محمد الروبي يكتب: جملة حق يراد بها باطل (لا تُقحموا السياسة في الفن و الرياضة)
إن المشكلة ليست في حضور السياسة داخل الرياضة أو الفن، وإنما في انتقائية تطبيق هذا الشعار

حسام حسن وعلم فلسطين
من أكثر الجمل استفزازًا بالنسبة لي تلك التي تتردد كلما ارتفع العلم الفلسطيني في ملعب، أو رُفعت لافتة تضامن مع غزة: “لا يجب إقحام السياسة في الرياضة!”
ولكن قبل تفنيدها سأسمح لنفسي أن أسأل قائليها :.وماذا عن المسرح؟ وماذا عن السينما؟ وماذا عن المهرجانات الفنية؟
دعونا نبدأ بالفن أولا
أين كانت هذه الحكمة عندما رفض مارلون براندو تسلّم جائزة جوائز الأوسكار، وأرسل بدلًا منه الفتاة ساشين ليتلفيذر احتجاجًا على الطريقة التي عومل بها السكان الأصليون في الولايات المتحدة؟
لقد تحولت منصة الأوسكار يومها إلى منبر سياسي وإنساني، ولم يقل أحد إن الفن قد فسد لأنه عبّر عن موقف.
وأين كانت هذه الدعوة عندما وقفت فينيسا ريدغريف تدافع عن الفلسطينيين، متحملة حملات التشهير والمقاطعة والتهديد؟
لقد دفعت ثمنًا باهظًا لأنها آمنت بأن الفنان لا يترك ضميره عند باب المسرح أو أمام عدسات الكاميرا.

وأين كانت هذه الدعوة عندما أعلن خافيير بارديم وبينيلوبي كروز تضامنهما مع غزة؟
أو عندما تحدث مارك رافالو، وسوزان ساراندون، وعشرات الفنانين العالميين عن فلسطين في كلماتهم على منصات التكريم، وفي المؤتمرات الصحفية، وعلى السجاد الأحمر؟
كم من فنان عالمي ارتدى الكوفية الفلسطينية في مهرجان سينمائي، أو في مؤتمر صحفي، أو خلال فعالية دولية، باعتبارها رمزًا للتضامن، تمامًا كما ارتدى آخرون شارات دعم لأوكرانيا، أو لمناهضة العنصرية، أو دفاعًا عن اللاجئين.
وهل تحول مهرجان كان السينمائي، أو مهرجان برلين السينمائي، أو مهرجان البندقية السينمائي إلى مهرجانات سياسية بسبب تلك المواقف؟
بالطبع لا.
لقد بقيت مهرجانات فنية كبرى، لكنها لم تطلب من الفنان أن يخلع ضميره قبل أن يصعد إلى المسرح.
أما الرياضة، فالأمثلة فيها أكثر من أن تُحصى.
في الألعاب الأولمبية الصيفية 1968، رفع العداءان الأمريكيان تومي سميث وجون كارلوس قبضتيهما السوداوين احتجاجًا على التمييز العنصري، لتصبح تلك الصورة إحدى أشهر أيقونات القرن العشرين.
وعلى مدى سنوات، قاطع العالم نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا رياضيًا وثقافيًا، حتى أصبحت الرياضة إحدى وسائل الضغط لإنهائه.
بل أصبح ركوع اللاعبين في الدوري الإنجليزي وغيره تحت شعار “حياة السود مهمة” مشهدًا معتادًا، وعدّه العالم موقفًا أخلاقيًا يستحق الاحترام.

ثم جاءت الحرب الأوكرانية الروسية،
فإذا بالملاعب تُضاء بألوان العلم الأوكراني، واللاعبون يرتدون شاراته، والجماهير ترفعه في المدرجات، والأندية والاتحادات الرياضية تصدر بيانات التضامن، بل إن نادي بايرن ميونخ لم يتورع عن أضاءة ملعبه بألوان العلم الأوكراني، ولم يخرج أحد يومها ليقول: لا تُقحموا السياسة في الرياضة.
هل شاهدتم بيب غوارديولا المدرب الأعظم في العصر الحديث وهو يعلن في كل محفل رياضي ومؤتمر صحفي عن موقفه الداعم للقضية الفلسطينية ؟
وليس هو فقط، بل إن كثير من الرياضيين لم يترددوا في إعلان انتماءاتهم الإنسانية والوطنية متى رأوا أن ضمائرهم تملي عليهم ذلك.
هل سمعتم مثلا لاعبة التنس التركية زينب سونمز وهي تقول
“إن البطولات تسمح برفع العلم الأوكراني، لكنها لا تسمح برفع العلم الفلسطيني”، ولذلك تضع رمز البطيخة على مضربها لأنه يحمل ألوان العلم الفلسطيني؟
أليس من حقنا، بعد كل ذلك، أن نسأل: أين كانت عبارة “لا تُقحموا السياسة في الرياضة” طوال هذه السنوات؟
الحقيقة أن الإنسان لا يتحرك بلا انتماء.
وكل نشاط بشري، من المسرح إلى السينما، ومن الموسيقى إلى الرياضة، تحركه منظومة من القيم، والمبادئ، والانتماءات.
وليس حب الوطن، والدفاع عنه، والتضامن مع شعب يتعرض للظلم أو الاحتلال، دعايةً حزبية، ولا عبثًا سياسيًا، وإنما تعبير طبيعي عن الضمير الإنساني.
إن المشكلة ليست في حضور السياسة داخل الرياضة أو الفن، وإنما في انتقائية تطبيق هذا الشعار.
فعندما يتعلق الأمر بأوكرانيا، أو بمناهضة العنصرية، يصبح التعبير عنها موقفًا إنسانيًا راقيًا. أما عندما يتعلق الأمر بفلسطين، يرتفع فجأة الشعار : “لا تُقحموا السياسة في الرياضة”

فلنكف عن خداع أنفسنا.
ليست القضية أن السياسة دخلت إلى الرياضة، أو إلى المسرح، أو إلى السينما؛ فهي لم تغادرها يومًا. القضية هي: أي سياسة يُسمح لها بالدخول، وأي وطن يُسمح له أن يُرفع علمه، وأي ضحايا يُسمح للعالم أن يتعاطف معهم.
حب الوطن، وإعلاء رايته، والانتصار للمظلوم، ليس جريمة، ولا خروجًا على رسالة الرياضة أو الفن، بل هو أحد أنبل المعاني التي وُجدت الرياضة والفنون لتذكّرنا بها.
وإلا فلتذهب جميعها إلى الجحيم.






