أنا بخير: رسالة إلى ذلك التناقض الصامت بين ما يُقال وما يُرى
هناك فقط ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس: "أنت بخير" أردد وراءه كالمجنون: "أنا بخير، أنا بخير، أنا بخير".

صورة تعبيرية للمقال
أنا بخير.. ….اطمئنوا
أنا بخير.
انا بخير
أقولها كل صباح، ليس كتأكيد، بل كتمرين رئوي ممل . كان المصريون يفتتحون يومهم بـ”صباح الورد والفل، صباح القشطة والنور والسرور”
أما اليوم فباتت “أنا بخير” هي التحية الوطنية الجديدة، وهي أيضاً بمثابة إقرار ذمة، وتبرئة ساحة، ودعاء مستجاب أن يمر اليوم دون أن يُسأل أحدنا: “رايح فين ؟
كلمة “بخير” هي أكثر كلمة كاذبة قلتها في حياتي
ولكنها أيضاً أكثرها أماناً، إنها القناع الذي نرتديه كي لا يُقرأ علينا نص المادة رقم ١٢٣٢١٢٣٤٣٢ من قانون مكافحة الإرهاب ومحاولة زعزعة المجتمع
فو الله انا بخير اطمئنوان غير اني ابحث عن سكن اقل تكلفة مما انا فيه بسبب النعيم المقيمن والخير العميم
أما عن الاقتصاد
فأنا اقصد حالتي الاقتصادية وليس لي علاقة بالنظريات الكبرى والسياسات المالية.
وان كنت منذ يومين قرأت أن التضخم “استقر” عند 14.3%. أحببت كلمة “استقر”
إنها توحي بأننا في مركب راسية في قاع المحيط، وما دامت المركب راسية، فلماذا نجزع من ارتفاع الأمواج؟
سعر الصرف “استقر” للدولار برغم عدم امتلاكي لاي رصيد دولارى ولن امتلكه .
لاني والله بخير كما ينبغي ان يكون الخير، بعض المتفذلكين اقتصاديا وهم اكيد اعداء وسفلة يقولون ان هذا الاستقرار يشبه استقرار المريض في العناية المركزة، فهو لا يتحرك، لكنه ليس بخير.
ومع ذلك، أصرخ في وجه الحقيقة: أنا بخير، لأنني لو لم أكن بخير، لكان عليّ شراء الأدوية، وأسعار الأدوية ارتفعت بنسبة كبيرة اكبر من نسبة المرض ، والادوية رفاهية لا أملكها.
وايضا المتفذلكين
يزعمون أن فاتورة الوقود قفزت من 1.3 إلى 2.5 مليار دولار في شهرين، ويزعمون أيضاً أن القطاع الخاص غير النفطي يتقلص للشهر الخامس.
أما أنا، فأزعم أنني في صحة جيدة، لأن تقلص القطاع الخاص يعني تقلص رغباتي، وتقلص رغباتي يعني نقاء الروح، ونقاء الروح هو أغلى ما نملك في هذا الزمن العصيب.
لهذا أنا شاكر، فالمعاناة تُعلي الهمة، أو هكذا يخبرني التلفزيون بين فاصلة وأخرى مثلما يبلغني انه يتطور واننا جميعا ننتظر مستقبل فيه امل وخيرات
، فلكم أن تطمئنوا .
انا بخير و رأيي في حالة إغماء عميقة.
ولا اهتم بالمستقبل لان حاضرى بخير
تخيلوا في الأسبوع الماضي شب حريق في احدي الشقق لأنهم كانوا يتناقشون في مجموعة “فيسبوك ” ونسيوا الطعام علي الموقد .
لم يكونوا يتآمرون، بل كانوا يتحدثون عن الروايات والأفلام وكرة القدم. لكن يبدو أن كرة القدم أصبحت سلاحاً ذا حدين، والروايات أصبحت أرضاً خصبة للتطرف.
أنا لست في اي مجموعات ، ولا في “فيسبوك” إلا اني فكرت في عمل صفحة ا باسم مستعار هو “شجرة الزيتون”، وأنشر فقط صوراً للطبيعة.
ولكنني مؤخراً خفت أن تُعتبر شجرة الزيتون رمزاً سياسياً،
فغيرت الاسم إلى “كرسي بلاستيكي”. الكرسي البلاستيكي آمن، لأنه لا رأي له، ولا ظل له، ولا يزعج أحداً، مثلي تماماً.
قالت “هيومن رايتس ووتش” إن المجال العام مغلق ، وإن الحبس الاحتياطي ينتشر كالفطريات.
لكن من يصدق المنظمات الدولية السفلة ؟
إنها تريد نشر الفوضى.
والفوضى ضدي، وأنا ضدي الفوضى، وأنا بخير، أليس كذلك؟
والله العظيم انا بخير كما ان الخوف من العقاب ليس خوفاً جباناً، بل هو لياقة اجتماعية، وحكمة سياسية، وشهامة وطنية.
فأنا لا أريد أن أغرم ماليا بتهمة “نشر أخبار كاذبة”، لأنني لود أملك اي اموال كنت استأجرت مكانا اعيش فيه بعيدا عن بيت الورثة المتهالك من كثرةساكنيه الفقراء والذين هم في منتهي السعادة وفي خيرات وقطوف دانية مثلي.
انا بخير اطمئنوا وكذلك الورثة
اه لو معي نقود كنت اشتريت بها نصف كيلو لحم ووزعت الباقي على المحتاجين، لكنني لا أملك، لذا فأنا في مأمن من القانون.
المفارقة عجيبة: الفقر درع، والجهل سيف، والصمت تاج، وأنا أرتدي الثلاثة معاً.
في المساء، اغلق اي استهلاك للكهرباء، وأشعل شمعة.
في ظل الشمعة، أرى ظلي ممتداً على الجدار، طويلاً وكئيباً.
أتساءل: هل هذا أنا؟ أم أنها روح البلاد التي تلاحقني؟ أطفئ الشمعة، فأختفي تماماً. ….وفي الظلام الدامس، لا يوجد اقتصاد، ولا سياسة، ولا خوف.
هناك فقط ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس: “أنت بخير”
أردد وراءه كالمجنون: “أنا بخير، أنا بخير، أنا بخير”.
الكاذبون يقولون إن 60% من المصريين لا يستطيعون توفير الطعام.
أنا لست منهم، لأنني تعلمت ألا أعتبر الطعام ضرورة، بل رفاهية مؤقتة،.
الجوع ليس ألماً، بل هو نظام غذائي وطني تفرضه الظروف.
الظروف هي أم المؤمنين في عصرنا هذا.
غداً، سأستيقظ.
سأفتح النافذة على عادتي، سأشم هواء الحي الذي اسكنه، سأرى البنايات الجديدة التي لا أسكنها، سأقرأ خبراً عن افتتاح مشروع قومي وآخر عن ارتفاع أسعار الدواجن، سأشاهد مسؤولاً يبتسم ويقول:
“الثقة في المستقبل”.
سأبتسم مثله، وسأقول لزملائي في العمل برغم اني في بطالة من سنوات ، ولجيراني الفقراء السعداء في بيت الورثة ، ولشرطي المرور في الإشارة، وللمذيع في الشاشة التي لا تفارقني:
“أنا بخير، اطمئنوا”
ولكني في داخلي، حيث لا تصل إليها الكاميرات ولا الميكروفونات ولا عسس الفيسبوك ، أردد سؤلاً واحداً، ليس لأحد، بل لذاكرتي التي بدأت تصدأ:
كم مرة كذبت حتى صدقت الكذبة؟
ومتى كان “البخير” هو الإجابة الصحيحة، وليس السؤال الخطأ؟
اطمئنوا يا سادة، فلن أتعب أكثر من هذا.
فلستُ أملك رفاهية التعب. التعب الآن أصبح سلعة كمالية، والسلع الكمالية مستوردة، والمستورد ممنوع، وأنا مصري أصيل.احبها بكل روحي ودمي
أنا بخير.
حقاً.
لا تُرهقوا أنفسكم بالسؤال.
هذه النهنهه التي تسمعونها مجرد الم بسيط في اعضائي الداخلية يبدو انها خانتني واهانتني .. ولكنه سوف يمر مثل كل مر
كل مر سوف يمر لنظل جميعا بخير كما تعودنا ..
كونوا بخير.






