علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. مجدي قرقر
د. مجدي قرقر

أستاذ جامعي وكاتب

منهج مقترح للتفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم (9)

يتم اعتبار المنهج الزمني في تحديد مكية السورة أو مدنيتها، فالسور والآيات التي نزلت قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سور مكية، وما بعد الهجرة سور مدنية.

مشاركة:
حجم الخط:

هدفنا من هذه السلسلة من المقالات أن نتدبر ونفهم مناهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم كمدخل لفهم وتدبر كتاب الله فهما كليا (إجماليا)

وبغرض استخلاص منهج للتفسير الموضوعي لسور القرآن بناء على ما سبق من جهود العلماء وهو ما آخذنا به في كتابنا “رؤية منهجية في التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم” والصادر في نوفمبر 2023م.

محاور المنهج المقترح للتفسير الموضوعي لسور القرآن

بدراسة الخبرات المتراكمة للسابقين في هذا المحور خلصنا إلى عناوين هذا المنهج وتسلسلها فيما يلي:

أولا – بين يدي السورة

أ- اسم السورة أو أسماؤها:

ذكر اسم السورة المشتهر والوارد في المصاحف والمراد منه وارتباطه بموضوع السورة وسبب التسمية إذا كان هناك نص في ذلك، وسَببُ التَّسمِيةِ يساعدَ على تدبُّرِ العلاقةِ بينَ اسمِ السورةِ ومقصدِها العامِ وموضوعاتِها،كما تذكر الأسماءَ الأخرى للسورة إن وجدت.

وهذه نقطة خلافية بين العلماء فمنهم من يقول أن أسماء السور توقيفية، ومنهم من يقول أنها اجتهادية وليست توقيفية، فلو رجعنا إلى الحديث والمأثور لوجدنا صحابة رسول الله صلى الله والتابعين ربما يذكرون السورة الواحدة بأسماءٍ مختلفة.

والمرجح عندي أن سور القرآن لها أسماء توقيفية سماها جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن للسور أيضا أسماء اجتهادية سماها بها الصحابة والتابعين والعلماء من بعدهم.

ب- مكية السورة أو مدنيتها وعدد آياتها:

يتم اعتبار المنهج الزمني في تحديد مكية السورة أو مدنيتها، فالسور والآيات التي نزلت قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سور مكية، وما بعد الهجرة سور مدنية.

وإذا ورد في أسباب النزول ما يشير إلى مكية السورة أو مدنيتها يتم الإشارة إليه كدليل. ويتم ذكرِ عددِ آياتِ السورةِ، فإذا وجد خلاف بين الروايات يتم الإشارة إليه.

والتعرض لمكية السورة أو مدنيتها من الأهمية بمكان حيث أنها تشير إلى السياق والواقع التاريخي والاجتماعي والديني والأخلاقي الذي نزلت فيه الآيات.

يلخص سيد قطب في كتابه المبدع “في ظلال القرآن” في تقدمته لسورة “يس” خصائص السور المكية مقارنة بالسور المدنية:

“هذه السورة المكية ذات فواصل قصيرة، وإيقاعات سريعة، وقصر الفواصل مع سرعة الإيقاع يطبع السورة بطابع خاص، فتتلاحق إيقاعاتها، وتدق على الحس دقات متوالية، يعمل على مضاعفة أثرها ما تحمله معها من الصور والظلال التي تخلعها المشاهد المتتابعة من بدء السورة إلى نهايتها. وهي متنوعة وموحية وعميقة الآثار”

ج- الواقع التاريخي والاجتماعي والديني للمجتمع وقت النزول:

مما يساعد على الفهم أن نعرض لكل سورة القرآن الواقع التاريخي والاجتماعي والديني والأخلاقي لمكان نزول الآيات ووقت نزولها، وما من شك في أن استعراض السياق الذي نزلت فيه السورة يساعد على فهمها بدرجة كبيرة.

د- سبب نزول السورة وأسباب نزول بعض الآيات:

يتم عرض سبب نزول السورة أو آيات السورة إن وجد، حيث أنه يرتبط بمكية السورة أو مدنيتها، كما أنه يساعد في فهم سياق السورة وموضوعها ويوضح البيئة التي نزلت فيها.

هـ – خصوصية وفضائل السورة:

يفرق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي في مرجعه الجامع “المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم” بين خصوصية السورة وفضائل السورة، فخصوصية السورة هي خاصية تميز السورة عن غيرها، كأن نقول مثلا:

“سورة الأحزاب أكثر سورة ورد فيها لفظ النبي في القرآن الكريم فقد ورد في القرآن كله 43 مرة منها 15 مرة في سورة الأحزاب وحدها، في حين لم يرد لفظ نبي في سورة البقرة إلا مرة واحدة رغم أنها تزيد في طولها عن سورة الأحزاب ما يقرب من خمس مرات”

أما فضائل السورة فكل سور القرآن فيها خير وبركة وهداية ولا تميز سورة عن سورة، إلا أن الكثير من المسلمين للأسف قاموا بادعاء فضل لكثير من سور القرآن وأغلبها إن لم يكن جلها أحاديث ضعيفة أو موضوعة ولا يمكن أن يبرر تصرف هؤلاء حتى وإن كانوا حسني النية أو المقصد.

وعموما فيجب ألا يذكر في فضائل السور إلا ما صح من حديث أو أثر مع تخريج الحديث.

ثانيا – مقصد وسياق ومفتاح السورة ومحورها الرئيس

والمقصد الكلي يعبر عن الغاية الجامعة للسورة، والمحور الرئيس يجسد البناء الموضوعي الذي تنتظم فيه محاورها، أما مفتاح السورة فهو الآية أو الآيات الحاكمة التي تكشف عن هذا المقصد والمحور وتؤكدهما.

أ- قراءة أولية لتحديد محاور وسياقات السورة:

تقرأ السورة قراءة مبدئية لتبين محاورها وسياقاتها إذ أنه ضرورة تساعد على تدبرها وتفسيرها موضوعيا. ويمكن تمثيل ذلك من خلال أشكال أو كروكيات أو جداول ليسهل فهمها واستيعابها. ومنهج الجداول أوضح وأدق من الخرائط الذهنية والكروكيات إذ يحدد المحاور الرئيسية للسورة وسياقاتها الفرعية.

ب- تبويب السورة في مقدمة ومتن وخاتمة، وتبويب المتن في محاور وسياقات متماسكة:

وتبويب السورة في سياقات قضية اجتهادية يختلف في تحديدها المفسرون، حتى وإن اتفقوا فمن الصعب أن يتفقوا في الصياغة، وبقدر الاختلاف في تحديد سياقات السورة بقدر ما يكون الاختلاف في التفسير الموضوعي لها.

فعلى سبيل المثال نجد أن شيخنا الفقيه محمد الغزالي تعامل مع “سورة النجم” كوحدة واحدة دون تبويب، أما صاحب الظلال فقد بوبها فيما أسماه بأربعة أشواط، في حين تقسم جامعة الشارقة سورة “النجم” إلى ثلاثة مقاطع دون أن تحدد مقدمة وخاتمة.

واختلاف تقسيم المقاطع حتى وإن كان يسيرا يؤدي إلى اختلاف عناوين كل مقطع وفقا للآيات التي يتضمنها.

ج- المحور الرئيس للسورة (المقصد الكلي) الذي يجمع بين موضوعاتها في نسق واحد:

وهو موضوعُ السُّورةِ العامِ ومحورها الأساس الذي تَندرج تحتهُ بقيةُ محاورِ السورة ومقاصِدها الفرعيَّة.

وأهمية تحديد المقصد الكلي للسورة أن يُدركُ الدارس أو المتدبر أَنَّ لكلِّ سورةٍ موضوعًا عامًا يندرجُ تحتَهُ كُلُّ ما يقرؤُهُ ويحفظُهُ مِنْ موضوعاتٍ فرعيةٍ داخلَ السُّورةِ.

والمقصد الكلي للسورة ضرورة لربط السورة بالسورة السابقة واللاحقة لها وبدونه يصعب تحديد ذلك.

وهي قضية اجتهادية غالبا ما يختلف في تحديدها المفسرون، وفي هذا رحمة واسعة، كما أنه يفتح آفاقا واسعة في فهم واستنباط هدايات السورة العقدية والتشريعية طالما كانت مقاصد الشريعة تسمح بهذا الفهم وهذا الاختلاف.

د- مفتاح السورة (الآية أو الآيات الحاكمة:

في كل سورة من سور القرآن نجد آية أو أكثر متكررة بنصها أو بمعناها، أو نجد آية حاكمة شارحة ومؤكدة لمحور السورة الرئيس أو مقصدها الكلي. وقد يغني استحضار هذه الآية عن صياغة المقصد الكلي للسورة.

ثالثا – التفسير الإجمالي لمقاطع السورة

يفسر كل مقطع من مقاطع السورة (بما فيها المقدمة والخاتمة وسياقات متن السورة) بعد وضع عنوان له تفسيرا إجماليا يراعى فيه ما اصطلح عليه من أدوات وآليات التفسير الإجمالي للقرآن، عن طريق بيان المعنى العامِّ للآيات باختصارٍ، وبنفس ترتيب الآيات في المصحف حتى يشعر السامع أنّه لم يكن بعيدًا في تعبيره عن سياق القرآن.

والتفسير الإجمالي يقسم السورة الطويلة إلى مجموعاتٍ من الآيات، يتناول المفسر كل مجموعةٍ بتفسيرِ معانيها إجمالًا، مبرزاً مقاصدها وموضحاً معانيها.

ومن أشهر كتب التفسير الإجمالي لسور القرآن الكريم:

“تفسير الجلالين”  “صفوة البيان لمعاني القرآن” تأليف الشيخ حسنين ‌مخلوف “المصحف المفسر” تأليف محمد فريد وجدي “المختصر في تفسير القرآن الكريم” لمجموعة من العلماء.

رابعا – التصوير الفني في السورة وارتباطه بموضوعها

عندما نأتي للتصوير الفني في القرآن الكريم يتأخر الجميع ويتقدم صاحب الظلال كشاعر وناقد وأديب ليبرز أوجه الجمال الفني في النص القرآني وأهميتها في تعميق المعنى القرآني، ويظهر ذلك بوضوح في كتابيه “في ظلال القرآن” و “التصوير الفني في القرآن”

ويتعرض سيد قطب رحمه الله في التصوير الفني للقرآن إلى المؤثرات التي تناسب جو السورة، وتتناسق مع إيقاعها وصورها وظلالها، كما يعرض للمؤثرات التي تلمس الوجدان الإنساني وتوقظه.

ويشير سيد قطب رحمه الله إلى أن موسيقى القرآن وإيقاعه وتناغم ألفاظه وقوافيه تخدم المعنى القرآني، أي أنها ليست هدفا في ذاتها بل هي أداة لتعميق المعنى القرآني.

يعبر عن هذا قول الوليد بن المغيرة – والذي لم يسلم – بعد أن سمع القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم :

“والله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته”

خامسا – ارتباطات السورة (المناسبات)

يستعرض هذا المحور ما يلي:

أ- ارتباط اسم السورة بموضوعاتها ومحورها.

ب- ارتباطات السورة بالسورة التي قبلها وتلك التي بعدها.

ج- ارتباطات المقدمة والخاتمة ببعضهما وبمحور السورة.

هـ- ارتباط مقاطع السورة ببعضها البعض وبمحورها.

و – ارتباط آيات السورة بباقي آيات القرآن وبحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:

وهذا البعد تحديدا هو أحد إضافات هذا المنهج، فارتباطات السورة لا تتوقف على ارتباطها بالسورة التي قبلها والتي بعدها فقط، فالقرآن كله تربطه وحدة موضوعية وعضوية تتطلب النظر فيها وتدبرها.

سادسا – الهدايات المستنبطة من السورة:

القرآن كتاب هداية ورشد وهذا غرضه الأساسي، فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بعث هاديا بشيرا نذيرا، وكتابه الذي نزل عليه يحقق الغرض من رسالته (الهداية والبشارة والإنذار)

وفي هذا المحور نعرض للهدايات المستنبطة من السورة في جوانب ثلاثة تغطي دعامتي الدين العقيدة والشريعة (الشريعة: الأخلاق – العبادات – المعاملات).

أ القضايا العقدية.

ب الأحكام الشرعية.

ج – الأخلاق الإسلامية والآداب الشرعية والجوانب التربوية.

سابعا – ختام الخواتيم

ونعرض في هذا المحور الأخير للآية أو الآيتين الأخيرتين في السورة، فرب العزة يختتم السورة برسالة قوية مفعمة بالعاطفة والمعاني التي يجب أن تبقى في الذهن وتبصر بها الأفئدة، فهي مسك الختام لتوصيل الرسالة التي نعتقد أن رب العزة يريد إيصالها لعباده.

ما يحسبه الكاتب إضافة في منهج التفسير الموضوعي

ندعو الله سبحانه أن يكون في هذا المنهج المقترح إضافات حقيقية، وأن يكون سائر عملنا خالصا لوجهه.

شارك المقال:

شاركنا برأيك

التعليقات (1)

  • أحمد رمضان أبوخديجة 3 أيام مضت

    جزاكم الله خيرا دكتور مجدي قرقر ..
    جهد مشكور
    نبارك لكم .
    و ندعو الله تبارك و تعالى أن ينفع بكم..
    و صلى الله و سلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين