مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

واشنطن تكتب شروط الاستسلام ولبنان يوقّع بلا حبر

لم يكن هناك خطأ في التقدير بقدر ما كان هناك إصرار على تجاهل ما تغيّر. الذهاب كان تحت عنوان وقف إطلاق النار، بينما الطاولة كانت معدّة لشيء آخر تماما.

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم: معتز منصور – كاتب وباحث سياسي

لم يخرج لبنان من مفاوضات واشنطن خالي الوفاض، بل خرج محملا بجواب واضح لم يكن يريد سماعه. لم يكن هناك خطأ في التقدير بقدر ما كان هناك إصرار على تجاهل ما تغيّر. الذهاب كان تحت عنوان وقف إطلاق النار، بينما الطاولة كانت معدّة لشيء آخر تماما.

حين تعلن وزارة الخارجية الأميركية عن “إنجاز تاريخي” من دون وقف نار، فهي لا تمارس خدعة لغوية، بل تكشف عن تعريف مختلف لما تعتبره إنجازا. الإنجاز، في القاموس الأميركي، لم يعد تهدئة الجبهة، بل نقل مركز الصراع من الحدود إلى داخل الدولة اللبنانية نفسها. من يظن أن المعركة كانت في الجنوب فقط، لم يفهم بعد لماذا انعقدت هذه المفاوضات أصلا.

البيان لم يترك مساحة للتأويل. احتكار التفاوض أولا، ثم ربط أي تهدئة بنزع السلاح ثانيا. هذان ليسا بندين ضمن سلة شروط، بل هما جوهر المسار. حين يُقال إن أي اتفاق يجب أن يتم بين الحكومتين وتحت رعاية واشنطن، فهذا يعني شطب كل الوقائع التي فرضها الميدان، وفي مقدمتها وجود حزب الله كطرف يملك قرار الاشتباك. المسألة لم تعد كيف نوقف النار، بل من يملك حق تقرير متى تُطلق ومتى تُطفأ.

في المقلب الآخر، لم تكن إسرائيل أقل وضوحا. الدعوة إلى نزع سلاح “الجماعات غير الحكومية” ليست مطلبا تفاوضيا قابلا للأخذ والرد، بل ترجمة سياسية لهدف عسكري لم يتحقق. وحين يُطرح هدف الحرب كشرط لإنهائها، فنحن لا نكون أمام مفاوضات، بل أمام محاولة فرض نتيجة مسبقة على طاولة لم تعد متكافئة.

أما لبنان، فقد دخل بلغة لم تعد صالحة. التمسك بإعلان نوفمبر 2024 كمرجعية وحيدة يعكس فجوة أعمق من مجرد اختلاف في الصياغات. هناك من يتفاوض على أساس ما كان، وهناك من يفرض شروط ما يجب أن يكون. هذه ليست فجوة في المواقف، بل في الزمن السياسي نفسه.

المشكلة الحقيقية ليست في ضعف الوفد اللبناني كما يحب البعض التبسيط. هذا تبسيط مريح، لكنه مضلل. المشكلة أن العرض المطروح ليس قابلا للتفاوض أصلا ضمن الشروط القائمة. أنت لا تناقش بنودا تقنية، بل تُدفع نحو إعادة تعريف بنية القوة داخل بلدك. هذا ليس تفاوضا، بل اختبار سيادة مغلف بلغة دبلوماسية.

واشنطن تريد دولة لبنانية “تحتكر القوة”. عبارة تبدو بديهية في أي سياق آخر، لكنها هنا تُستخدم كأداة لإعادة ترتيب الداخل بما يتوافق مع أمن إسرائيل لا مع توازنات لبنان. الفكرة ليست بناء دولة قوية، بل بناء دولة بوظيفة محددة سلفا. وهذا فرق هائل يتعمد الخطاب السياسي إخفاءه.

المفارقة أن هذا المسار يُقدَّم كطريق للاستقرار، بينما يحمل في داخله بذور العكس تماما. أي محاولة لفرض معادلة داخلية لا تعكس موازين القوة الواقعية ستؤدي إلى نتيجة واحدة: انفجار مؤجل. لا يمكن إعادة هندسة بلد مركب بقرار خارجي، ثم توقع أن ينتج ذلك استقرارا مستداما. هذه ليست هندسة، بل مقامرة.

ما جرى في واشنطن يجب قراءته بلا أوهام. لم يكن الهدف وقف الحرب، بل تغيير شروطها. لم يكن المطلوب تهدئة، بل إعادة تعريف من يملك حق القتال. ومن هنا، فإن كل حديث عن جولات تفاوضية مقبلة “أفضل” يفوّت النقطة الأساسية. الإطار نفسه هو المشكلة، لا تفاصيله.

السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن ليس: متى يتحقق وقف إطلاق النار، بل: على أي أساس سيُبنى إن تحقق؟ لأن وقف نار مشروط بإعادة تشكيل الداخل، ليس وقفا للحرب، بل امتدادا لها بأدوات مختلفة.

واشنطن لم تفشل. واشنطن قالت بوضوح ما تريده. المشكلة أن لبنان ذهب ليسمع شيئا آخر.

شارك المقال: