د. محمد الغمري يكتب: حين تشتري الدولة وقتها بدل أن تصلح نفسها
أزمات الدين لا تقع فجأة، تبدأ بفجوة يمكن تمويلها، ثم تدخل الفوائد في أصل المشكلة، حتى تبلغ الدولة لحظة تقترض فيها لتسوية كلفة الماضي أكثر مما تقترض لتمويل المستقبل.

قناة السويس شريان العالم البحري
المقايضة الكبرى: حين يُستدعى الأصل السيادي لمعالجة أثر الأزمة بدلًا من سنن إنتاجها
مساء 26 يوليو 1956، أعلن جمال عبد الناصر من ميدان المنشية تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية.
لم يكن الإعلان تفصيلًا إداريًا، بل استردادًا لقرار الدولة على مرفق ظل عقودًا خارج سيادتها، وربطًا لعوائده بتمويل السد العالي بعد سحب واشنطن ولندن عرضهما للمساهمة فيه.
ومنذ ذلك الحين صارت القناة، في الوعي المصري، رمزًا لفكرة أن الموارد السيادية تُستدعى لبناء قدرة الدولة، لا لتسوية عجزها.
ولم يبدأ سؤال القناة والسيادة مع التأميم
فحين طُرح مد امتياز شركة القناة أربعين عامًا أخرى، كتب حافظ إبراهيم سنة 1909 محذرًا:
لقد بقيت من الدنيا حطامًا
بأيدينا وقد عزَّ الحطامُ
فالسؤال فيها كان دائمًا: لمن تكون، ومن يملك القرار عليها، وما الذي يبقى للأمة من قدرتها المتراكمة؟
د.محمد الغمري يكتب: من عدل الحاكم إلى عدالة الدولة
بعد سبعين عامًا، تعود القناة إلى صدارة النقاش الاقتصادي، لكن في سياق معكوس:
لا استرداد أصل من الخارج لتمويل مشروع تنموي، بل استدعاء أصل قائم لمعالجة عبء تراكم في الداخل.
فأزمات الدين لا تقع فجأة، تبدأ بفجوة يمكن تمويلها، ثم تدخل الفوائد في أصل المشكلة، حتى تبلغ الدولة لحظة تقترض فيها لتسوية كلفة الماضي أكثر مما تقترض لتمويل المستقبل.
عندها يظهر إغراء «الحل الكبير»: كأن ما أنتجه الزمن يُلغى بقيد محاسبي واحد.
وهنا يأتي مقترح المصرفي حسن هيكل «المقايضة الكبرى»:
استخدام أصول الدولة، وفي مقدمتها هيئة قناة السويس، في ترتيب يستهدف تصفير جانب ضخم من الدين المحلي بإدخال البنك المركزي طرفًا فيه.
وتستحق الفكرة نقاشًا جادًا، لا لأنها تقدم حلًا مقنعًا، بل لأنها تكشف إلى أي مدى صار ضغط الدين قادرًا على دفع النقاش نحو استدعاء أصول سيادية لمعالجة نتائج الأزمة بدلًا من أسبابها.
الدين لا يختفي إذا بقيت آلة إنتاجه
بلغ الدين المحلي للحكومة المركزية 11.057 تريليون جنيه في نهاية يونيو 2025 وفق البيانات الرسمية، بينما تحدث هيكل عن نحو 13 تريليونًا، وفوائد تصل إلى 250 مليار جنيه شهريًا، وعن بلوغ فوائد الدين 103% من الإيرادات في الربع الذي استشهد به.
هذه النسبة الأخيرة تظل رقمًا لصاحب المقترح لا رقمًا رسميًا مستقلًا، ولا يصح وصلها آليًا برقم صندوق النقد الدولي البالغ 84% من إجمالي الإيرادات خلال الأشهر العشرة الأولى من 2023/2024، لاختلاف الفترة وأساس القياس.
لكن البيانات الأحدث تؤكد استمرار ثقل العبء من زاوية أخرى:
فقد سجل صندوق النقد الدولي في تقريره الصادر عام 2026 أن مدفوعات الفائدة تستوعب نحو 83% من الإيرادات الضريبية، مع بقاء الاحتياجات التمويلية الإجمالية قرب 40% من الناتج المحلي خلال السنوات الثلاث التالية.
ومن ثم فالاتجاه العام موثق بقوة، حتى إن لم تكن النسب المختلفة قابلة للمقارنة المباشرة.
ويرفض هيكل الاعتقاد بأن بيع بعض الأصول ينهي الأزمة، لأن المديونية تعيد إنتاج نفسها فتنفد حصيلة البيع وتبقى آلتها.
لكن الملاحظة ترتد على المقترح نفسه:
إذا كان بيع الأصل لا يعالج آلية إنتاج الدين، فكيف يعالجها تغيير موضعه داخل القطاع العام؟
فخفض مخزون الدين ليس إصلاحًا لمنظومة إنتاجه؛ إن بقيت تدفقات العجز والاقتراض وكلفة التمويل، أعادت تكوين المخزون.
والدين، أصلًا، ليس رقمًا قائمًا بذاته، بل التزام على مدين يقابله حق لدائن.
وحين يختفي الالتزام من ميزانية طرف لا تختفي العلاقة بالضرورة؛ فقد يكون قد سُدد، أو انتقل، أو استُبدل بالتزام آخر.
لذلك فالاختبار الأول لأي «تصفير» لتريليونات الدين ليس حجم الأصل المقابل، بل المصير النهائي لحق الدائن:
هل أوفت الخزانة به فسُدد؟
هل انتقلت المطالبة إلى البنك المركزي فتغير موضع الالتزام فقط؟
أم اشترى البنك أدوات الدين مقابل احتياطيات أو التزامات نقدية جديدة، فنشأت علاقة جديدة بين السياستين المالية والنقدية؟
واللافت أن الطرح المنشور للفكرة لا يحسم أيًّا من هذه المسارات بدقة محاسبية.
وهذا الغموض ليس تفصيلًا فنيًا، لأن الفرق بينها هو الفرق بين سداد الدين، ونقله، وخلق التزام نقدي جديد.
ومن دون تحديد القيد المقابل ومصير حق الدائن، تظل «المقايضة الكبرى» تصورًا أوليًا يحتاج إلى آلية مالية مكتملة قبل إمكان الحكم بأنه يصفّر الدين فعلًا.
فالدين لا يختفي بتغيير الدفتر الذي يظهر فيه.
وهذا هو الحد الفاصل بين إطفاء الالتزام وإعادة توطينه.
ماسبيرو ليست دولة مصغرة
استعاد هيكل مقترحه في أغسطس 2026 بعد تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام تجاه بنك الاستثمار القومي، مستدعيًا التجربة نموذجًا قابلًا للتكبير.
لكن التشابه ظاهري:
استقرت مديونية ماسبيرو عند 88.3 مليار جنيه بعد إسقاط 51.4 مليار من الفوائد والغرامات، ونُقل 44 أصلًا بقيمة 18.06 مليار جنيه إلى بنك الاستثمار القومي ضمن ترتيب محدد الأطراف والحقوق.
أما الدين العام المحلي فشبكة واسعة من المطالبات يحملها الجهاز المصرفي والمؤسسات والمستثمرون.
فالانتقال من ماسبيرو إلى الدولة، ومن بنك الاستثمار القومي إلى البنك المركزي، ومن الأراضي إلى قناة السويس، ليس تكبيرًا للعملية نفسها بل تغييرًا لطبيعتها.
فتغير المقياس هنا يغير طبيعة المسألة، لا حجمها فقط.
قناة السويس: الأصل الذي لا يمكن تعويضه
الحديث عن نقل «ملكية القناة من المالية إلى المركزي» لا يطابق الوضع القانوني بدقة.
فالقانون رقم 30 لسنة 1975 ينظم هيئة قناة السويس باعتبارها هيئة عامة ذات شخصية اعتبارية، وتلزم المادة 43 من الدستور الدولة بحماية القناة وتنميتها والحفاظ عليها بصفتها ممرًا مائيًا دوليًا مملوكًا لها.⁸
وفي ديسمبر 2022 وافق مجلس النواب «في مجموعه» على مشروع لاستحداث صندوق استثماري تابع للهيئة، قبل إرجاء الموافقة النهائية، مع تأكيد رئيس المجلس أن القناة من أموال الدولة العامة التي لا يجوز التصرف فيها أو بيعها.
والدلالة ليست أن المشروع أباح بيع القناة، بل أن تصورًا مؤسسيًا دخل المجال التشريعي يفصل بين المرفق السيادي وذراع مالية تابعة لهيئته تدير الأصول والاستثمارات لمواجهة الصدمات.
ومن حق هيكل أن ينفي الخصخصة، فهو لا يقترح بيع القناة لمستثمر أجنبي.
لكن نفيها لا يحسم المسألة، لأن الملكية ليست الصورة الوحيدة التي تتغير بها وظيفة الأصل؛ فقد يبقى مملوكًا للدولة بينما تتغير الحقوق والالتزامات والتدفقات المرتبطة به.
ولا تختزن القناة عوائد مستقبلية فحسب، بل زمنًا مصريًا متراكمًا:
عملًا وتضحيات، فقد شارك عدد هائل من المصريين في حفرها — تشير رواية رسمية إلى نحو مليون — وعرفت سنوات الحفر الأولى السخرة والعمل القسري.
والدولة تستطيع بيع أرض وشراء أخرى، أو التخارج من شركة والاستثمار في غيرها.
أما القناة فلا نسخة بديلة منها يمكن استعادتها إذا تبين أن الترتيب المالي الذي أُدخلت فيه كان خاطئًا.
ولهذا فالمسألة أكبر من الملكية: إنها استخدام مخزون تاريخي غير متكرر لمعالجة تدفق مالي متكرر.
من تقييم القناة إلى ميزانية البنك المركزي
قدر هيكل قيمة الهيئة أولًا بنحو 200 مليار دولار، ثم ظهر سيناريو لاحق بتقييم 100 مليار دولار مقابل مقايضة ديون في حدود خمسة تريليونات جنيه.
والمشكلة ليست أن القناة تفتقر إلى سعر سوقي، فهذا أمر تشترك فيه أصول كثيرة للبنية التحتية غير السائلة، ويمكن تقييمها بنماذج التدفقات النقدية المخصومة وغيرها.
المشكلة أن الفجوة تبلغ مئة مليار دولار بين التقييمين، بحيث يبلغ أحدهما ضعف الآخر، وهو ما يكشف مدى حساسية التقييم لافتراضات النموذج، من معدل الخصم إلى توقعات حركة الملاحة والمخاطر الجيوسياسية، في لحظة يُراد فيها بناء قرار سيادي بالغ الأثر على هذا التقييم.
والسؤال الأخطر يبدأ بعد ذلك:
إذا دخل الأصل بهذه القيمة إلى ميزانية البنك المركزي، فما القيد المقابل؟
فوظيفة البنك المركزي إدارة السياسة النقدية والسيولة وتحقيق استقرار الأسعار وسلامة النظام المصرفي، لا تخزين أصول تخفف بها المالية العامة ديونها.
ويضع القانون رقم 194 لسنة 2020 حدودًا لعلاقة البنك المركزي بالحكومة، فتحظر المادة 46 تعامله في أدوات الدين الحكومية بالعملة المحلية في السوق الأولية، وتقيد المادة 47 التمويل المباشر للحكومة بالعجز الموسمي وفي حدود وشروط محددة.
والفارق الجوهري ليس أن البنوك المركزية لا تشتري ديونًا حكومية — فهذا شائع، وحدث في أزمة 2008 ذاتها حين وسع الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي ميزانيتيهما لتوفير السيولة ودعم أسواق الائتمان.
الفارق أن تلك التدخلات جرت بأدوات نقدية لخدمة وظيفة نقدية، بينما يقترح الطرح هنا إدخال أصل سيادي عيني في تسوية تستهدف الدين الحكومي.
وهنا يصبح تحديد البنية القانونية والمحاسبية للعملية شرطًا سابقًا للحكم عليها، ولا سيما أن القانون المصري يحظر على البنك المركزي التعامل في أدوات الدين الحكومية بالعملة المحلية في السوق الأولية، ويضع قيودًا محددة على تمويل الحكومة.
فالفرق بين الحالتين فرق وظيفة لا درجة.
ولم تُنقل بنية تحتية سيادية أمريكية إلى الاحتياطي الفيدرالي لإطفاء الدين الفيدرالي.
حين يدفع المخزون ثمن اختلال التدفق
الدين مخزون تراكم عبر تدفقات سابقة من العجز والاقتراض والفوائد، والقناة مخزون قدرة تاريخية. والمقترح يريد، في جوهره، استخدام الثاني لإلغاء الأول.
لكن ماذا عن التدفق الذي صنع الدين؟
إن بقيت الفجوة بين الإيرادات والإنفاق وكلفة التمويل وأنماط الاستثمار والإنفاق الموسعة للحاجة إلى الاقتراض، بدأت الآلة نفسها تكوين دين جديد منذ اليوم التالي للمقايضة:
أصل غير متكرر يُستخدم مرة واحدة أمام مشكلة قادرة على التكرر كل عام.
وفي غياب إصلاح ملزم للتدفقات التي صنعت الدين، لا تكون «المقايضة الكبرى» إصلاحًا للدين بقدر ما تكون استخدامًا لمخزون الدولة لستر عجز منظومتها عن إصلاح نفسها.
الدولة القادرة تستخدم تدفقاتها لبناء مخزون قدرتها؛ أما الدولة المأزومة فتستهلك مخزون قدرتها لإنقاذ تدفقاتها.
وخطورة تطبيع الفكرة ليست أن هيكل يدعو إلى بيع القناة للأجانب — فهو لا يفعل — بل أن وظيفة الأصل السيادي تتغير تدريجيًا في الوعي العام:
من مرفق يُطوَّر، إلى أصل يُقيَّم، إلى أصل يُقابَل بالدين، حتى يصبح الخلاف حول مقدار ما يسدده لا حول سبب استدعائه أصلًا.
فالتحولات الكبيرة لا تحدث دائمًا بإسقاط الخطوط الحمراء دفعة واحدة، بل بخفض كلفة الاقتراب منها.
ولهذا ينبغي اختبار أي مقايضة بثلاثة أسئلة:
هل تقترن ببرنامج ملزم لإصلاح الإيرادات والإنفاق؟
هل توجد رقابة مستقلة على التنفيذ؟
وهل استخدام الأصل استثناء لمرة واحدة أم بداية أداة قابلة للتكرار؟
درس إسماعيل: حين يتحول الدين من رقم إلى قيد
لا يحتاج النقد إلى مساواة الحاضر بعهد إسماعيل، فمصر اليوم ليست مصر القرن التاسع عشر، والبنك المركزي ليس دائنًا أجنبيًا، ونقل أصل داخل القطاع العام لا يساوي الخضوع للرقابة الأوروبية.
لكن التاريخ يقدم علاقة سببية تستحق الفهم:
بدأت المديونية أزمة تمويل، ثم أسهم تراكمها والعجز عن خدمتها في نقل العلاقة بالدائنين من الإقراض إلى الرقابة على الإيرادات والمالية العامة، فأُنشئ صندوق الدين العام سنة 1876 قبل أن تتسع الرقابة الأوروبية على المالية المصرية.
ليس المعنى أن التاريخ سيكرر نفسه، بل أن المديونية، حين تتجاوز قدرة الدولة على إدارتها بأدواتها الطبيعية، تستطيع أن تعيد تشكيل مجال القرار نفسه.
حين تشتري الدولة وقتها
ليست المشكلة في حسن هيكل، فقد قدم اقتراحًا ودافع عنه، ومن واجب النقاش العام اختباره.
المشكلة الأعمق هي اللحظة التي جعلت اقتراحًا كهذا يبدو ممكنًا.
حين تضيق المساحة المالية، تكون المفاضلة بين مسارين:
استخدام الأزمة لإصلاح الآلة التي أنتجتها — الإيرادات والإنفاق والاستثمار العام والاقتراض وكلفة التمويل وأولويات تخصيص الموارد — أو استخدام ما راكمته الأجيال السابقة لمنح الآلة نفسها وقتًا إضافيًا.
الأول مكلف في الحاضر لكنه يغير اتجاه الحركة؛ والثاني أقل ألمًا لأنه يشتري الحاضر من رصيد الماضي، لكنه يحمل سنة لا ترحم:
المخزون ينفد إذا ظل التدفق سالبًا.
فالاختبار الحقيقي لأي «مقايضة كبرى» ليس عدد التريليونات التي تمحوها يوم تنفيذها، بل مقدار الدين الذي سيعود إلى التراكم في اليوم التالي.
وإذا بقيت المنظومة التي صنعت الدين كما هي، فلن تكون الدولة قد صفرت أزمتها، بل رحلتها على حساب أصل لا تستطيع إعادة إنتاجه.
والوقت الذي لا يتحول إلى إصلاح يصبح دينًا مؤجلًا على المستقبل.
وعندئذ لن يكون السؤال هل نجحت المقايضة الأولى، بل:
إذا بقيت الآلة التي صنعت هذه التريليونات تعمل، فأي أصل سيأتي دوره في المقايضة التالية؟






