علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

الخليج يطوّق إيران وطهران تضع يدها على شرايين النفط

الخليج وحده لا يستطيع فرض حصار شامل على إيران. القوة البحرية الأميركية والعقوبات المالية الغربية عنصران أساسيان، بينما تملك إيران حدودًا برية ومنافذ عبر تركيا وآسيا الوسطى وبحر قزوين تستطيع تخفيف الضغط،

مشاركة:
حجم الخط:

من يحاصر من؟ 

دخلت المواجهة مع إيران مرحلة مختلفة،لم يعد السؤال فيها من يملك الصواريخ الأكثر، بل من يستطيع تعطيل شرايين الآخر دون أن يصاب بالاختناق نفسه.

فبين هرمز في الشرق وباب المندب في الغرب تشكلت معادلة لم تعرفها المنطقة بهذه الحدة من قبل:

إيران تتعرض لخنق نفطي ومالي وجوي متصاعد، لكنها في الوقت نفسه تملك أدوات تجعل حصارها مكلفًا على خصومها.

والسعودية تمتلك بديلًا نظريًا لهرمز عبر البحر الأحمر، لكن الحرب في اليمن اقتربت من هذا البديل

قطر، صاحبة أحد أكبر مشاريع الغاز في العالم، اكتشفت أن الجغرافيا نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف.

السؤال إذن ليس: هل يستطيع الخليج حصار إيران؟

السؤال الأخطر هو: من يستطيع الصمود أطول عندما يبدأ الجميع في خنق الجميع؟

هرمز لم يعد مضيقًا.. بل زنادًا اقتصاديًا

الوقائع البحرية وحدها تكفي لفهم حجم التحول.

حركة السفن السلعية عبر هرمز هبطت بصورة حادة؛ فقد عبرت 17 سفينة فقط خلال عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة، مقارنة بمتوسط يقارب 125 سفينة تجارية كبيرة يوميًا قبل الحرب.

وفي المقابل ظهرت منظومة طوارئ لنقل النفط من سفينة إلى أخرى خارج المضيق، وارتفعت هذه العمليات إلى نحو 2.5 مليون برميل يوميًا في سبتمبر، لكن بتكلفة نقل تجاوزت في بعض الحالات 30 دولارًا للبرميل.

إيران هنا تملك قدرة تعطيل، لكنها لا تملك حصارًا مجانيًا.

الحصار البحري الأميركي أصاب المصدر الأهم للعملة الصعبة الإيرانية.

تحميلات النفط الإيراني هبطت من نحو مليوني برميل يوميًا في مارس إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يوميًا في أغسطس، مع مرور نحو سبعة أسابيع من دون صادرات خام إيرانية ذات شأن عبر هرمز إلى الصين.

كما قدر صندوق النقد التضخم الإيراني بنحو 70% خلال العام.

هنا تظهر المفارقة: طهران تمسك بعنق نفط الخليج، بينما واشنطن تمسك بعنق النفط الإيراني.

الحصار صعد من البحر إلى السماء

الضغط لم يعد بحريًا فقط. واشنطن فرضت في 8 سبتمبر عقوبات على 36 هدفًا في قطاع الطيران الإيراني، بينها 27 شركة طيران إيرانية، فيما أوقفت تركيا وعُمان رحلات ماهان إير بعد مشاورات مع الولايات المتحدة.

وبعد أيام ألغت أنقرة ترخيص فرع بنك ملت الإيراني في إسطنبول.

لكن هذا يكشف أيضًا نقطة مهمة:

الخليج وحده لا يستطيع فرض حصار شامل على إيران.

القوة البحرية الأميركية والعقوبات المالية الغربية عنصران أساسيان، بينما تملك إيران حدودًا برية ومنافذ عبر تركيا وآسيا الوسطى وبحر قزوين تستطيع تخفيف الضغط، وإن كانت لا تستطيع تعويض صادرات النفط البحرية بالحجم نفسه.

باب المندب.. عندما أصيب باب الهروب من هرمز

كانت الخطة السعودية واضحة: إذا أصبح هرمز خطرًا، يذهب النفط عبر خط الشرق–الغرب إلى ينبع ثم البحر الأحمر.

لكن الحوثيين تقدموا نحو باب المندب، وتعرض خط الشرق–الغرب لهجمات، وتوقفت تحميلات خام جديدة من ينبع لفترة، ما اضطر أرامكو إلى زيادة الشحن مرة أخرى عبر هرمز.

وبلغت الصادرات السعودية عبر المضيق في الأيام الأخيرة نحو 2.9 مليون برميل يوميًا، بعدما كانت نحو 700 ألف في أغسطس.

هنا حدث أخطر انقلاب جغرافي في الأزمة: الطريق الذي صُمم للهروب من إيران أصبح هو الآخر داخل منطقة النار.

أما الثمن الإنساني في اليمن فأصبح ثقيلًا؛ الأمم المتحدة تحدثت عن قرابة 700 قتيل وآلاف الجرحى في التصعيد الأخير، ونحو 130 ألف نازح داخل اليمن وأكثر من ثلاثة آلاف فروا بحرًا إلى أفريقيا.

في هرمز نفسه كانت المنظمة البحرية الدولية قد سجلت حتى أواخر أغسطس نحو 70 حادثًا منذ بداية الحرب في 28 فبراير، أسفرت عن مقتل 19 بحارًا.

زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة.. لماذا الآن؟

زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في 15 سبتمبر لا يمكن فصلها عن هذه الخريطة.

البيان الرسمي تحدث صراحة عن أمن وحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وأعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي دعم مصر للإجراءات السعودية لحماية أمن المملكة واستقرارها، إلى جانب التأكيد على الحل السياسي في اليمن. سبق ذلك اجتماع مغلق بين الرئيس وولي العهد ثم مباحثات موسعة بين الوفدين.

لكن أهمية القاهرة بالنسبة للرياض تتجاوز بيان الزيارة.

مصر تطل على البحر الأحمر، وتملك قناة السويس، وأمن باب المندب بالنسبة إليها قضية اقتصادية وأمن قومي وليس ملفًا سعوديًا فقط.

وبالتالي يمكن قراءة الزيارة باعتبارها محاولة لبناء عمق سياسي وأمني عربي حول أزمة لم تعد الرياض ترغب في مواجهتها منفردة.

لا يوجد إعلان مصري عن الدخول عسكريًا في حرب اليمن؛ وهذه نقطة يجب تثبيتها. لكن مستوى التشاور يشير إلى أن أمن البحر الأحمر أصبح ملفًا سعوديًا–مصريًا مركزيًا.

ما لم تقله البيانات: اجتماع عسكري خلف الأبواب

في الطبقة الأقل علنية من المشهد، كشف موقع Axios عن اجتماع في ألمانيا ضم قائد القيادة المركزية الأميركية ورؤساء أركان من السعودية ومصر والإمارات وقطر والكويت والبحرين والأردن وإسرائيل.

أكدت القيادة المركزية عقد الاجتماع، وقالت إنه ناقش تعزيز التعاون الأمني الإقليمي. وبحسب التقرير، نوقشت أيضًا خطط توسيع حركة السفن عبر هرمز، وتعاون استخباراتي محتمل لمواجهة التهديد الحوثي.

هذا لا يعني وجود تحالف عسكري معلن أو قرار بضرب إيران، لكنه يكشف أن إسرائيل ليست خارج الغرفة عندما تُرسم خرائط الدفاع الإقليمي.

قطر وتركيا.. الوساطة التي تجاوزت البيانات العامة

رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري ذهب بنفسه إلى طهران في أغسطس، وناقش تصورًا لممر ملاحي إيراني–عُماني مؤقت عبر هرمز، ومشروعًا مشتركًا لإزالة الألغام.

إيران، من جانبها، ربطت فتح المضيق بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، وتخفيف العقوبات والتعويضات، بينما تصر واشنطن على حرية الملاحة.

ثم جرت اتصالات متكررة بين الدوحة وأنقرة في 2 و14 سبتمبر لتنسيق جهود خفض التصعيد وضمان الملاحة.

المثير أن تركيا تلعب على مسارين: تفاوض إيران سياسيًا، لكنها في الوقت نفسه تغلق أمامها بعض منافذ الطيران والمال، وتعرض مساعدة السعودية دفاعيًا.

هذا يمنح أنقرة أوراق ضغط لا يملكها الوسيط التقليدي.

حتى الآن لم تنتج هذه التحركات اتفاقًا نهائيًا، وسقط اتفاق يونيو المؤقت بعد أسابيع، لكن وجود صيغة «الممر الملاحي المؤقت» يعني أن المفاوضات لم تعد تدور فقط حول وقف إطلاق النار، وإنما حول من يملك إدارة هرمز بعد الحرب.
الخليج نفسه يدفع الثمن

ليست إيران وحدها التي تنزف اقتصاديًا.

قطر أعلنت أن الهجمات على رأس لفان عطلت نحو 17% من قدرتها لإنتاج الغاز الطبيعي المسال، وأن إصلاح وحدتين للغاز قد يستغرق ثلاث سنوات. كما باتت توسعات حقل الشمال مرتبطة بإمكانية عودة المعدات عبر هرمز.

إذن الحديث عن «حصار إيران» وحدها يخفي نصف الصورة: طهران محاصرة اقتصاديًا، لكن الاقتصادات الخليجية أيضًا أصبحت رهائن للجغرافيا ذاتها.

ترامب.. بين الصفقة والضربة

ترامب قال في 16 سبتمبر إنه يأمل أن تكون الحرب مقتربة من نهايتها، ثم عاد بعد أربعة أيام بلغة أكثر حدة، واضعًا أمام طهران خيارات بين الاتفاق واستمرار الانهيار الاقتصادي والتصعيد، مع إبقائه الباب مفتوحًا للقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

الأهم أن تقارير قالت إن ترامب ألغى في اللحظة الأخيرة ضربات كانت معدة ضد الحوثيين رغم مطالب سعودية بالمساندة؛ رويترز قالت إنها لم تتمكن من التحقق مستقلًا من تقرير الإلغاء.

هذا يفسر جزءًا من النشاط السعودي تجاه القاهرة وأنقرة وحلفاء آخرين: الرياض لا تريد أن تضع أمن باب المندب بالكامل في يد قرار أميركي متقلب.

هل تعود إسرائيل إلى قلب النار؟

إسرائيل لم تشارك مباشرة في أحدث جولات القتال الأميركي–الإيراني، لكن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أعلن أن أي هجوم إيراني على إسرائيل يمكن أن يقابَل بضرب منشآت الطاقة والبنية التحتية الإيرانية.

اجتماع ألمانيا يجعل من الخطأ اعتبار إسرائيل خارج الحسابات العسكرية.

لكن لا توجد حتى الآن معلومات موثوقة عن قرار إسرائيلي بضربة جديدة.

ثلاثة أبواب أمام المنطقة

المسار الأول هو تسوية المضائق: ممر ملاحي مؤقت، إزالة ألغام، تخفيف تدريجي للحصار الأميركي مقابل فتح هرمز وضبط جبهة اليمن. هذا هو جوهر الأفكار التي تتحرك حولها قطر وعُمان وتركيا.

المسار الثاني هو حرب خنق طويلة: واشنطن تمنع النفط الإيراني، إيران تبقي هرمز مضطربًا، والحوثيون يضغطون على باب المندب، بينما تستمر صادرات محدودة بتكاليف تأمين ونقل هائلة.

هذا يعني حربًا بلا انتصار عسكري حاسم، لكن بثمن اقتصادي متصاعد على الجميع.

أما المسار الثالث فهو الأخطر: عودة الحرب الجوية الواسعة إذا استأنفت واشنطن ضرباتها وردت طهران على قواعد أو منشآت خليجية أو إسرائيلية، وعندها يمكن أن تدخل إسرائيل مرة أخرى مباشرة، ويتحول استهداف منشآت الطاقة من ورقة تهديد إلى جبهة قائمة.

من يحاصر من؟

إيران تستطيع إرباك الخليج، لكنها لا تستطيع إغلاقه بلا ثمن قاتل على اقتصادها.

الخليج يستطيع تشديد عزل إيران، لكنه لا يستطيع فعل ذلك منفردًا ولا من دون تعريض موانئه ومنشآت نفطه وغازه للخطر.
أما واشنطن فتملك القوة العسكرية الأكبر، لكنها دفعت حتى 3 سبتمبر نحو 43.6 مليار دولار تكلفة مباشرة للحرب.

وفق تقدير عسكري أميركي، مع 18 قتيلًا وأكثر من 830 مصابًا في صفوف القوات الأميركية وفق الإحصاء الرسمي الذي نقلته أسوشيتد برس.

لهذا قد يكون السؤال الحقيقي في نهاية هذه الحرب ليس: من أغلق المضيق؟

بل: من سيطلب فتحه أولًا؟

شارك المقال:

شاركنا برأيك