مقالات
د. مجدي قرقر
د. مجدي قرقر

أستاذ جامعي وكاتب

د. مجدي قرقر يكتب: منهج الدكتور دراز في التفسير الموضوعي للقرآن (5)

رسالة الدكتور دراز لنيل درجة الدكتوراه تألفت من دراستين إحداها حول "دستور الأخلاق في القرآن الكريم"

مشاركة:
حجم الخط:

مناهج المفسرين في التفسير الموضوعي للقرآن
جهود السابقين ومناهجهم
أشرنا في المقالات السابقة إلى أنه من أكثر من اهتم بالتفسير الموضوعي في عصرنا الحديث (على سبيل المثال لا الحصر):

الدكتور محمد عبد الله دراز، الأستاذ سيد قطب، الشيخ محمد الغزالي، الدكتور عبدا لستار فتح الله سعيد، الدكتور محمد نبيل غنايم، الشيخ سعيد حوى، الدكتور مصطفى مسلم، الدكتور محمد بن عبد العزيز الغواجي، الشيخ عادل محمد خليل، جامعة المدينة العالمية، وجامعة الشارقة.

ولقد تباينت مناهج هؤلاء العلماء أو الجامعات وفقا للمناهج الأربعة التي عرضنا لها:

1. المنهج الأول: “التفسير الموضوعي لموضوعات القرآن الكريم” ويعتبر القرآن كله كوحدة بنائية لهذا الموضوع.

2. المنهج الثاني: “التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم” ووحدته البنائية السورة القرآنية.

3. المنهج الثالث: “التفسير الموضعي” ووحدته البنائية الآية القرآنية.

4-المنهج الرابع: دراسة دلالة المصطلحات والمفردات القرآنية داخل القرآن الكريم وفي حدوده فحسب.

وقد يتبع المفسر أكثر من منهج من المناهج الأربعة في كتبه، ونعرض في الجزء التالي لمنهج أحد أسبق العلماء في التفسير الموضوعي.

العلامة الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز (1894م – 1958م)

كتب الدكتور محمد عبد الله دراز في خمسينيات القرن الماضي في مجالات التفسير الموضوعي دون أن يضع ما كتبه تحت هذا العنوان حيث صك مصطلح التفسير الموضوعي في ثمانينات القرن الماضي بعد ربع قرن من وفاته.

حصل على درجة الدكتوراه في فلسفة الأديان بمرتبة الشرف الأولى عام 1947من جامعة السوربون وتألفت رسالته من دراستين:

الأولى “مدخل إلى القرآن الكريم” وهي دراسة تمهيدية موجزة حول تاريخ القرآن، والثانية “دستور الأخلاق في القرآن الكريم”

وتقع في حوالي ثمانمائة صفحة، قدم خلالها رؤية متكاملة للنظرية الأخلاقية القرآنية في شقيها النظري والعملي.

وتعتبر هذه الدراسة بهذا المنهج – من وجهة نظرنا – نموذجا للمنهج الأول في التفسير الموضوعي للقرآن (التفسير الموضوعي لموضوعات القرآن الكريم)

والذي يجمع كل الآيات القرآنية التي تتحدث عن موضوع واحد (الأخلاق) فيفسرها مجتمعة– وبالترتيب الذي يراه مناسبا لعرضه – ويستنبط الحكم المشترك منها ومقاصد القرآن فيها.

عرف عن الدكتور دراز مقارباته القرآنية التي تفرد بها عما سواه ممن سبقوه أو خلفوه، وتعد نظراته حول فاتحة الكتاب نموذجا لهذا النظم، وهي تجمل منهجه في النظر إلى النص القرآني في كليته وارتباط أجزائه بعضها ببعض، والسعي إلى الكشف عن الوحدة الكامنة فيه.

نظر الدكتور دراز إلى الفاتحة نظرة جديدة فلم يكتف بالوقوف عند حدود آياتها ومعانيها، وإنما نظر إليها في علاقتها بباقي سور القرآن، مفترضا أنها على قصر آياتها تجمل مقاصد القرآن الكلية؛ وأن بقية السور ما هي إلا تفصيل وبيان لذلك الإجمال الذي حوته.

في كتابه “مدخل إلى القرآن الكريم”

يتحدث الدكتور دراز عن الإعجاز القرآني في الوحدة الموضوعية والبلاغية لسوره رغم نزول القرآن منجما.

ويعرض الشيخ إلى تجربته في جامعة الأزهر في تدريس إحدى السور المدنية “البقرة” وسورتين مكيتين “يونس وهود” – وهي سور مقررة في البرنامج الدراسي ولم يكن له قصد في اختيارها – ودراسة التناسق بين أجزائها والتوافق في تركيبها فيقول

“لقد وضح لنا بما أثار دهشتنا أن هناك تخطيطا حقيقيا واضحا ومحددا يتكون من ديباجة وموضوع وخاتمة، فتوضح الآيات الافتتاحية الأولى من السورة الموضوع الذي ستعالجه في خطوطه الرئيسة ثم يتبع ذلك التدرج في عرض الموضوع بنظام لا يتداخل فيه جزء مع جزء آخر، وإنما يحتل كل جزء المكان المناسب له في جملة السورة”

يقول شيخنا الفقيه محمد الغزالي:

“لقد عنيت عناية شديدة بوحدة الموضوع في السورة، وإن كثرت قضاياها، وتأسيت في ذلك بالشيخ “محمد عبد الله دراز” عندما تناول سورة البقرة فجعل منها باقة واحدة ملونة نضيدة، يعرف ذلك من قرأ كتابه “النبأ العظيم” وهو أول تفسير موضوعي لسورة كاملة، فيما أعتقد.

وعلماء القرآن أجهزة استقبال لما يؤتيهم الله من فهم فيه، فالفضل أولا وآخرا لمن أسدى تبارك اسمه! (يا لأدب العلماء مع مشايخهم ومع الخالق سبحانه وتعالى الذي يرجع إليه بالفضل كله!!).

د. محمد عبد الله دراز
د. محمد عبد الله دراز

سبق الدكتور دراز في التفسير الموضوعي قبل صك المصطلح

أشرنا إلى أن رسالة الدكتور دراز لنيل درجة الدكتوراه تألفت من دراستين إحداها حول “دستور الأخلاق في القرآن الكريم”

والتي اعتبرناها من وجهة نظرنا نموذجا للمنهج الأول في التفسير الموضوعي للقرآن (التفسير الموضوعي لموضوعات القرآن الكريم).

ولقد أكمل العلَّامةُ الشيخ دراز منظومته القرآنية بكتابه الثالث “النبأ العظيم، نظرات جديدة في القرآن” عام 1957م

والذي أفرد الربع الأخير منه (ص 163 حتى ص 210) لتفسير سورة البقرة – أطول سور القرآن الكريم –

وعنى فيه عناية شديدة بوحدة الموضوع في السورة، وإن كثرت قضاياها كنموذج من نماذج المنهج الثاني للتفسير الموضوعي للقرآن (التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم).

ومحاولة الدكتور دراز في تفسير سورة البقرة (1957م) كتبت قبل تأسيس علم التفسير الموضوعي

فكما أشار الدكتور عبد الستار فتح الله في مقدمة كتابه “المدخل إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم” إلى أن هذا العلم مازال في مدارج التكوين والاستحكام حتى يصبح فنا من فنون التفسير القرآني قائما برأسه، ومتميزا بحدوده ومعالمه.

ويؤكد هذا أن الدكتور دراز كتب تفسيره لسورة البقرة تحت عنوان ” نظام عقد المعاني في سورة البقرة”

حيث لم يكن مسمى التفسير الموضوعي قد عرف بعد

ويتضح من العنوان أن اهتمام الشيخ انصب على نظم عقد معاني سورة البقرة وربط أجزاءها ببعضها البعض – وهو صلب التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم – فجعل منها باقة واحدة ملونة نضيدة كما يقول الشيخ محمد الغزالي.

على مستوى آخر من التحليل نظر دراز سورة “الفاتحة” من جهة أسلوب الخطاب مقارنة بعموم الخطاب القرآني

فوجد أنها السورة الوحيدة التي أتت على لسان البشرية على حين أتي بقية السور جاءت على لسان الربوبية

ويفسر دراز الاختلاف في وجهة الخطاب إلى أن الفاتحة تجسد سؤال البشرية وحاجتها للهدى على حين أن باقي القرآن هو الهدى المطلوب.

منهج التفسير الموضوعي لسورة البقرة عند الدكتور دراز

نعرض هنا لمنهج الدكتور دراز في “نظام عقد المعاني في سورة البقرة” وفقا للخصائص التالية:

1- بدأ بعرض نسق السورة (سياق) مقسما إياها إلى مقدمة وأربعة مقاصد (متن) وخاتمة للسورة واضعا عناوين مختصرة لكل منها وفقا للترتيب التالي:

-مقدمة السورة – آية 1 حتى آية 20 (20) آية في التعريف بشأن القرآن وبيان ما فيه من هداية.

– المقصد الأول – آية 21 حتى آية 39 (19 آية) دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام.

– المقصد الثاني – آية 40 حتى آية 177 (138 آية) دعوة أهل الكتاب دعوة خاصة إلى ترك باطلهم والدخول في هذا الدين الحق.

بدأه بتقديم للمقصد في تسع آيات

ثم قسم بقية المقصد إلى أربعة أقسام ومع كل قسم يربط بالقسم الذي قبله وبالقسم الذي بعده ثم ختمه بخمس عشرة آية كمدخل للمقصد الثالث.

 (المقصد الثالث – آية 178 حتى آية 283) (106 آية) عرض شرائع هذا الدين تفصيلا. وقسيم المقصد الثالث إلى مدخل من ثلاث خطوات ثم صلب المقصد سلسلة من ثلاث حلقات.

 -المقصد الرابع – آية 284 (آية واحدة) ذكر الوازع والنازع الديني الذي يبعث على سلامة تلك الشرائع

 -الخاتمة – آية 285 والآية الأخيرة 286 (آيتين) التعريف بالذين استجابوا لهذه الدعوة الشاملة وبيان ما يرجى في آجلهم وعاجلهم.

2– تلى عرض نسق السورة عرض تفصيلي لكل جزء من أجزاء السورة السابق الإشارة إليها المقدمة – المقاصد – الخاتمة.

3- في عرضه لمقدمة السورة ربط بين أجزائها وانتقل من الحديث عن المؤمنين إلى الكافرين مشيرا إلى أن القرآن الكريم استخدم في هذا الانتقال ما يسميه علماء البلاغة بالاستئناف البياني ثم عطف رب العزة الطائفة الثالثة (المنافقون) على أختها لأنهم في التجافي عن الهدى مشتركون.

4- وضع خلافه مع المفسرين حول بعض الآيات في هوامش كتابه وليس في متن حديثه.
5- ربط بين الأجزاء الرئيسة وبعضها البعض والأجزاء الثانوية وبعضها البعض وبالجزء الرئيس.
6- ربط بين ختام السورة ومقدمتها وأوضح كيف تتجاوب مقدمة السورة في آياتها الخمس الأولى التي تتحدث عن الإيمان مع خاتمة السورة.

التفسير الموضوعي معجزة المعجزات

واختتم العلامة الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز ما أسماه عام 1957م بـ ” نظام عقد المعاني في سورة البقرة”

وما أسميناه بـ ” التفسير الموضوعي لسورة البقرة” اختتم تفسيره بكلمات بليغة بمعايشته للقرآن الكريم وتعمقه وتدبره في معانيه ونظمه:

“لعمري لئن كانت للقرآن في بلاغة تعبيره معجزات، وفي أساليب تربيته معجزات، وفي نبوءاته الصادقة معجزات، وفي تشريعاته الخالدة معجزات، وفي كل ما استخدمه من حقائق العلوم النفسية والكونية معجزات ومعجزات، لعمري إنه في ترتيب آياته على هذا الوجه لهو معجزة المعجزات”

شارك المقال: