تقرير: حين تتحول القاهرة إلى استوديو مفتوح للترند
في 5 سبتمبر قضت محكمة جنايات القاهرة بإعدام سارة خليفة وعدد من المتهمين، بينما كانت قد نفت الاتهامات الموجهة إليها خلال المحاكمة.
أصبح التصوير بالهاتف وسيلة شهرة وثيقة إدانة أو منصة دفاع
القاهرة على زر “REC”
العروس تركب المترو، وطفل يصل في صندوق الدليفري، و«مستشار» يريد الشهرة، ومحامية تشعل المنصات.. وفي الخلفية مدينة تصوّر نفسها بلا توقف
كان القاهري قديمًا إذا شاهد خناقة يسأل: في إيه؟
اليوم تغيّر السؤال إلى: حد صوّر؟
فالواقعة التي لا تمر بالكاميرا أصبحت مهددة بالموت المبكر، بينما خلاف صغير في شارع جانبي يمكنه، إذا التقطه هاتف في اللحظة المناسبة، أن يتحول في اليوم التالي قضية رأي عام، ويصبح صاحبه خبيرًا أو متهمًا أو ضحية أو نجمًا، وأحيانًا الأربعة معًا خلال 24 ساعة.
المدينة مناسبة تمامًا لهذا الجنون، فوفق التعريف المكاني الموحد الجديد للأمم المتحدة، بلغ سكان القاهرة ككتلة حضرية نحو 25.6 مليون نسمة في 2025، لتصبح ضمن أكبر عشر مدن في العالم.
لكن الأخطر من عدد السكان هو عدد العيون المحمولة في الجيوب: مصر لديها نحو 51.6 مليون هوية مستخدم للسوشيال ميديا، وأدوات تيك توك الإعلانية تضع جمهور المنصة البالغ الممكن الوصول إليه عند نحو 48.8 مليون شخص.
دينا عزت.. حين أصبح الهاتف مذكرة دفاع
أحدث القصص وأكثرها اشتعالًا جاءت من مدينة نصر.
دينا عزت ظهرت في مقاطع متداولة تتهم قوة أمنية باقتحام منزلها والقبض على زوجها والاستيلاء على أموال ومشغولات ذهبية، وربطت ذلك ـ وفق ما نُشر عن روايتها ـ بخلاف يتعلق بطلب أموال من زوجها.
خلال ساعات لم تعد القضية شأن أسرة ومحضر وتحقيق، بل أصبحت مباراة مفتوحة بين الفيديو والبيان.
وزارة الداخلية نفت روايتها، وقالت إن الزوج ضُبط في 26 يوليو متلبسًا بتعاطي الحشيش، وإنه أقر ـ بحسب البيان الرسمي ـ بالاتجار وأرشد إلى مخدرَي «الآيس والحشيش» ومبالغ مالية وسلاح أبيض داخل مسكنه، وإن النيابة قررت حبسه على ذمة التحقيق. كما قالت الوزارة إن نشر المقاطع استهدف التشكيك في إجراءات الضبط.
بين الروايتين دخل الجمهور بالآلاف إلى غرفة التحقيق الافتراضية
نقاشات واسعة على Reddit، وهي بالطبع لا تمثل استطلاعًا للرأي العام، أظهرت تعاطفًا واضحًا مع دينا وتشكيكًا في الرواية الرسمية ومطالبات بفحص التسجيلات التي قالت إنها وثقتها.
وهكذا أصبح الهاتف ليس مجرد أداة تصوير؛ صار عند المواطن كاميرا مراقبة، ومحاميًا، ومنصة استغاثة، بينما يبقى الفصل في الوقائع للجهات القضائية لا لمحكمة «الشير “
القاضي الذي احتاج إلى الترند كي يشعر أنه موجود
إذا كانت دينا استخدمت المنصة للدفاع عن روايتها، فهناك من اعترف، وفق تحقيقات منشورة، بأنه احتاج إليها ليصنع لنفسه حياة كاملة.
في قضية ما عُرف إعلاميًا بـ القاضي المزيف، نشرت «المصري اليوم» نصوصًا من التحقيقات مع متهم بانتحال صفة قضائية.
حين سُئل لماذا كرر الأمر رغم تجربته السابقة مع القانون، جاءت الإجابة التي تصلح وحدها لشرح عصر كامل:
قال إنه شعر بأنه «مش تريند» وإنه يحب أن يتحدث الناس عنه، وإنه أراد التقاط الصور داخل المحكمة ونشرها على تيك توك لإقناع أهل بلدته بأنه مستشار وله قيمة.
قبل عشرين عامًا كان المنتحل يحتاج بطاقة مزورة وختمًا. اليوم يحتاج أيضًا حلقة إضاءة وحساب تيك توك.

محامية سوهاج.. القضية انتهت لكن «الفلاتر» بقيت
ثم جاءت لؤة خلف، محامية سوهاج، فصار مظهر محامية شابة أهم على المنصات من نصوص قانون المحاماة نفسها.
قرار وقفها الاحتياطي عن ممارسة المهنة كان قد صدر أصلًا في يونيو، لكنه انفجر على السوشيال ميديا بعد شهر، وتحولت القصة إلى معركة حول الحجاب والمظهر والفلاتر والنقابة وحق المرأة في اختيار شكلها.
نقابة محامي سوهاج قالت إن الوقف لا يتعلق بالحجاب، وإن المحامية كانت مقيدة منذ نحو 35 يومًا فقط وإن هناك شكاوى مرتبطة بسلوك مهني وإجراءات تأديبية.
وفي المقابل، قالت لؤة إنها تتعرض لضغوط وتنمر وإن قضيتها ليست مجرد «ترند»، وتمسكت بروايتها عن وجود هجوم على مظهرها.
ثم وقع عليها العقاب الأعنف الذي تمنحه الخوارزمية:نسيتها.
فالترند لا ينتظر نتيجة التأديب ولا منطوق الحكم؛ لديه فتاة جديدة، ومشاجرة أحدث، وفيديو أكثر لمعانًا.
سارة خليفة.. من الشاشة إلى أكثر ملفات العام رعبًا
على الطرف الآخر تمامًا، جاءت قضية الإعلامية والمنتجة السابقة سارة خليفة لتمنح مواقع التواصل مادة لا تحتاج إلى أي توابل إضافية.
المرأة التي عرفها الجمهور من الشاشات والإنتاج وجدت نفسها ضمن قضية اتهمت فيها النيابة عددًا من الأشخاص بتكوين تنظيم لجلب مواد خام وتصنيع المخدرات والاتجار بها.
وفي 5 سبتمبر قضت محكمة جنايات القاهرة بإعدام سارة خليفة وعدد من المتهمين، بينما كانت قد نفت الاتهامات الموجهة إليها خلال المحاكمة.
القصة نفسها مرعبة، لكن «السوشيال ميديا» أعادت إنتاجها كمسلسل:
صور قديمة، مقاطع من برامج، علاقات سابقة، شائعات، عناوين تتنافس على أكبر قدر من الصدمة، حتى أصبح من الصعب أحيانًا معرفة أين ينتهي ملف القضية وأين يبدأ سيرك الفضول الرقمي.
طفل مع الأوردر.. وعروسة في المحطة التالية
في الجانب الكوميدي، تبدو القاهرة وكأنها تكتب اسكتشاتها بنفسها
في الهرم طلبت سيدة من عامل دليفري ألا يأتيها بالطعام فقط، وإنما يمر على الحضانة ويأتي بابنها معها.
العامل قال إن الطفل خاف منه فاشترى له حلوى، ثم وضعه داخل صندوق الطلبات خلف الدراجة لأن الشمس كانت تضايقه. الأم، بحسب روايته، اتصلت لاحقًا تسأل عن الطعام الذي لم يحضره.
قبلها تحولت عربة مترو إلى قاعة أفراح حين صعد عروسان بملابس الزفاف، فتحولت الرحلة إلى «زفة المترو» التي انتشرت خلال ساعات.
في التجمع الخامس خرجت قصة «سارقة السيارة» قبل أن يكشف الفحص أنها مدرسة ركبت سيارة أخرى بالخطأ ظنًا أنها سيارة زميلتها.
أما سائق آخر فرأى أن الزحام يمكن حله بالعبور فوق الرصيف، وقال بعد ضبطه إنه فعل ذلك لاختصار الطريق.
القاهرة إذن مدينة تستطيع في أسبوع واحد أن تنتج «سرقة بلا سارقة»، و«طريقًا فوق الرصيف»، و«حضانة بخدمة الدليفري»، و«فرحًا بتذكرة مترو»
كاميرا تُنصف عاملًا.. وكاميرا تنقذ طفلة
ليست الحكايات كلها هزلًا، عامل دليفري في الرحاب صُوِّر وهو يتناول إفطاره في حديقة، وتحولت الصورة التي بدأت باعتراض على وجوده إلى موجة تعاطف واسعة انتهت بمنحه 100 ألف جنيه مكافأة.
وفي النزهة أدى انتشار فيديو لطفلة عمرها عشر سنوات بلا مأوى ومن ذوي الاحتياجات الخاصة إلى تحديد مكانها وإيداعها دار رعاية بالتنسيق مع الجهات المعنية.
وفي المعادي ساعد مقطع نشرته طالبة عن رجل كان يتتبعها في تحديده وضبطه، وقال وفق بيان الداخلية إنه كان يقصد معاكستها.
أي أن الكاميرا التي تستطيع التشهير ببريء تستطيع أيضًا إنقاذ إنسان، والفرق أحيانًا ليس في الهاتف بل في ضمير من يحمله.
3.6 مليون فيديو في سلة المهملات.. والمصنع مستمر
أما الرقم الذي يكشف حجم الجنون، فهو أن تيك توك أعلن حذف 3,612,773 فيديو من مصر خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026 لمخالفة إرشادات المنصة، وإيقاف نحو 769 ألف بث مباشر وحظر أكثر من 151 ألف مضيف LIVE.
وفي استطلاع وطني للباروميتر العربي أصبح التلفزيون مصدر الأخبار الرئيس لـ45% من المصريين، مقابل 43% للسوشيال ميديا؛ فارق نقطتين فقط بين نشرة الأخبار والهاتف الموجود في جيبك.
وهنا تصبح «ركوب الترند» أكثر من نكتة. هناك من يصادفه الترند وهو يأكل على الرصيف، ومن ينقذه، ومن يفضحه، ومن يستخدمه للدفاع عن نفسه، ومن يزعم أنه بريء أمامه، ومن يرتكب الحماقة كي يصل إليه.
وفي مدينة بهذه الكثافة البشرية والرقمية، لم تعد الشوارع وحدها مزدحمة؛ الروايات أيضًا تتزاحم على الشاشة.
القاهرة القديمة كانت تقول: امشِ جنب الحيط.
أما القاهرة على زر «REC»، فلديها نصيحة أحدث:
امشِ كما تشاء… لكن افترض دائمًا أن هناك هاتفًا يصوّرك، وخوارزمية تنتظر دورها في الحكاية.
بالفعل ، فلقد أصبحت التكنولجيا جزءا اساسيا في حياتنا بكل تفاصيلها ، ولكنها وحتى الآن لم تهذب غرائزنا أو ترشد تفكيرنا .
قد تضبط الكاميرا لصا لتثبت عليه الجريمة بدليل دامغ ، ولكن تظل السرقة حاضرة ولكن بتكتيكات جديدة لتفادي أي عدسة مشرعة .
بل وأصبحت التكنولجيا وسيلة ذهبية للسلطة لتتجسس على مواطنيها وتعد عليهم أنفاسهم ، او تزيف لهم الواقع بكتائب إلكترونية تطرمخ على الحقائق وتروج لأكاذيبها .
مقال راصد بعمق لمآلات التكنولجيا في السياق بين التواصل الاجتماعي والترند الذاتي .
تقديري للكاتب والمقال .