أحمد علام يكتب: حين أصبح الحاكم ينتج وريثه (معاوية ويزيد) 3
الحسن تنازل لمعاوية عن ممارسة السلطة في ظرف بعينه، ولم يتنازل له عن حق الأمة في تحديد ما يحدث بعد انتهاء ذلك الظرف

صورة تعبيرية عن المقال
من التسوية إلى الملك
كان يمكن أن تظل سلطة معاوية حلًا تاريخيًا استثنائيًا خرج من رحم حرب أهلية طويلة، وأن يموت معاوية ثم يعود «الأمر» إلى الجماعة:
شورى بينهم.
لكن معاوية اختار أن يعمل في حياته على تثبيت ابنه يزيد وليًا للعهد والحصول على البيعة له.
وهنا لم تعد قضية دم عثمان قائمة، ولم يعد هناك نزاع على قتلة الخليفة السابق، ولم يكن يزيد قائد طرف في حرب اضطر خصمه إلى التسوية معه.
بل إن طائفة معتبرة من الروايات التي حفظت شروط صلح سيدنا الحسن تنص على أن معاوية لا يعهد بالخلافة إلى أحد بعده، وأن يعود الأمر إلى الشورى بين المسلمين، أو إلى الحسن إن بقي حيًا، بحسب اختلاف الروايات.
ومن ثم لم تكن التسوية التي تنازل الحسن بموجبها عن السلطة لمعاوية تفويضًا له بإعادة تشكيل نظام انتقالها أو تحويلها إلى حق عائلي ينتقل إلى ابنه.
أحمد علام يكتب: من دم عثمان إلى صدمة الفتنة (2-3)
وهنا يظهر فرق بالغ الأهمية:
الحسن تنازل لمعاوية عن ممارسة السلطة في ظرف بعينه، ولم يتنازل له عن حق الأمة في تحديد ما يحدث بعد انتهاء ذلك الظرف.
وهنا يصبح السؤال واضحًا:
من يملك تحديد الحاكم القادم؟
ليس ترشيح يزيد كترشيح عمر
قد يقال إن معاوية رشح يزيد كما رشح أبو بكر عمر.
لكن الفرق ليس في فعل الترشيح وحده.
أبو بكر لم يحول الخلافة إلى حق لأسرته، ولم يختر ابنه أو أخاه أو قريبًا من بيته ليؤسس مسارًا عائليًا للسلطة.
أما في ولاية يزيد فقد دخل عنصر جديد في بنية النظام:
الأب الحاكم يختار الابن ليحكم بعده، ثم تستدعى البيعة لتأكيد هذا الاختيار.
وفي التجربة الراشدة كان المسار، مهما اختلفت الوسائل، أقرب إلى:
الشورى والرضا تحددان الحاكم.
أما مع ولاية العهد ليزيد فأصبح:
الحاكم يحدد ولي العهد ثم يطلب البيعة.
لم تختف البيعة، لكن وظيفتها تغيرت.
كانت جزءًا من العملية التي تنشئ الحاكم، ثم أصبحت معرضة لأن تتحول إلى أداة تصديق على اختيار صنعته السلطة قبل الجماعة.
وهذه هي النقلة الأهم من مجرد القول إن «الملك أصبح وراثيًا» :
لقد تغير اتجاه الشرعية.
والحسن تنازل عن حقه ليجمع الأمة؛ أما تحويل الاستثناء الذي نشأ لجمع الأمة إلى ولاية عهد للابن، فهو انتقال من تضحية الفرد بحقه من أجل الجماعة إلى إعادة تشكيل حق الجماعة من أجل استمرار السلطة.
هل كان التوريث ضرورة للاستقرار؟
حتى إذا قبلنا الحجة القائلة إن معاوية أراد بتعيين يزيد أن يمنع تجدد الصراع بعد موته، فإن هذه الغاية لم تكن تستلزم التوريث.
كان يمكن أن يدعو المسلمين في حياته إلى شورى لاختيار من يخلفه، وأن يُحسم الاختيار قبل وفاته، فتتحقق مصلحة الاستقرار دون أن ينتقل حق الاختيار من الأمة إلى البيت الحاكم.
وقد عرف النموذج الراشدي نفسه مثل هذا التدبير حين أنشأ عمر مجلس الستة قبل موته حتى لا يترك الأمة لفراغ سياسي.
ومن ثم فالسؤال ليس:
هل كان يجوز التخطيط للخلافة قبل وفاة الخليفة؟
بل:
من الذي يملك اختيار الخليفة القادم: الأمة بالشورى، أم الخليفة من داخل أسرته؟
وهنا يصعب جعل الاستقرار مبررًا كافيًا لولاية يزيد؛ لأن الاستقرار كان يمكن تحقيقه من داخل الشورى.
فلم يكن الاختيار بالضرورة بين:
الشورى أو الفوضى.
هل كان هناك خيار ثالث:
شورى منظمة مسبقًا تمنع الفراغ وتحفظ حق الأمة معًا.
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن المصلحة لا تصبح مبررًا لمجاوزة الأصل إذا كان من الممكن تحقيق المصلحة نفسها من داخله.
صدمة الفتنة مرة أخرى
هنا تعود فرضية «صدمة الفتنة»
لا يوجد نص تاريخي يقول إن الناس قبلوا يزيد لأنهم طبقوا منطقًا اسمه «الخوف من الفتنة»، ولا ينبغي أن ندعي ذلك.
لكن يمكن طرح سؤال تفسيري:
هل جعلت ذاكرة الجمل وصفين والنهروان والاغتيالات المجتمع أكثر استعدادًا لقبول الحسم المسبق لمسألة الخلافة مقابل تجنب احتمال تجدد الحرب؟
فإذا أصبحت المنافسة المفتوحة على السلطة في الوعي السياسي مرتبطة باحتمال الدم، يصبح «الحسم» قابلًا للتقديم باعتباره «استقرارًا»
وهنا تعمل الصدمة لا بإلغاء المبدأ صراحة، وإنما بتغيير تكلفة التمسك به.
لا يقال:
ألغينا الشورى.
بل:
نريد منع الفتنة.
ولا يقال:
أصبح الحكم ملكًا للأسرة.
بل:
نريد ألا يختلف الناس بعد موت الخليفة.
وهكذا يمكن للمجتمع المرهق أن يقبل من تقليص دوره السياسي ما كان سيبدو له أصعب قبولًا لو لم يخزن في ذاكرته كل ذلك الدم.
فالخوف من الفوضى يستطيع أن يجعل الاستقرار قيمة تزاحم الحرية والشورى والحق في الاختيار.
ليس كل قرار لصحابي اجتهادًا شرعيًا
وهنا نصل إلى أكثر الأسئلة حساسية.
يجب التمييز بين احترام الصحابة ومكانتهم وبين تحويل كل قرار سياسي صدر عن صحابي إلى «اجتهاد شرعي» بمجرد صدوره عنه.
فإذا قلنا:
معاوية صحابي.
إذن ما فعله اجتهاد.
والمجتهد مأجور إن أخطأ.
إذن لا يجوز مساءلة فعله من داخل النص.
فقد بنينا دائرة مغلقة تلغي السؤال قبل طرحه.
والصحيح أن السؤال الأول هو:
هل كان هذا الفعل أصلًا داخل المساحة التي يقبل فيها الاجتهاد؟
ثم:
هل احترم النصوص والأصول الحاكمة للمسألة؟
وبعد ذلك فقط نسأل: هل أصاب المجتهد أم أخطأ؟
فالصحابي قد يتبع النص، وقد يجتهد في فهمه، وقد يخطئ في تحقيق مناطه، وقد يقدر مصلحة تقديرًا غير موفق، وقد يتخذ قرارًا سياسيًا يتجاوز أصلًا كان ينبغي أن يظل حاكمًا للاجتهاد نفسه.
ولهذا فالمقارنة بين الراشدين ومعاوية ليست مقارنة بين أشخاص في الفضل، بل بين منهجين في إنتاج القرار السياسي.
أبو بكر لم يغير القرآن عندما جمعه.
وعمر لم يلغ أصلًا نصيًا عندما أنشأ الديوان.
وعثمان لم يغير الصلاة عندما غيّر وسيلة إعلام الناس بالجمعة.
وعلي لم يغير الدين عندما نقل مركز الحكم.
هذه أمثلة على:
اجتهاد بالنص ومن خلال النص وتحت سقفه.
أما إذا تحول:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾
إلى واقع يصبح فيه الحاكم هو الذي يحدد من يخلفه من أسرته، ثم تستدعى البيعة لاحقًا، فإننا لا نتحدث فقط عن وسيلة مختلفة لممارسة الشورى، بل عن إعادة توزيع الحق في إنشاء السلطة نفسها.
وهنا يظهر الفرق بين:
الاجتهاد بالنص
والاجتهاد على النص.
الأول يسأل:
كيف أحقق مقصد النص في واقع جديد؟
أما الثاني فيبدأ عمليًا بالسؤال:
كيف أجد للنص صيغة تتلاءم مع الواقع السياسي الذي قررته السلطة؟
من الفتنة إلى الملك
لم يكن الانتقال لحظة واحدة.
بدأ بمقتل عثمان، ثم تحول القصاص من قضية قضائية لها شروط إلى شرط سياسي للبيعة، ثم تحول الشرط إلى منازعة في الشرعية، ثم تحولت المنازعة إلى حرب.
وأنتجت الحرب صدمة جماعية جعلت وقف الدم ينافس حسم سؤال الشرعية، فتنازل الحسن لإنهاء الصراع، واستقر الحكم لمعاوية باعتباره تسوية لواقع استثنائي.
لكن الاستثناء لم ينته بانتهاء ظرفه، بل أريد له أن يتحول إلى نظام يستمر في الابن.
وهنا اكتملت النقلة:
من أمة تنتج الحاكم بالشورى، إلى حاكم ينتج وريثه ثم يطلب من الأمة أن تبايعه.
ولهذا فالقضية ليست خصومة تاريخية مع معاوية، ولا معركة مذهبية بين السنة والشيعة، بل سؤال أصولي وسياسي أكبر:
أين تنتهي مساحة الاجتهاد، وأين يبدأ الأصل الذي لا يملك الحاكم إعادة تشكيله باسم المصلحة؟
فالراشدون لم يتركوا دستورًا تفصيليًا مغلقًا، لكنهم تركوا نمطًا واضحًا:
النص يحدد الأصول.
والعقل يجتهد في التنزيل.
والمصلحة تعمل داخل المرجعية، لا فوقها.
ومن هنا يمكن تلخيص التحول كله في عبارة واحدة:
في الخلافة الراشدة كان الاجتهاد يبحث عن المصلحة داخل النصر.
ومع بداية الملك بدأت السياسة تبحث عن مساحة للنص داخل مقتضيات المصلحة والسلطة.
وليست قيمة التجربة الراشدة في أنها أغلقت باب الاجتهاد، بل في أنها كشفت حدوده:
العقل يجتهد في الوسيلة، ويحقق المناط، ويوازن المصالح، لكنه لا يملك أن يحول المصلحة إلى مرجعية تعلو على الأصل الذي جاء النص ليحكم به المجال نفسه.






