علي محمد علي يكتب : وزة المفتش العام
"وزة المفتش العام" مسرحية «المفتش العام» – التحفة الكوميدية على مسرح التليفزيون في ستينيات القرن الماضيتُعد مسرحية «المفتش العام»، النسخة القديمة لمسرح التليفزيون المصري، واحدة من أبرز التجارب التي جسدت…

الفنان المصري عبد المنعم مدبولي صاحب مدرسة كوميدية كبيرة وتخرج منها كبار ممثلي الكوميديا المصرية
“وزة المفتش العام”
مسرحية «المفتش العام» – التحفة الكوميدية على مسرح التليفزيون في ستينيات القرن الماضي
تُعد مسرحية «المفتش العام»، النسخة القديمة لمسرح التليفزيون المصري، واحدة من أبرز التجارب التي جسدت روح النص العالمي للكاتب الروسي نيكولاي جوجول بطريقة عربية خالصة، مع لمسة كوميدية إدارية لامعة أضافها عبد المنعم مدبولي في الإخراج، الذي استطاع أن يحوّل كل مشهد إلى قفشة حية تعكس كل هزّة في جسد البيروقراطية.
طاقم العمل:
محمد رضا
السيد راضي
حمدي أحمد
أبو بكر عزت
نوال أبو الفتوح
الفكرة الأساسية:
تدور أحداث المسرحية حول مدينة صغيرة تحكمها بيروقراطية فاسدة، حيث يعتقد الموظفون أن شخصًا عاديًا هو المفتش العام الموفد من العاصمة، يبدأ الجميع بالتملق، إخفاء الفساد، ومحاولة التملص من المسؤولية، بينما تتكشف المفارقات الكوميدية واحدة تلو الأخرى كفقاعات صابون على مياه راكدة.
نجح مدبولي في إضفاء الحركة والحياة على المسرح التليفزيوني رغم بساطة الأدوات، مستعينًا بـتوزيع مكاني ذكي للشخصيات لإبراز الفساد الإداري بطريقة كوميدية لا تُنسى، حيث الضحك يولد من مآزق الموظفين والبيروقراطية نفسها، ثم يطرق القلق أبواب المشاهد في لحظة تأمل: هل هذا مجرد ضحك، أم هو انعكاس واقعنا المرير؟
كل مشهد كان يحمل مفارقة من واقع البيروقراطية المصرية، بأسلوب ساخر، من الموظف الصغير إلى التسلط الكبير، وكلهم أمام المفتش الوهمي، قوة التمثيل كانت مرهونة بالتفاعل بين الشخصيات، ولغة الحوار كانت واضحة، بسيطة، مليئة بالسخرية المرحة وأحيانًا مريرة، تمامًا كما يحبها جمهور مسرح التليفزيون.
قصة الوزة التي دخلت التاريخ
في أحد أيام الإبداع، احتاج طاقم المسرحية إلى “وزة” لأغراض تمثيلية بحتة، فاستأجروا الوزة من سيدة طلبت ٢٥ قرشًا مقابل الليلة، لكن مسئول الإنتاج، بحسّه المالي الحاد، قال: «لو كملنا على الوضع ده، ثمن الوزة هايوصل في نهاية العرض إلى ١٠٠ جنيه!»… فقرروا شراء الوزة بخمسة جنيهات فقط.
طلب المفتش المالي أن تدخل الوزة ضمن أوراق الحكومة كممتلكات رسمية، فاستدعوا البائعة، وسجلوا رقم بطاقتها وبصمتها لإثبات الصفقة، ثم تم تسجيل الوزة في دفتر ١١١ للممتلكات الحكومية، وتكليف موظف بإطعامها وسقائها طوال فترة العرض.
بعد انتهاء العرض، دخلت الوزة مخازن الدولة، وذات يوم نسي الموظف أن يطعمها أو يسقيها… ففارقت الحياة، تحول كل من له علاقة بالمخازن إلى التحقيق في النيابة الإدارية، وسُئلوا صراحة سؤالًا ليس فيه لف أو دوران: «لماذا ماتت الوزة؟»
الإجابة: لا أحد يعرف…
تشريح الجثة
طلب وكيل النيابة تشريح جثة الوزة من مديرية الطب البيطري، فتبين أن السبب هو العطش، فتم إغلاق المحضر رسميًا، ولا توجد شبه جنائية… رحم الله وزة المفتش العام، الرمز الصامت لكل بيروقراطي صغير وأوراقه الثقيلة، ولكل ضحكة ولدت من قلب البيروقراطية نفسها.
مسرح التليفزيون
بقيت «وزة المفتش العام» علامة فارقة في تاريخ مسرح التليفزيون المصري، وأضفت بعدًا جديدًا للكوميديا الإدارية، حيث يمكن أن يكون النقد اجتماعيًا وسياسيًا ضمن ضحك مباشر وحقيقي 100%، بلا تمثيل مبالغ فيه.
الممثلون وأسلوبهم ظل مرجعًا للأجيال الجديدة في كيفية تحويل نص عالمي إلى تجربة محلية أصيلة، مع إدخال لمسة عبقرية من التفاصيل اليومية مثل الوزة… التي أصبحت رمزًا ساخرًا لهشاشة البيروقراطية، ولعبقرية التمثيل المصري.






