محمد فؤاد يكتب: الأقصى في عين العاصفة
لم يبدأ الصدام حول الأقصى اليوم، في 8 أكتوبر 1990 شهد الحرم واحدًا من أكثر أيامه دموية، مجلس الأمن قال في القرار 672 إن الأحداث أدت إلى مقتل أكثر من عشرين فلسطينيًا وإصابة أكثر من 150،
المسحد الاقصى يتعرض لخروقات وخروقات ضخمة
تاريخ من الاقتحامات والحفريات ومحاولات تغيير هوية القدس
من الحفريات والأنفاق حول الحرم إلى الصلاة اليهودية داخله.
معركة «الوضع القائم» تعيد القدس إلى حافة الانفجار،ليست قضية المسجد الأقصى في الوعي العربي والفلسطيني مجرد خلاف على موقع ديني أو ساعات زيارة، إنها واحدة من أكثر قضايا القدس اتصالًا بالهوية والسيادة والذاكرة.
منذ احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967، تتراكم حول الحرم القدسي إجراءات ووقائع يراها الفلسطينيون والأردن مسارًا متدرجًا لتغيير الوضع التاريخي للمكان، فيما تدعي إسرائيل إن كثيرًا من تحركاتها مرتبطة بالأمن أو بحرية الزيارة أو بأعمال أثرية وترميمية.
لكن ما يجعل المخاوف العربية تتجاوز لغة الشعارات أن جانبًا مهمًا من هذه الوقائع أصبح موجودًا في سجلات الأمم المتحدة واليونسكو نفسها، من القيود على وصول المصلين إلى أعمال الحفر والأنفاق والمشروعات الأثرية حول أسوار الحرم والبلدة القديمة.
وفي سبتمبر 2026، عادت القضية بقوة إلى الواجهة بالتزامن مع توتر أمني جديد في الضفة الغربية وتصاعد النشاط الإسرائيلي في الحرم خلال موسم الأعياد اليهودية.
في 20 سبتمبر سجلت الضفة مقتل إسرائيلي في إطلاق نار قرب رام الله، ومقتل فلسطيني قالت القوات الإسرائيلية إنه حاول تنفيذ عملية دهس؛ ولم تتمكن رويترز من التحقق بصورة مستقلة من الرواية الإسرائيلية للحادث الثاني.
من «الزيارة» إلى الصلاة.. خطوط الوضع القائم تتراجع
جوهر الأزمة الحالية هو ما يعرف تاريخيًا بـ«الوضع القائم» في المسجد الأقصى:
إدارة دينية إسلامية تتولاها دائرة أوقاف القدس المرتبطة بالأردن، مع السماح لغير المسلمين بالزيارة في أوقات محددة، من دون أداء شعائر دينية يهودية داخل الحرم.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات لافتة، ففي يوليو 2026 دخل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الحرم، وتحدث علنًا عن التقدم الذي تحقق في أداء اليهود الصلاة داخله، بينما أظهرت الصور أحد الزائرين وهو ينحني للصلاة.
وأكدت رويترز أن هذه الممارسة تخالف الترتيبات التاريخية التي تتيح الزيارة لليهود ولا تتيح لهم الصلاة؛ وأدان الأردن والجانب الفلسطيني الخطوة باعتبارها خرقًا للوضع القائم.
ولم يبدأ هذا التحول في 2026،ففي مايو 2025 أعلن بن غفير من داخل الحرم أن الصلاة اليهودية أصبحت ممكنة، في وقت كان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي يتمسك رسميًا بعدم وجود تغيير في السياسة المعتمدة.
وهنا تحديدًا ترى القراءة الفلسطينية والعربية أن الخطر لا يكمن في حادث منفرد، بل في تحول الاستثناء إلى ممارسة، والممارسة إلى واقع جديد يصعب التراجع عنه.

الحفريات والأنفاق.. ماذا تقول الوثائق فعلًا؟
هذه واحدة من أكثر القضايا حساسية وأكثرها عرضة للمبالغة أيضًا، إلا أن وجود شبكة كبيرة من الحفريات والأنفاق الإسرائيلية حول الحرم والبلدة القديمة ليس ادعاءً بلا أساس.
فالجهة الإسرائيلية المسؤولة عن «أنفاق الحائط الغربي» تقول بنفسها إن أعمال الكشف والحفر التي انطلقت بعد حرب يونيو 1967 امتدت تحت أحياء سكنية مبنية بمحاذاة الحائط الغربي للحرم، وإن العمل في النفق استمر لنحو عشرين عامًا بهدف كشف امتداد الجدار وآثاره.
كما تعرض مؤسسة الحائط الغربي رسميًا مواقع حفر أخرى تحت منشآت في المنطقة، من بينها حفريات «الجسر الكبير» وبيت شتراوس ومناطق تحت كنيس أوهيل يتسحاق، باعتبارها مواقع أثرية مرتبطة بتاريخ القدس القديم.
أما الموقف الأردني والفلسطيني فيذهب إلى أبعد من ذلك، فالتقرير الرسمي المشترك الذي قُدم إلى اليونسكو عن عام 2025 خصص فصولًا كاملة للحفريات في منطقة القصور الأموية جنوب الأقصى، وحفريات موقف جفعاتي في سلوان، وشبكة أنفاق سلوان المتجهة نحو منطقة الحرم، وغيرها من التدخلات الأثرية المحيطة به.
والأهم أن لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو لم تتجاهل الملف.
ففي قرارها لعام 2026 أعربت عن أسفها لاستمرار الحفريات والأنفاق والأعمال والمشروعات المبلغ عنها في القدس الشرقية، ولا سيما في البلدة القديمة وحولها، واعتبر القرار الممارسات المخالفة للاتفاقيات والقرارات الدولية غير قانونية، كما أبقت البلدة القديمة وأسوارها على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.
هنا يجب التمييز بدقة، هناك حفريات وأنفاق موثقة حول الحرم، بمحاذاة جداره الغربي، وتحت مناطق من البلدة القديمة وسلوان.
أما القول بأن كل هذه الأنفاق تمر مباشرة تحت مبنى المصلى القبلي نفسه، فليس مثبتًا بصورة مستقلة بالدرجة نفسها.
تقارير أردنية وفلسطينية قُدمت إلى اليونسكو تتحدث عن أنفاق وحفريات تقول إنها تمتد إلى مناطق أسفل الحرم أو تهدد أساساته.
وقد نقل تقرير للتراث العالمي مخاوف أردنية من عدة مسارات، بينها أنفاق قرب باب الغوانمة والحائط الغربي وتحت ساحته.
لكن هذه التفاصيل تستند في جانب منها إلى التقارير المقدمة من الأردن وفلسطين، ومن ثم فإن نسبتها إلى أصحابها أكثر دقة صحفيًا من تقديمها جميعًا باعتبارها نتيجة فنية مستقلة لليونسكو.

1990، الدم الذي وضع الأقصى أمام مجلس الأمن
لم يبدأ الصدام حول الأقصى اليوم، في 8 أكتوبر 1990 شهد الحرم واحدًا من أكثر أيامه دموية، مجلس الأمن قال في القرار 672 إن الأحداث أدت إلى مقتل أكثر من عشرين فلسطينيًا وإصابة أكثر من 150، بينهم مدنيون ومصلون، وأدان بصورة خاصة أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الأمن الإسرائيلية. واعتمد القرار بالإجماع.
كانت تلك لحظة فارقة في التاريخ الحديث للأقصى:
المسجد لم يعد فقط مسرحًا لمواجهة محلية، بل أصبح قادرًا على دفع ملف القدس خلال أيام إلى مجلس الأمن.
2000 شرارة انتفاضة حملت اسم المسجد
في 28 سبتمبر 2000 دخل أرييل شارون، وكان زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك، الحرم برفقة أكثر من ألف شرطي.
تقرير لجنة ميتشل الدولية سجل أن الفلسطينيين اعتبروا الزيارة استفزازًا شديدًا، وأن مواجهات اليوم التالي أسفرت، وفق بيانات الخارجية الأمريكية التي أوردها التقرير، عن مقتل أربعة فلسطينيين وإصابة نحو مئتين بعد استخدام الشرطة الإسرائيلية الرصاص المعدني المغلف بالمطاط والذخيرة الحية، ثم اتسعت الأحداث إلى الانتفاضة التي حملت اسم «انتفاضة الأقصى»
2021.. القدس تشعل حربًا تتجاوز أسوارها
في مايو 2021 تداخل ملف الأقصى مع التوتر حول حي الشيخ جراح والمواجهات في القدس. وأصبحت صور دخول الشرطة الإسرائيلية إلى باحات الحرم واستخدام القوة ضد فلسطينيين جزءًا من أزمة امتدت سريعًا إلى غزة.
وتشير رويترز إلى أن أحداث الأقصى في ذلك العام ساهمت في إشعال جولة قتال استمرت 11 يومًا بين إسرائيل وحماس، وأن قيادة الحركة قدمت لاحقًا تلك الأحداث باعتبارها أحد دوافعها الرئيسية.

الأقصى.. حين تصبح الجغرافيا معركة على الهوية
لهذا لا يمكن قراءة ما يحدث في المسجد الأقصى كوقائع منفصلة: زيارة وزير هنا، مجموعة مستوطنين هناك، صلاة تؤدى تحت حماية الشرطة، باب يغلق، حفريات أثرية تتوسع، أو نفق يفتتح أمام الزائرين.
في الرؤية الفلسطينية والعربية، تتصل هذه الوقائع بسؤال أكبر: من يملك حق تحديد هوية القدس ومستقبل مقدساتها؟
وفي المقابل، تقول إسرائيل إن للمدينة جذورًا يهودية عميقة، وتعرض الحفريات بوصفها كشفًا للآثار وتوثيقًا لتاريخ القدس، كما تؤكد حكوماتها رسميًا في مناسبات مختلفة التزامها بالوضع القائم، رغم تصريحات وممارسات شخصيات في اليمين الإسرائيلي تدفع باتجاه توسيع الصلاة والوجود اليهودي داخل الحرم.
لكن الوثائق الدولية تجعل من الصعب اختزال المخاوف بشأن الحفريات والإجراءات الإسرائيلية في وصفها بأنها مجرد «دعاية سياسية»
ففي يوليو 2026 أعادت لجنة التراث العالمي تسجيل اعتراضها رسميًا على الحفريات والأنفاق والأعمال المبلغ عنها في القدس الشرقية والبلدة القديمة.
وهكذا، من دماء أكتوبر 1990 إلى زيارة شارون عام 2000، ومن مواجهات 2021 إلى التغييرات المسجلة في 2025 و2026، يظل الأقصى نقطة تتقاطع عندها العقيدة بالتاريخ، والتاريخ بالسياسة، والسياسة بالصراع على الأرض.
الخطر الأكبر ربما لا يكون في انفجار كبير ومفاجئ، بل في تراكم تغييرات صغيرة تصنع، مع مرور الزمن، واقعًا مختلفًا بالكامل عما كان عليه المسجد والقدس قبل عقود.
شاركنا برأيك