محمد مصطفي موسى يكتب: مدينة العميان
مع تفشي العمى الأبيض تفشيًا متسارعًا، انتفضت السلطات لمواجهة الأمر، فعمدت إلى تخصيص مصحة نائية لعزل المصابين ومخالطيهم ممن يُرجَح أنهم يحملون العدوى، وذلك تحت حراسة قوات الجيش المسلحة.
العمى رواية الأديب البرتغالي الحاصل على نوبل جوزية ساراموغا
صحوتَ بعد سباتٍ عميق، صبيحةَ يومٍ عاديٍّ مكرَّر، ففتحت عينيك فإذا بك أعمى.. تخيَّل ذلك، الأمر مخيف حقًا.
لم تعانِ من ذي قبل علةً ذات تأثير على الشبكية، وليس لديك تاريخٌ مع أمراض العيون، لكنك -فجأةً ودونما أسباب- لم تعد ترى.
مذعورًا ترتعش لكأنَّ عفريتًا من الجن يتخبَّطك، ماذا ألمَّ بك؟ لا تستوعب.
تغادر سريرك لا تلوي على شيء. تمشي لصقَ الجدران، تبسط ذراعيك إلى الأمام، تتفقد الفراغ خشيةَ أن تصطدم قدماك بقطعة من الأثاث، أو أن تتعثَّر بسجادة. تصرخ مبهور الأنفاس أن يغيثك ذووك.
لكن الذين تستصرخهم ليسوا بأفضل منك حالًا، استيقظوا على الفاجعة ذاتها.
إنَّ العمى أطفأ عيون القوم، وها هم يصيحون ويولولون، والأكثر من ذلك أنَّ صرخاتٍ مُلتاثةً تخترق الجدران من الشارع مدويةً كهزيم الرعود: أنا أعمى، وأنا أيضًا أعمى.
كيف تغدو حياة البشر إذا فقدوا جميعهم النظر؟ وإلى أي شيء تؤول الحياة في مدينة بلا عيون؟ وهل العمى -إذا ما بات جماعيًا- مجرد وباء مباغت؟
أسئلة أطلقها الأديب البرتغالي الحائز على جائزة نوبل؛ “جوزيه ساراماغو” في روايته “العمى” التي تبدأ بمشهد لاهث مشدود الإيقاع.

تُضاء الإشارة الخضراء فتنطلق السيارات، باستثناء واحدة في وسط المضمار، وخلفها يُطلق السائقون الأبواق، فلا تتحرك قيد أنمُلة.
يغادرون سياراتهم متذمرين لدفعها، فإذا بقائدها من خلف الزجاج يُلوِّح بيديه كأنه يغرق في بحر ثائر، يصرخ ملتاثًا: “أنا عميت”، لكن العمى لم يكن أسود كالمألوف، بل كان أبيض حليبيًا.
يتبرَّع رجلٌ من السابلة بقيادة سيارة الأعمى ليقله إلى بيته، فيسرق السيارة بعد ذاك، لقد انتهز أن أحدًا لا يراه، فارتكب جريمته دون أن يهتز له جفن. إن الجرائم لا تُرتكب إلا حين تغيب الرقابة.
كان واضحًا أن الروائي الكبير يومئ في الابتداء إلى تأويل رمزية العمى، قاصدًا أن يتجاوز مغزاه فقدان البصر إلى انهيار منظومة الأخلاق حين يتاح ارتكاب الخطايا بمنأى عن المساءلة.
على أي حالٍ، فمع تفشي العمى الأبيض تفشيًا متسارعًا، انتفضت السلطات لمواجهة الأمر، فعمدت إلى تخصيص مصحة نائية لعزل المصابين ومخالطيهم ممن يُرجَح أنهم يحملون العدوى، وذلك تحت حراسة قوات الجيش المسلحة.
وجعلت الأجهزة الأمنية تعتقل المصابين، ومنهم طبيب عيون ضربه الوباء لمخالطته المرضى، فإذا بزوجته تدَّعي عند نقله بواسطة القوات إلى المصحة، أنها أصيبت أيضًا بالعمى الأبيض لكيلا تفارقه، والغريب أنها الوحيدة التي لم تنل منها العدوى على الإطلاق، لتغدو على مدى صفحات الرواية بمثابة “عين الراوي”
تحمَّلوا بوازع من ضميركم الوطني
في المصحة يُلقي قائد الحرس عبر مُكبَّرات الصوت التعليمات: ستحصلون على الطعام، وعليكم تحمل مسؤولية إحراق الأواني الورقية، وليس مسموحًا لأيِّ منكم بنزول درجات السلم، وإذا مات نزيل فستدفنونه بأنفسكم، هذه تعليمات نتوَّقع الالتزام بها بوازع من ضميركم الوطني.
تعليمات صارمة وقاسية، لا معنى لها إلا أن السلطات تغسل يديها من المسؤولية، والمفارقة أنها تُذيِّلها بعبارة عاطفية حماسية: نتوَّقع التزامكم بوازع من ضميركم الوطني.
هذه هي الصياغة التقليدية، أو بالأحرى الرسمية في الأنظمة التي لا تقيم للإنسان وزنًا، فإزاء أي كارثة تتنزَّل على رؤوس العباد، لا رد فعل إلا الوصايا ذاتها: اصبروا وثابروا ولا تنبسوا ببنت شفة، ولا تنسوا أيها المواطنون الشرفاء أن ذلك “بوازع من ضميركم الوطني”.
كذلك تتكشَّف الرواية عن طبقة رمزية أعلى، ويتضح بجلاء أن “ساراماغو” أراد أن ترمز المصحة إلى ما هو أعمق من مجرد مكان للعزل، بل هي في واقع الأمر، تجسيد فظ لسياسات السلطات الديكتاتورية، إزاء البؤساء من المواطنين.
ويومًا بعد يوم، يتقاطر إلى المصحة أفواجٌ من العميان حتى يربو عددهم عن ضعف الطاقة الاستيعابية، ويدنو رجل أصيب بجرح في قدمه -وقد اعتورته الغرغرينا- إلى السلم سائلًا العلاج، فلا يتردد الحُرَّاس عن رشقه بزخَّات من الرصاص.
سقط البائس المسكين مُضرَّجًا بدمائه، لا لذنب أو جريمة، إلا أنه كان تحت وطأة الألم يسعى إلى حقه الإنساني في العلاج.
لا تهاون إذن؛ سنقتل أي “مواطن أعمى” يخرق التعليمات، ثم فليدفنه “المواطنون العميان” الآخرون بطريقة أو بأخرى، ولن نوَّفر لكم إلا رفشًا للحفر، أو فليتحلّل الجثمان، إن لم تفعلوا، أمام عيونكم.
ليس الأمر مزعجًا لسلطة تختزل دورها في إطلاق الرصاص على مَنْ يدنو من حياضها.
ومع التكدس الرهيب تتحوَّل المصحة إلى كارثة بيئية، إثر انسداد المراحيض وانتشار الفضلات البشرية التي تتبعثّر ذات اليمين وذات اليسار في الردهات والدهاليز وحتى عنابر النوم.
العميان يقضون حاجاتهم في أي مكان، بل إنهم قد يتغوَّطون ويتبوَّلون حتى بجانب الأسرَّة، ما دام لا أحد يرى، ولا أحد يؤدي دور الرقابة، فمَن ذا الذي سيلتزم بالأخلاقيات العامة؟
وتقل كميات الطعام تدريجيًا، فتنشب الصراعات الدامية بين “المعزولين قسريًا” على كسرة الخبز التي لا تقيم الأود، لتسود شريعة الغاب، ويغدو مبدأ البقاء للأقوى دستور الحياة في المصحة، في حين لا تُحرِّك السلطات ساكنًا، ولا يهتم الحُرّاس إلا بالتأكد من أن بنادقهم محشوة بالرصاص.
إذا تنصَّل النظام من مسؤولياته، وفي الصدارة منها ضبط الأمن المجتمعي، وكف أذى المفسدين في الأرض، مختزلًا كينونته في القبضة الباطشة، كثيرًا ما يتحول الضحايا إلى جلادين. كم كان الجبرتي عبقريًا وسبَّاقًا حين قال: “الاستبداد يفسد أخلاق الشعوب”
ورويدًا رويدًا تنقطع الإمدادات الغذائية نهائيًا، فتقرقر البطون، ويُشرف المعزولون على الموت، وعندئذٍ تغدو الأمور سواء، بل إنَّ رصاصةً تنهي الحياة مرةً واحدة، ستكون أرحم من تجرع الموت جُوعًا قطرةً بعد قطرة، ثم التحلل وسط الفضلات البشرية.
لقد قرروا أن يخوضوا المغامرة الخطرة، في مشهدٍ بارع لاهث الإيقاع، مشهد يحيلنا إلى ثورات الحرافيش في روايات نجيب محفوظ، فكما تولد الثورات من رحم الأحلام، قد تولد من رحم اليأس كذلك.
ها هم يُغالبون الخوف، يهبطون السلالم بخُطى حذرة مترددة، مُستندين على بعضهم بعضًا، ولا صوت إلا لُهاث أنفاسهم المضطربة.
صمت ثقيل لا تخترقه كالعادة صيحات التحذير من حناجر الحُرَّاس الشداد الغلاظ. رابهم الأمرُ حتى إذا ما بلغوا الطابق الأرضي اكتشفوا أن القوات ليست في مواضعها. المكان أطلال تلوح كباقي الوشم، بل إنَّ المدينة بأسرها خاوية على عروشها. أصيب الناس جميعهم بالعمى.
عندئذٍ سقط النظام
لقد تهاوى النظام أو قل سقطت الدولة، لأنه حين يضرب وباءٌ طائفةً من المجتمع، فليس ممكنًا محاصرته في مناطق عازلة.
الأوبئة لا تحتاج إلى “كيو آر كود” للولوج إلى القصور والمنتجعات السياحية والكامباوندات.
في لحظةٍ انهارت المنظومة الرسمية بأسرها انهيارًا مدويا.
تلاشت كأن لم تكن، لأن حماية المبصرين الذين ليس خاطئًا هنا أنهم يرمزون إلى “الصفوة”، لا تتأتى عبر غض الطرف عن آلام السواد الأعظم من المعذَّبين من أبناء الوطن.
وبعد مفارقات درامية بائسة للبحث عن طعام ومأوى، وبعد أن هاموا على وجوههم في الشوارع الخاوية إلا من نباح الكلاب والجثامين المتحللة، يصل العميان إلى بيت واحد منهم، فيستقرون ردحًا من الزمن، حتى تقع المفاجأة؛ فمثلما أصيبوا بالعمى فجأة، يسترد الأعمى الأول بصره فجأة.
رأى حين أسبل جفنيه لونًا أسود، ليس أبيض حليبيًا كما هو مألوف، صرخ: أنا أعمى، ثم فتح عينيه فصرخ ثانيةً: أنا أرى.. وما هي إلا ثوانٍ حتى استعادوا أبصارهم واحدًا تلو الآخر، ودوَّت الهتافات في الشارع: أنا أرى، وأنا كذلك أرى.
عندئذٍ نفهم لماذا كان العمى أبيض حليبيًا، وليس أسود كالعادة، فالأسود هو الخواء العدمي، أما الأبيض فيعني أن الكون موجود وأشياؤه لا تزال حاضرة، بيد أن رؤيتنا له مطموسة لسبب أو لآخر، ويتأكد هذا الفهم في خاتمة الرواية، إذ يستنطق “ساراماغو” زوجة الطبيب التي لم تفقد البصر لحظةً: “نحن بشر عميان نستطيع أن نرى لكننا لا نرى”.
عبارة لا تنسحب على أحاد الناس فحسب، بل تنطبق أيضًا على السلطات، حين تتعامى رغم أنها ترى، وتتظاهر بالصمم رغم أنها تسمع، وحين تعتقد بعدئذٍ أن عزل المعذبين من مواطنيها، أو بالأحرى الانعزال عنهم وراء الأسوار المسيَّجة والمتاريس والأسلاك الشائكة والحراسات المشددة، سيكفل لها النجاة.
شاركنا برأيك