علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

د. محمد الغمري يكتب: عبد الناصر ما الذي يبقى بعد أن يغيب الرجل؟

رتبط عبد الناصر، لدى قطاعات واسعة، بالاستقلال الوطني وتأميم قناة السويس والحضور العربي. لذلك لا تكفي الدعاية وحدها لتفسير شعبيته، ولا الشخصنة وحدها لتفسير الدولة التي نشأت في عهده.

مشاركة:
حجم الخط:

يقدم د. أيمن منصور ندا في مقاله جمال عبد الناصر: الرئيس الذي احتكر الخلاص وصار أكبر من دولته»

قراءة قوية لتجربة جمال عبد الناصر، تقوم على مفارقة واضحة:

قائد امتلك وطنية ونزاهة وموهبة ومشروعًا كبيرًا، لكنه انتهى، في تقدير الكاتب، إلى بناء نظام ارتبطت فيه الدولة بشخصه حتى غدت قوة الرئيس أكبر من قوة المؤسسة.

في هذه القراءة قدر معتبر من الحقيقة، ولا سيما في نقد مركزية القرار، وضعف المؤسسات السياسية، واختلال العلاقة بين السلطة والمساءلة.

لكن المشكلة تبدأ حين تنتقل شخصية عبد الناصر من عنصر في تفسير التجربة إلى مفتاح يكاد يفسرها كلها.

فالثقة بالنفس تتحول إلى غرور

والوفاء إلى شللية، والشجاعة إلى تهور

والحلم إلى وهم

ثم تُستدعى هذه التحولات لتفسير الوحدة والانفصال واليمن والهزيمة وبنية النظام وما بقي منه بعد صاحبه.

أيمن منصور ندا يكتب: أن تكون رئيسا لمصر (2-6) جمال عبد الناصر

وهنا يقع المقال، في المفارقة نفسها التي ينتقدها: يشخصن التاريخ وهو ينتقد شخصنة الدولة.

فالغرور قد يفسر سلوكًا، لكنه لا يكفي لتفسير نظام، والوفاء قد يفسر علاقة، لكنه لا يفسر بنية مؤسسة، والشجاعة قد تساعد على فهم قرار، لكنها لا تفسر مسار مجتمع.

كما أن هزيمة 1967، مهما كانت مركزية في تاريخ التجربة، لا تستطيع وحدها أن تمنح كل ما سبقها معناه.

فإذا أصبحت النتيجة هي التي تمنح الصفة معناها، ثم استُخدمت الصفة نفسها لتفسير النتيجة، وقع التحليل في دائرة مغلقة.

الأدق أن يوضع عبد الناصر داخل المسار الذي أسهم في إنتاجه، ثم يوضع ما أنتجه داخل المسار الذي استمر بعده.

فقد ورث توزيعًا للقوة، ومؤسسات قائمة، وأزمات متراكمة، ثم أعاد تشكيلها بقراراته وتحالفاته ومشروعه، قبل أن تتحول بعض اختياراته إلى قواعد وفرص وقيود لمن جاء بعده.

لم يبدأ التاريخ في يوليو

لم يتسلم عبد الناصر عام 1952 دولة ديمقراطية مستقرة مكتملة المؤسسات ثم قرر تفكيكها.

كانت مصر قد عرفت حياة دستورية وحزبية حقيقية، لكنها عرفت أيضًا صراع الملك والبرلمان، وحل المجالس النيابية، وتعطيل الدستور، والاحتلال البريطاني وتأثيره في القرار السيادي.

وكانت أزمة النظام السابق جزءًا من البيئة التي جعلت تدخل الجيش ممكنًا أصلًا.

كان النظام السابق يعاني أزمة في توزيع القوة والشرعية والقدرة على إنتاج تسوية مستقرة، فجاء يوليو بقدرة أكبر على الحسم، ثم نقل مركز الثقل تدريجيًا من مجال سياسي متعدد ومتنازع إلى نظام أكثر مركزية ودولة أوسع قدرة على التنفيذ.

وفي 18 يناير 1953 صدر المرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1953 بحل الأحزاب السياسية ومصادرة أموالها، ثم حلت التنظيمات السياسية التي أنشأتها الدولة محل التعددية الحزبية المستقلة.

وهكذا تحول تضييق المجال السياسي من اختيار إلى قاعدة في تنظيم السياسة.

ومن ثم، لم يخترع عبد الناصر مركزية الدولة المصرية، ولم يكن مجرد وريث بريء لها.

لقد ورث دولة مركزية، ثم أعاد تشكيل مركزيتها داخل شرعية ثورية وجمهورية واجتماعية جديدة، ووسع وظائفها وأدواتها ومدى وصولها إلى المجتمع.

وهنا تبدأ مسؤوليته التاريخية الحقيقية.

القدرة التي أنتجها يوليو

لا يمكن فهم التجربة إذا بدأت قراءتها من 1967، فقد اتسعت في عهد عبد الناصر وظائف الدولة في التعليم والتوظيف والسياسات الاجتماعية والتصنيع والقطاع العام، واتسعت معها فرص التعليم والحراك الاجتماعي لفئات أوسع.

كما ارتبط عبد الناصر، لدى قطاعات واسعة، بالاستقلال الوطني وتأميم قناة السويس والحضور العربي.

لذلك لا تكفي الدعاية وحدها لتفسير شعبيته، ولا الشخصنة وحدها لتفسير الدولة التي نشأت في عهده.

فقد التقت سياسات النظام بتطلعات ومصالح اجتماعية حقيقية، وهو ما يساعد على فهم قدرته على التعبئة والبقاء رغم الأزمات.

لكن القدرة لم تنمُ بالتساوي

ازدادت قدرة أجهزة الدولة على التعبئة والتنفيذ وتخصيص الموارد والوصول إلى المجتمع، بينما لم تنمُ بالقدر نفسه المؤسسات السياسية المستقلة القادرة على مراقبة هذه القدرة وإنتاج البدائل ومراجعة المركز.

ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية بصورة أدق من القول إن عبد الناصر أصبح أكبر من دولته:

كبرت قدرة الدولة على الفعل أسرع من قدرتها على مراجعة فعلها.

ولهذا التفاوت مؤشرات يمكن تتبعها بدل الاكتفاء بوصفه وصفًا عامًا:

قنوات المعلومات المستقلة عن جهاز الدولة نفسه — صحافة حزبية، وبرلمان فعلي، وتنظيمات مهنية — وبقاؤها أو انحسارها.

ومدى تغير السياسة بعد ظهور أدلة على فشلها، لا بعد وقوع كارثة كاملة.

ووجود مراكز داخل النظام قادرة على الاعتراض قبل صدور القرار، لا على المحاسبة بعد تنفيذه فقط.

وحين تنحسر هذه المؤشرات معًا، تصبح الدولة قادرة على الفعل أكثر من قدرتها على معرفة نتائج فعلها قبل فوات الأوان.

فالمؤسسات ليست مجرد أجهزة ولوائح

هناك مؤسسة تنفذ القرار وأخرى تراجعه، وجهاز يحشد الموارد وآلية تختبر كفاءة استخدامها، وإدارة تنقل إرادة المركز إلى المجتمع ومجال سياسي ينقل المصالح والاعتراض والمعلومات إلى المركز.

ولذلك يمكن للدولة أن تكون قوية في التنفيذ وأضعف في المراجعة، بل قد تتحول القوة التنفيذية نفسها إلى مصدر ضعف إذا لم تصاحبها قدرة كافية على اكتشاف الخطأ وتصحيحه.

القوة التي لا تقابلها مساءلة

يحتاج مفهوم «أكبر من دولته» إلى ضبط؛ لأنه يميل إلى دمج الدولة والنظام السياسي ومؤسسة الرئاسة وشخص الرئيس، مع أنها مستويات متمايزة.

لقد توسع جهاز الدولة في عهد عبد الناصر، لكن اتساعه لا يعني استقلال مؤسساته السياسية، كما أن قوة الرئيس لا تعني سيطرته المتساوية على كل مركز قوة داخل النظام.

وتكشف حالة عبد الحكيم عامر هذه المفارقة.

فنشوء مركز عسكري واسع النفوذ داخل نظام شديد المركزية يربك صورة الحاكم الذي يمسك وحده بكل الخيوط.

وتكشف شهادات رجال المرحلة والوثائق المعاصرة مقدار التوتر داخل القيادة العسكرية وموقع عامر في بنية القوة.

ولا يخفف ذلك من مسؤولية عبد الناصر، بل ينقلها إلى مستوى أدق:

لم تكن المشكلة فقط ثقته في عامر، وإنما نشوء قوة واسعة لا تقابلها مساءلة متناسبة معها.

ويظهر الخلل نفسه في المجال السياسي.

فمن أقوى أفكار مقال د. أيمن أن النظام أصبح أكثر قدرة على نقل إرادة الرئيس إلى أسفل من قدرته على نقل الحقيقة إليه من أسفل.

فالتعدد السياسي ليس ضمانة دستورية فحسب، إنه إحدى آليات إنتاج المعرفة وتصحيحها داخل الدولة.

وحين ترتفع كلفة الاختلاف، تضيق مساحة التقدير المستقل، وتصبح المعلومات التي توافق التصور السائد أيسر تداولًا من تلك التي تنقضه.

عندئذ لا يفقد المواطن فقط حق الاعتراض، بل قد يفقد مركز القرار القدرة على سماع ما لا يريد سماعه، وتتحول أزمة الحرية إلى أزمة في معرفة الدولة بالواقع.

فوفرة المعلومات ليست هي المعرفة، المعرفة السياسية تحتاج إلى تعدد المصادر، واستقلال نسبي في تفسيرها، وإمكان الاعتراض عليها.

وهنا يظهر الوجه المزدوج للمركزية: قد تزيد سرعة الحسم والتنفيذ، لكنها قد تضعف القدرة على اكتشاف الخطأ قبل تراكم كلفته.

حين يصبح الهدف أسرع من القدرة على حمله

تكشف تجربتا سوريا واليمن هذا الاختلال من زاويتين مختلفتين، وإن لم تكن المركزية فيهما العامل الوحيد.

فعند قيام الجمهورية العربية المتحدة سنة 1958، تشير الروايات المصرية والوثائق الدبلوماسية المعاصرة إلى أن بناء الوحدة اقترن بحل الأحزاب وإبعاد الجيش السوري عن النشاط السياسي، وقامت الصيغة الجديدة على مركز سياسي شديد التركيز.

صحيح أن عوامل أخرى أسهمت في الانفصال — الاحتكاك بين قيادة البعث السوري وسياسات التأميم، والتفاوت الاقتصادي بين الإقليمين، وتذمر ضباط الجيش السوري من إعادة توزيعهم بعيدًا عن مواقع القرار — وهي عوامل لا تُختزل في مركزية القاهرة وحدها.

لكنها تكشف جوانب من المشكلة نفسها: غياب آلية قادرة على استيعاب الاعتراض السوري ومعالجته قبل أن يتحول إلى قرار انفصال.

ولا يعني ذلك أن المركزية وحدها أسقطت الوحدة، لكنه يسمح باستنتاج أكثر تحديدًا:

أمكن توحيد مركز القرار أسرع من بناء مؤسسات قادرة على استيعاب اختلاف المجتمعين ومصالحهما وإدارة التعدد بينهما. وانتهت الوحدة بانفصال سوريا في سبتمبر 1961.

وفي اليمن يظهر وجه آخر للمشكلة

فالمصادر المصرية والعربية والوثائق الدبلوماسية الأجنبية تكشف اتساع الالتزام العسكري المصري، وارتفاع كلفته، وصعوبة الوصول إلى تسوية تنهيه.

وهنا أيضًا لا يمكن عزل التدخل عن سياقه:

الحرب الأهلية اليمنية بين جمهوريين وملكيين كانت قائمة قبل التدخل المصري وبصرف النظر عنه، والدعم السعودي للمعسكر الملكي حوّل الساحة اليمنية إلى مواجهة إقليمية بالوكالة.

غير أن هذا السياق لا ينفي السؤال المطروح، بل يؤكده من زاوية أخرى.

فحتى إذا لم يكن التدخل «خطأ» في لحظته الأولى، فإن استمراره سنوات من دون مراجعة جدية لكلفته المتصاعدة يطرح سؤال الآلية الداخلية القادرة على إعادة تقدير القرار في ضوء نتائجه المتراكمة، لا فقط في ضوء دوافعه الأصلية.

ولا تثبت هذه الوقائع وحدها أن التدخل كان «خطأ»، لكنها تثبت أن سؤال الكلفة والاستمرار والخروج كان قائمًا أثناء التجربة نفسها.

فالقدرة ليست مقدار ما تستطيع الدولة أن تبدأه، وإنما مقدار ما تستطيع أن تحمله، وأن تعيد تقدير كلفته، وأن تصحح مساره، وأن تعرف متى تستمر ومتى تنسحب.

1967: الانكشاف والمراجعة

كانت يونيو 1967 لحظة انكشاف كثيفة لاختلالات سبقتها، وليست دليلًا على أن كل ما سبقها كان طريقًا حتميًا إليها.

فقد تطورت الأزمة في بيئة إقليمية معقدة:

تقرير سوفيتي عن حشود إسرائيلية على الحدود السورية لم تثبت صحته، ثم تحريك القوات المصرية إلى سيناء، وطلب سحب قوات الطوارئ الدولية، ثم إغلاق مضيق تيران.

وهذه الوقائع لا تلغي مسؤولية القيادة المصرية، لكنها تمنع اختزال الطريق إلى الحرب في سمة نفسية واحدة.

ولا يحتاج تحميل عبد الناصر مسؤوليته إلى افتراض أنه كان صاحب كل خطأ عملياتي

فالمسؤولية تتوزع بين إدارة الأزمة سياسيًا واستراتيجيًا، وبنية القيادة وتوزيع السلطة والمعلومات مؤسسيًا، وأداء القوات المسلحة عملياتيًا.

وكان عبد الناصر يتحمل النصيب الأكبر من أول مستويين، بوصفه صاحب القرار السياسي الأعلى وباني البنية التي حكم من خلالها.

فالقيادة لا تُختبر فقط في قراراتها، وإنما في نوع النظام الذي يجعل اكتشاف الخطأ وتصحيحه ممكنًا قبل أن يصبح خطأ دولة.

لكن القراءة لا يجوز أن تتوقف عند الهزيمة. فقد أعقبها تغيير واسع في القيادة العسكرية وإعادة بناء للقوات المسلحة.

وتكتسب شهادة الفريق أول محمد فوزي أهمية خاصة؛ لأنه تولى مسؤولية إعادة التنظيم، وتقدم مذكراته وصفًا لإعادة بناء القيادة والتنظيم والتدريب والتسليح خلال 1967–1970.

وتتقاطع هذه الشهادة مع تقديرات أجنبية معاصرة رأت أن التغييرات العسكرية كانت أوسع من السياسية.

كما أعيد ترتيب بعض الأولويات الاستراتيجية، وانتهى التدخل العسكري المصري في اليمن، ثم جاءت احتجاجات 1968 وبرنامج 30 مارس لتضيف مستوى سياسيًا إلى المراجعة.

ومن الخطأ القول إن عبد الناصر لم يتعلم من 1967.

الأصح أن مجالات النظام تفاوتت في قابليتها للتعلم:

كانت المراجعة العسكرية أعمق من السياسية، ومراجعة الأداء أوسع من مراجعة قواعد المجال السياسي.

أمكن تغيير القيادات وإعادة بناء القوات المسلحة وتعديل الأولويات، بينما لم تعد التعددية الحزبية المستقلة، ولم يتحول المجال السياسي إلى قوة مستقلة عن مركز الحكم.

ومن ثم، فإن الحكم الأكثر دقة هو أن: عبد الناصر راجع أداء النظام أكثر مما راجع احتكار النظام للسياسة.

لقد أثبت النظام قدرة على التعلم حين فرض الواقع كلفة هائلة على عدم التعلم، لكنه كشف حدود قدرته على مراجعة القواعد التي يقوم عليها. وهنا يظهر الفارق بين تصحيح الأداء وتصحيح النظام الذي ينتج الأداء.

المجتمع لم يكن خارج المعادلة

وتحتاج فكرة «احتكار الخلاص» إلى مراجعة مماثلة.

فالزعامة الكاريزمية ليست منتجًا فرديًا خالصًا، والجمهور ليس مادة سلبية بالكامل في يد الحاكم.

بعد الهزيمة أعلن عبد الناصر تنحيه، ثم ظهرت مطالب جماهيرية واسعة باستمراره.

وتختلف التقديرات المعاصرة في مقدار العفوية والتنظيم في تلك التحركات، ولذلك لا تصلح الواقعة لإثبات العفوية الكاملة ولا التصنيع الكامل.

لكنها تكفي لإظهار أن العلاقة بين عبد الناصر وقطاعات من المجتمع لا تختزل في حاكم يصنع صورته أمام جمهور سلبي.

كانت هناك قيادة تنتج معنى سياسيًا، وجمهور يعيد إنتاج هذا المعنى ويودع جزءًا من تطلعاته في صاحبه.

والأقرب إلى الدقة من «احتكار الخلاص» أن يقال إن ما جرى هو تمركز التوقعات العامة في القيادة، وهي عملية ساهم النظام في إنتاجها، وشاركت قطاعات اجتماعية في إعادة إنتاجها.

ما بعد الرجل ويأتي الاختبار الأقوى بعد وفاة عبد الناصر.

فقد تغيرت في عهد السادات اتجاهات أساسية في السياسة الخارجية والاقتصاد والتحالفات الاجتماعية وخطاب الشرعية، ثم انتهى الاتحاد الاشتراكي وانتقلت مصر إلى تعددية حزبية مقيدة، ومع ذلك بقيت مؤسسة الرئاسة مركزًا قويًا في النظام السياسي.

وهذه الاستمرارية تفصل بين ما مات مع عبد الناصر وما بقي قابلًا لإعادة الإنتاج داخل بنية الحكم.

فإذا تغير الرئيس والمشروع والتحالفات والسياسات، وبقي جانب أساسي من بنية السلطة، فقد اكتسب هذا الجانب استقلالًا عن صاحبه الأول، ولم تعد شخصية عبد الناصر وحدها كافية لتفسير استمراره.

لكن ذلك لا يبرئه، بل يكشف واحدة من أهم مفارقات تجربته:

استطاع بناء سلطة قوية بما يكفي لتنفيذ مشروعه، لكنه لم يبنِ حاملًا سياسيًا مستقلًا عنه بالقوة نفسها يستطيع حماية المشروع وتطويره بعد رحيله.

وهنا تظهر النتيجة التاريخية لاختلال القدرة على المراجعة:

كانت أدوات السلطة أكثر قابلية للانتقال من الغايات التي استُخدمت من أجلها، وكانت السلطة أقدر على الاستمرار من المشروع.

ما تراكم وما انقطع

عند هذه النقطة يصبح الحكم الثنائي على التجربة — نجاحًا أو فشلًا — قليل القيمة التفسيرية.

فقد تراكمت قدرات وانقطعت أخرى، واستمرت مؤسسات واختفت تنظيمات، وبقيت آثار اجتماعية بينما تغيرت السياسات التي أنتجت بعضها.

ولهذا لا يكون الاختبار الأهم مقدار ما أنجزه عبد الناصر أو أخفق فيه، وإنما نوع القدرة التي استطاعت التحول إلى تراكم يعيش بعد صاحبها، وتلك التي بقيت معتمدة على وجوده أو على شروط مرحلته.

وهنا تكتمل السلسلة: حين نمت قدرة التنفيذ أسرع من قدرة المراجعة، أصبحت أدوات السلطة أكثر قابلية للاستمرار من المشروع، وكانت المحصلة على المدى الأطول أن: بنية السلطة تراكمت بدرجة أكبر من تراكم السياسة القادرة على مراجعتها.

بين الأسطورة والأسطورة المضادة

من هنا يبدو وصف أنصار عبد الناصر بـ«الدراويش» والحديث عن «الموالد» و«الأوراد» أضعف أجزاء مقال د. أيمن منهجيًا. فتقديس الزعماء ظاهرة تستحق النقد، لكن اللغة الساخرة لا تفسرها.

المعيار الأكثر جدية هو قدرة أي مشروع سياسي على جعل مؤسسه نفسه موضوعًا للمراجعة.

فإذا أصبحت صورة المؤسس حصانة ضد النقد، تحول التاريخ إلى ذاكرة مغلقة.

لكن النقد المضاد يقع في الاختزال نفسه إذا تحولت 1967 إلى نقطة تستوعب كل ما قبلها، وأصبح الاستبداد مفتاحًا وحيدًا للتجربة، وتحول كل إنجاز إلى مقدمة لهزيمة لاحقة.

وهذه هي المفارقة المركزية:

يريد المقال تحرير الدولة من أسطورة عبد الناصر، فيعيد وضعه في مركز تفسيرها؛ يرفض «المخلّص» ثم يستبدله بـ«المذنب التفسيري الشامل»

والتقديس والشيطنة، رغم اختلافهما في الحكم عليه، يلتقيان في جعله أكبر من التاريخ الذي أنتجه؛ وتضيع في كليهما البنية، ويختفي المجتمع، وتتراجع المؤسسة، وينكمش الزمن التاريخي أمام الفرد.

لا يحتاج النقد الجاد لعبد الناصر إلى تخفيف مسؤوليته، ولا إلى تضخيمها حتى تشمل ما لا يستطيع شخص واحد تفسيره. لقد شارك بصورة حاسمة في إغلاق المجال الحزبي، ومركزة القرار، وإضعاف استقلال السياسة، وفي بناء نظام لم تتوازن داخله دائمًا السلطة مع المساءلة.

كما أن مراجعته بعد 1967 لم تصل إلى قواعد المجال السياسي بالعمق نفسه الذي وصلت به إلى المؤسسة العسكرية.

وفي المقابل، أنتجت التجربة قدرات وتحولات حقيقية في الدولة والمجتمع والتعليم والحراك الاجتماعي والتصنيع، مع بقاء الخلاف مشروعًا حول نتائجها وكلفتها واستدامتها. والجمع بين الوجهين هو الذي يسمح بفهم المعضلة:

أسهم عبد الناصر في بناء دولة تستطيع أن تفعل أكثر مما تستطيع أن تراجع نفسها، وسلطة كانت أكثر قابلية للاستمرار من المشروع الذي قامت لتنفيذه.

ومن هنا لا يكون الدرس التاريخي «لا تكن جمال عبد الناصر»، فهذا يعيد الشخص إلى مركز التحليل.

الدرس الأعمق أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على تحويل الإرادة إلى فعل، وإنما كذلك بقدرتها على تحويل الخطأ إلى معرفة، والمعرفة إلى تصحيح، والتصحيح إلى قواعد مستقرة لا تعتمد على استثنائية الحاكم.

استثنائية الحاكم.

فالمؤسسة لا تبلغ نضجها لمجرد أن يصيب الرئيس، وإنما حين تستطيع التعامل مع خطئه من دون أن تحتاج إلى كارثة كي تكتشفه، والاحتفاظ بما يستحق البقاء من مشروعه من دون أن تحتاج إلى بقائه هو.

عندئذ يخرج عبد الناصر من الضريح ومن قفص الاتهام معًا، ويعود إلى موضعه التاريخي الأدق:

فاعل كبير داخل مسار أكبر منه؛ ورث شروطًا لم يصنعها، وأعاد تشكيلها، ووسع بعض إمكاناتها وضيّق بعضها، ثم ترك وراءه بنى استمرت، وغايات انقطعت، وقدرات تفاوتت في قابليتها للتراكم.

ويبقى بعد الرجل سؤال أثقل من الرجل:

كيف استطاعت بنية السلطة في مصر أن تتراكم عبر الزمن بدرجة أكبر من تراكم السياسة القادرة على مراجعتها؟

ذلك ليس سؤال جمال عبد الناصر وحده، بل سؤال في المسار الطويل للدولة المصرية الحديثة.

وإذ ينتقل هذا التعليق أخيرًا من مستوى التحليل إلى مخاطبة صاحب المقال مباشرة، فذلك عن قصد لا انزلاق:

فبعض ما ينبغي أن يقال لكاتب جاد يقال أوضح حين يوجَّه إليه مباشرة، لا حين يترك بين سطور التحليل.

كلمة أخيرة: وللدكتور أيمن منصور ندا، الذي يملك قلمًا جريئًا وقدرة على تفكيك الصور المستقرة، ملاحظة أرجو أن تتسع لها بقية السلسلة:

كلما كبر موضوعك، قلّل من مساحة الرجل ووسّع مساحة التاريخ.

لا تجعل نقد أسطورة الزعيم ينتج أسطورة مضادة يصبح فيها الزعيم تفسيرًا للهزيمة والاستبداد وضعف المؤسسة وما جاء بعده.

ضع إلى جواره الدولة التي ورثها، والمؤسسات التي أعاد تشكيلها، ومراكز القوة، والمجتمع، والخصوم والحلفاء، والبيئة الدولية، ثم اختبر ما بقي من ذلك بعد رحيله.

ولعل هذا هو التحدي الأهم لبقية سلسلة «أن تكون رئيسًا لمصر»: ألا تصبح تاريخًا للرؤساء وحدهم، بل تاريخًا للعلاقة بين الرئيس والدولة والمؤسسة والمجتمع والزمن.

فالرئيس، مهما اتسعت سلطته، لا يصنع التاريخ منفردًا؛ لكنه قد يترك من القواعد ما يعيش أطول منه.

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك