  3. السرعة التي ينتقل بها المستخدم من مقطع إلى آخر.

وهذه العناصر ليست تصنيفًا شاملًا ولا دليلًا سببيًا، وإنما أدوات تحليلية لفهم طبيعة التجربة الرقمية.

لماذا قد تكون سرعة المقاطع مهمة؟

تستطيع الخوارزميات تخصيص المقاطع التالية وفقًا لما يجذب كل مستخدم.

وبالتالي، يمكن أن يزداد انغماس المستخدم في المحتوى، كما قد يصبح الإحساس بمرور الوقت أقل وضوحًا.

أما السرعة، فلها أهمية مختلفة.

فعندما ينتقل المستخدم باستمرار من مقطع إلى آخر، ينتقل معه من سياق ذهني إلى سياق مختلف.

وتشير الأدلة التي استندت إليها المراجعة إلى ارتباط هذا النوع من الانتقال بضعف الذاكرة المستقبلية،

أي القدرة على تذكر القيام بشيء ما في وقت لاحق.

وفي الوقت نفسه، يجعل التصفح اللانهائي الاستمرار في المشاهدة أكثر سهولة؛ لأن المستخدم لا يواجه نقطة واضحة تشير إلى انتهاء المحتوى.

الأدلة السلوكية أكثر إقناعًا من صور الدماغ

توصلت المراجعة أيضًا إلى مؤشرات عصبية مرتبطة بالاستخدام المكثف.

وشملت هذه المؤشرات اختلافات في بعض مؤشرات المادة الرمادية، إلى جانب تغيرات في تزامن الإشارات العصبية أثناء الراحة.

كما رصدت المراجعة انخفاضًا في سعة موجة P300، وهي إشارة كهربائية في الدماغ ترتبط بالانتباه

ومعالجة المعلومات والاستجابة للمنبهات المهمة.

لكن هذه النتائج تحتاج إلى قدر كبير من الحذر.

ويقول البروفيسور جاي فان بافيل، أستاذ علم النفس وعلم الأعصاب في جامعة نيويورك،

إن دراسات علم الأعصاب في هذا المجال لا تزال في مراحلها الأولى.

ويشير إلى أن هذه الدراسات تعتمد على تصميمات ارتباطية وعينات صغيرة نسبيًا.

ومن الأمثلة التي يذكرها دراسة لتخطيط الدماغ الكهربائي قارنت بين 14 مستخدمًا مفرطًا و15 مستخدمًا منتظمًا.

لذلك، لا ينصح فان بافيل بالاعتماد كثيرًا على هذه النتائج وحدها.

في المقابل، يرى أن الأدلة السلوكية أكثر إقناعًا؛ لأنها تستند إلى عدد أكبر من الدراسات وعينات أكبر، فضلًا عن وجود أدلة تتبعية.

أيهما جاء أولًا: ضعف الانتباه أم المقاطع القصيرة؟

هنا تظهر المعضلة العلمية الأهم.

فالأطفال والمراهقون يمرون بمرحلة لا تزال فيها أنظمة الانتباه والمكافأة والتحكم الذاتي في طور النمو.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن البيئة الرقمية عالية التحفيز هي التي تسببت في مشكلات الانتباه.

ويوضح فان بافيل أن معظم الدراسات الحالية مقطعية. وبالتالي، يصعب تحديد اتجاه العلاقة.

فهل يؤدي الاستخدام المفرط للمقاطع القصيرة إلى قصر مدى الانتباه؟

أم أن الأطفال الذين يعانون أصلًا من ضعف الانتباه أو ميول فرط النشاط ينجذبون بدرجة أكبر

إلى البيئات الرقمية سريعة التحفيز؟

ويرى فان بافيل أن العلاقة قد تسير في الاتجاهين معًا.

فالأشخاص الذين يمتلكون قدرة أفضل على التحكم في انتباههم قد يكونون أكثر قدرة على استخدام هذه المنصات.

وفي المقابل، لا يبدو أن مشاهدة المقاطع القصيرة تساعد على تحسين القدرة على الانتباه.

كيف يمكن حسم العلاقة؟

ولحسم هذه المسألة، يرى فان بافيل ضرورة إجراء تجارب تتابع المشاركين لعدة أشهر.

ويشمل ذلك توزيع المشاركين عشوائيًا على مجموعات تشاهد المقاطع القصيرة أو تتوقف عن مشاهدتها،

ثم مقارنتها بمجموعات تستخدم وسائل اجتماعية أخرى أو تشاهد مقاطع طويلة بدلًا من القصيرة.

مثل هذه الدراسات يمكن أن تساعد الباحثين على الاقتراب من الإجابة عن السؤال الأصعب:

هل الاستخدام هو الذي يغير الانتباه، أم أن طبيعة المستخدم هي التي تحدد نمط استخدامه؟

المشكلة ليست دائمًا ضررًا مباشرًا

ترى البروفيسورة فيكتوريا غوديير، أستاذة النشاط البدني والصحة والرفاه في جامعة برمنغهام،

أن التركيز على عدد ساعات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وحده لا يكفي لفهم تأثيرها في الانتباه والذاكرة.

وتوضح أن الدراسات ركزت بصورة أساسية على «وقت الشاشة»، بينما تشير الأدلة إلى وجود ارتباط سلبي،

وإن كان طفيفًا وثابتًا على مستوى عامة السكان، بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي

وبعض النتائج السلبية المتعلقة بالصحة النفسية.

ومع ذلك، تشير غوديير إلى أن أنماط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليست متشابهة.

فبعضها قد يرتبط بآثار سلبية، بينما يمكن لأنشطة أخرى أن تكون ذات قيمة بالنسبة إلى رفاه الشباب.

وتوضح أن المراهقين الذين يشاركون المحتوى بشكل متكرر، إلى جانب التفاعل أو التصفح،

يواجهون خطرًا أكبر لمشكلات الصحة النفسية.

في المقابل، يمكن أن تكون أنشطة مثل الألعاب وتبادل الرسائل والبحث عن المعلومات مهمة للرفاه، كما يمكن أن تدعم سلوكيات صحية أخرى، مثل النظام الغذائي والنشاط البدني.

عندما يأتي وقت الشاشة على حساب أشياء أخرى

وفي دراسة أعدتها غوديير بالتعاون مع 12 باحثًا آخرين، وشملت 177 شخصًا من المراهقين وأولياء الأمور

وموظفي عدد من المدارس في أنحاء إنجلترا، ارتبطت مشاهدة المقاطع القصيرة بآثار سلبية على الصحة الإدراكية.

وشملت هذه الآثار، وفق الدراسة، قصر مدة التركيز وتراجع مدى الانتباه، وانخفاض الاهتمام بالأنشطة

غير المرتبطة بالشاشات وضعف القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات.

كما تشير غوديير إلى جانب آخر من المشكلة.

فالساعات التي يقضيها المراهق في التصفح قد تأتي أحيانًا على حساب النوم، والواجبات المدرسية،

والنشاط البدني، واللعب، والتواصل المباشر مع الآخرين أو الأسرة.

لكن مرة أخرى، تؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست تجربة سلبية بالكامل،

وأن بعض أشكال استخدامها، مثل التواصل وتبادل الرسائل والبحث عن المعلومات، يمكن أن تكون ذات قيمة لرفاه الشباب.

هل ينبغي أن يقلق الآباء؟

حتى الآن، لا تقدم الأدلة المتاحة حكمًا نهائيًا بأن التصفح المتواصل للمقاطع القصيرة يسبب تلفًا

في الدماغ أو ضعفًا دائمًا في الذاكرة.

لكنها في المقابل ترسم صورة تستحق الانتباه.

فالاستخدام المكثف يرتبط بمجموعة من الصعوبات المعرفية والعاطفية، بينما لا تزال

العلاقة السببية بحاجة إلى اختبارات علمية أكثر صرامة.

ويعتقد فان بافيل أن هذه النتائج تمثل عامل خطر محتملًا يستحق أن يأخذه الآباء بجدية،

خصوصًا عندما يتحول الاستخدام إلى تصفح لانهائي لساعات طويلة.

وفي المقابل، تشير المراجعة إلى عوامل يمكن أن تساعد في الحد من المخاطر،

ومنها وجود بيئة داعمة، وروتين رقمي منظم، وامتلاك قدر من الوعي والثقافة الرقمية.

السؤال ليس عدد الساعات فقط

في النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت المقاطع القصيرة سيئة في حد ذاتها.

الأهم هو كيف تُستخدم؟ وكم من الوقت تستهلك؟ وما الذي يأتي على حسابها؟

كما أن تصميم المنصات نفسه يستحق الانتباه، خصوصًا عندما يجمع بين الخوارزميات الشخصية،

والتصفح اللانهائي، والانتقال السريع بين المقاطع.

أما السؤال الأكبر، وهو ما إذا كان التصفح السريع يغير بحد ذاته طريقة عمل الانتباه والذاكرة، فلا تزال إجابته قيد البحث العلمي.

 

 

 

 

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك