علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
أخبار أخر الكلام
أخبار أخر الكلام

فريق عمل غرفة الأخبار في "أخر الكلام"

 حصيلة موت جديدة في غزة تحت أعين العالم

في الرابع من سبتمبر أعلن مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان صراحة أن «إراقة الدماء في غزة يجب أن تتوقف»، مؤكدًا أن ملاحقة إسرائيل لمن تعتبرهم أهدافًا مشروعة لا تعفيها من التزاماتها بموجب القانون الدولي.

مشاركة:
حجم الخط:

 ورصاص وقصف وطائرات مسيّرة تلاحق الفلسطينيين

هكذا بدأ يوم الاثنين 21 سبتمبر، في مشهد يعيد فتح جراح قطاع لم يعد يعرف أين يمكن لسكانه أن يختبئوا من الموت.

ارتفعت حصيلة الضحايا الفلسطينيين منذ صباح اليوم إلى أربعة شهداء في قطاع غزة، عقب استهداف طائرة إسرائيلية مسيّرة تجمعًا للمواطنين في منطقة السكة وسط خان يونس، بالتزامن مع حوادث إطلاق نار وقصف في شمال ووسط وجنوب القطاع أسفرت عن إصابات.

لكن المشهد الأكثر قسوة ربما كان في وسط القطاع، حيث سقطت فداء خضر طوطح، 31 عامًا، برصاصة في الرأس. امرأة انتهت حياتها في لحظة، بينما بقي خلفها ستة أطفال يواجهون العمر من دون أم.

في الجنوب

استشهد الطفل إسماعيل البردويل بعد إصابته برصاصة في الصدر في منطقة مواصي رفح، فيما توفي الشاب محسن أحمد مصطفى بهجة متأثرًا بإصابة في الرأس بنيران طائرة مسيّرة شمال القطاع.

ويحدث كل ذلك في وقت تتوالى فيه البيانات الدولية والدعوات إلى وقف إراقة الدماء، بينما لا تزال الضربات وإطلاق النار تحصد أرواحًا فلسطينية.

في الرابع من سبتمبر أعلن مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان صراحة أن «إراقة الدماء في غزة يجب أن تتوقف»، مؤكدًا أن ملاحقة إسرائيل لمن تعتبرهم أهدافًا مشروعة لا تعفيها من التزاماتها بموجب القانون الدولي.

وهنا يبرز السؤال الذي يلاحق الغزيين مع كل جنازة جديدة: ما قيمة بيانات الإدانة وخطط السلام إذا لم تتحول إلى حماية فعلية للمدنيين على الأرض؟

كل يوم أم تفقد أولادها وأولاد يفقدون أماتهم والعالم صامت
كل يوم أم تفقد أولادها وأولاد يفقدون أماتهم والعالم صامت

فداء.. ستة أطفال أمام فراغ لا تملؤه الأرقام

اختصار فداء طوطح في رقم جديد داخل قوائم الضحايا يحجب جانبًا أساسيًا من الكارثة. فداء كانت أمًا لستة أطفال، وحين حمل المشيعون جثمانها لم تكن أسرتها تودع رقمًا في نشرة إخبارية، بل امرأة كانت تمثل مركز حياة بيت كامل.

وراء عبارة «31 عامًا» عائلة انقسم زمنها إلى ما قبل الرصاصة وما بعدها؛ أطفال سيعودون إلى المكان الذي كانت أمهم تملؤه بالصوت والحركة، فلا يجدون سوى الغياب.

سبتمبر.. شهر لم ينتظر نهايته ليفتح دفاتر الموت

منذ بدايات الشهر ظل القتل والإصابات حاضرَين في تقارير المؤسسات الدولية. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن المدنيين في غزة ما زالوا يواجهون أخطارًا تهدد حياتهم وسط الدمار الواسع والضربات المستمرة والقيود المفروضة على دخول بعض المستلزمات والمعدات الأساسية.

وفي الثامن من سبتمبر استهدفت غارة مبنى في البريج قرب مدرستين تابعتين للأمم المتحدة تؤويان نازحين، ما أدى إلى فقدان عشرات العائلات لمأواها أو تضرره. كما وثقت تقارير أممية استمرار سقوط قتلى وجرحى خلال الشهر.

أما في 16 سبتمبر، فتحول الدمار القديم نفسه إلى قاتل جديد، بعدما انهار مبنى من ستة طوابق متضرر من الحرب في تل الهوى بمدينة غزة، ما أسفر، وفق الدفاع المدني الذي نقلت عنه الأمم المتحدة، عن مقتل 21 شخصًا، بينهم 12 طفلًا.

موت لا يحتاج دائمًا إلى صاروخ جديد

انهيار تل الهوى كشف وجهًا آخر للمأساة. فالبيوت التي أصابتها الحرب لم تعد مجرد أطلال؛ بعضها أصبح قنبلة مؤجلة فوق رؤوس سكان اضطروا للعودة إليها لغياب البديل.

فالأسرة التي لا تجد خيمة مناسبة قد تسكن بناءً تعرف أنه متصدع، والتي تهرب من القصف قد تجد نفسها أمام نقص الماء والغذاء والدواء أو أمام شتاء جديد لا توجد استعدادات كافية لمواجهته.

تقول الأمم المتحدة إن معظم سكان غزة لا يزالون نازحين، وإن القيود على الحركة والإمدادات إلى جانب نقص التمويل تعرقل قدرة الوكالات الإنسانية على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

“مجلس السلام” خريطة طريق لا تزال عاجزة عن وقف الرصاص

في خلفية هذا المشهد يقف مجلس السلام الخاص بغزة، الذي يفترض أن يشكل أحد الأطر الدولية الرئيسية لتنفيذ خريطة الطريق السياسية والأمنية للقطاع.

لكن الفجوة بين الورق والميدان ما تزال واسعة.

في السابع من سبتمبر قال نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لغزة في مجلس السلام، إن إسرائيل مطالبة بتنفيذ التزاماتها ضمن خريطة الطريق لكي تتقدم العملية، مضيفًا أن الوضع لم يصل بعد إلى المرحلة التي تغير حياة سكان غزة على النحو المطلوب.
وكان مسؤول في المجلس قد أكد في أغسطس أن الخطة لا تزال قائمة، لكنه أقر بأن المناقشات مع إسرائيل مستمرة بعدما رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الانسحاب قبل نزع سلاح حماس بصورة كاملة.

بذلك يجد الفلسطيني في غزة نفسه أمام مفارقة شديدة القسوة:

مجلس يحمل اسم السلام ويتحدث عن الانسحاب وإعادة الإعمار وقوة استقرار دولية، بينما تظل آليات التنفيذ محل تفاوض، ويستمر سقوط المدنيين على الأرض.

لا يعني ذلك غياب التحركات أو المواقف الدولية

فالأمم المتحدة ومؤسسات حقوقية ومجلس السلام نفسه أصدروا تحذيرات ومطالبات واضحة.

لكن المشكلة التي تثيرها المنظمات الحقوقية والجهات الفلسطينية تتمثل في الفجوة بين إصدار البيانات وبين امتلاك آليات فعالة تضمن حماية المدنيين وفرض الالتزام بما تم الاتفاق عليه.

وقد اعتبرت اللجنة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني في 15 سبتمبر أن المجتمع الدولي أخفق في تحويل قواعد القانون الدولي إلى حماية فعالة للمدنيين، مطالبة بآليات مراقبة ومساءلة أكثر فاعلية.

حين تتحول «الإدانة» إلى خبر المتكرر

على مدى سنوات الحرب، امتلأت بيانات المؤسسات الدولية بتعبيرات مثل «القلق»، و«ضرورة حماية المدنيين»، و«وقف التصعيد»، و”الالتزام بالقانون الدولي”

لكن في غزة، لا تقاس فاعلية تلك الكلمات بعدد البيانات الصادرة، وإنما بعدد الأرواح التي تستطيع حمايتها.

في سبتمبر 2026، ما تزال الأمم المتحدة نفسها تقول إن سكان غزة يواجهون مخاطر تهدد الحياة وإن الضربات والقيود والدمار الهائل مستمرة رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

إذا كان المجتمع الدولي يملك القدرة على إحصاء الضحايا بعد سقوطهم، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى سكان القطاع هو: من يمتلك الإرادة لمنع سقوط الضحية التالية؟

غزة.. حياة معلقة بين الرصاصة والركام

لم تعد المأساة في غزة قصفًا فقط، إنها مبنى قد يسقط، ومخيمًا قد تصل إليه قذيفة، ومستشفى يعاني نقص الإمكانات، وأسرة فقدت بيتها، وأمًا تخرج فلا تعود.

الأكثر مرارة أن ذلك يحدث بينما توجد اتفاقات ومسارات تفاوض ومجلس يحمل اسم «السلام» ومؤسسات دولية تكرر ضرورة حماية المدنيين.

لكن بالنسبة إلى أسرة فداء طوطح، كل هذه المصطلحات السياسية والدبلوماسية تصبح بعيدة أمام حقيقة واحدة لا يمكن تعديلها ببيان جديد:

هناك ستة أطفال عادوا اليوم إلى بيتهم من دون أم.

في مكان ما من غزة، ربما تستعد عائلة أخرى للحظة الفقد نفسها.

فالسلام الذي لا يمنع الرصاصة من الوصول إلى المدني، ولا يجعل وقف إطلاق النار وقفًا فعليًا للنار، يظل بالنسبة إلى الغزيين وعدًا معلقًا فوق أرض ما زالت تدفع ثمن الانتظار.

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.