علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
محمود إبراهيم عبد اللطيف

محمود إبراهيم عبداللطيف يكتب: الطريق لإصلاح التعليم

التعليم امانة ومسؤولية ان مستقبل الطلاب لا يصنعه التقرير المكتبي، ولا تحميه البيانات المعلبة، بل تصنعه المتابعة الجادة والعمل الصادق والقرارات المبنية على معرفة حقيقية بالواقع.

مشاركة:
حجم الخط:

المتابعة الميدانية

لا يمكن إصلاح العملية التعليمية من خلال تقارير تكتب عن طريق الهاتف أو رسائل الواتس اب، ولا يمكن معرفة حقيقة ما يحدث داخل المدارس من خلال أرقام وعبارات منمقة تصل إلى مكاتب المسؤولين.

فالتعليم عملية حية، تجري تفاصيلها كل يوم داخل الفصول والافنية والمكاتب، ولا يمكن رصد واقعها بدقة إلا من خلال النزول إلى الميدان، والاستماع إلى المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، ومشاهدة الأداء الحقيقي على الطبيعة.

المتابعة الميدانية ليست اجراء شكليا يؤديه المسؤول لاثبات حضوره، وليست زيارة معدة سلفا تنتهي بتوقيع في دفتر الزيارات والتقاط بعض الصور.

المتابعة الحقيقية هي وجود مسؤول يمتلك الشجاعة والقدرة على رؤية الواقع كما هو، لا كما يرغب البعض في تصويره.

هي ان يدخل المدرسة دون ترتيبات مبالغ فيها، وان يتفقد الفصول، ويتابع انتظام الدراسة، ويرصد مستوى الانضباط، ويتعرف على احتياجات المعلمين والطلاب، ويستمع إلى المشكلات التي لا تظهر في التقارير الرسمية.

محمود إبراهيم عبداللطيف يكتب:  إنصاف المعلم ضرورة وطنية

التقارير لا تكشف كل شيء

قد تحمل التقارير عبارات مثل انتظام العملية التعليمية، واستقرار الاوضاع، وسير العمل بصورة جيدة، بينما يكشف الواقع وجود عجز في المعلمين، او كثافة مرتفعة داخل الفصول، او قصور في الصيانة، او نقص في الوسائل التعليمية، او مشكلات ادارية لا تجد طريقها إلى المسؤولين.

المشكلة لا تكمن دائما في كتابة التقارير، بل في طريقة اعدادها والهدف منها.

فعندما يصبح التقرير وسيلة للحفاظ على المكانة الوظيفية، او لتجنب المساءلة، او لاظهار ان كل شيء يسير على ما يرام، يتحول التقرير من اداة للمتابعة والاصلاح إلى ستار يخفي الحقيقة.

وفي هذه الحالة لا تصل المعلومات الحقيقية إلى صانع القرار، فتتراكم المشكلات، وتتسع الفجوة بين ما يكتب في الاوراق وما يعيشه العاملون داخل المدارس.

المسؤول الذي لا يرى الواقع بنفسه قد يتخذ قرارات بعيدة عن احتياجات الميدان. وقد يوجه الموارد إلى اماكن لا تحتاجها، بينما تظل مدارس اخرى تعاني من مشكلات اساسية لم تصل إلى مكتبه، فقط لان احدا لم ينقلها اليه بصدق.

الميدان يكشف نقاط القوة والضعف

من خلال المتابعة الميدانية يمكن للمسؤول ان يتعرف على نقاط القوة التي تستحق الدعم والتعميم، كما يستطيع اكتشاف نقاط الضعف قبل ان تتحول إلى ازمات.

فقد يجد مدير مدرسة ينجح في تحقيق الانضباط رغم قلة الامكانات، او معلما يستخدم اساليب مبتكرة لجذب الطلاب، او فريقا مدرسيا يعمل بروح جماعية ويحقق نتائج جيدة.

وهذه النماذج لا ينبغي ان تظل مجهولة، بل يجب تقديرها والاستفادة من خبراتها.

وفي الوقت نفسه، تكشف الزيارة الميدانية اوجه القصور بوضوح. فقد تظهر مشكلة في حضور الطلاب، او ضعف في متابعة المعلمين، او سوء استغلال للموارد، او غياب للصيانة، او خلل في توزيع الحصص، او معاناة حقيقية يعيشها الطلاب ولا يستطيعون التعبير عنها في التقارير الرسمية.

المتابعة الميدانية تمنح المسؤول صورة متكاملة، لانها لا تكتفي بسؤال الادارة، بل تتيح له مقارنة ما يقال بما يراه ويسمعه. ومن هنا تصبح القرارات اكثر واقعية، وتصبح خطط الاصلاح مرتبطة باحتياجات حقيقية لا بتقديرات مكتبية.

لا اصلاح بلا مواجهة

ان حماية المسؤول لمكانته الوظيفية من خلال تجميل الواقع تضر بالمؤسسة التعليمية وتضر به شخصيا قبل غيره.

فالمسؤول الناجح ليس من يقدم تقارير ترضي رؤساءه، بل من ينقل الحقيقة كاملة، بما فيها من نجاحات واخفاقات، ويقترح حلولا قابلة للتنفيذ.

ليس عيبا ان توجد مشكلات داخل المدارس، فالعيب الحقيقي هو اخفاؤها او انكارها. ولا يمكن لاي مؤسسة ان تتطور اذا كانت تخشى الاعتراف بنقاط ضعفها.

فالاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الاولى نحو علاجها، اما التستر عليها فيمنحها فرصة للنمو والانتشار.

ولهذا يجب ان يشعر كل مسؤول ميداني ان مهمته الاساسية هي الاصلاح لا التبرير، وان نقل الحقيقة لا يعاقب عليه، ما دام مصحوبا بالمسؤولية والرغبة في الحل. كما يجب ان تخضع التقارير المكتوبة للمراجعة والمقارنة بما يتم رصده خلال الزيارات الفعلية، حتى لا يصبح التقرير بديلا عن الواقع.

رسالة إلى القيادات التعليمية

اناشد كبار المسؤولين عن العملية التعليمية ان يحثوا القيادات التعليمية في كل مديرية على النزول المستمر إلى المدارس، لا في المناسبات او عند حدوث الازمات فقط، بل وفق خطة واضحة ومنتظمة تشمل جميع الادارات والمدارس.

نحتاج إلى زيارات حقيقية لا شكلية، وزيارات مفاجئة لا معدة سلفا، وقيادات تستمع قبل ان تصدر الاحكام.

نحتاج إلى مسؤول يرى الفصل كما يراه المعلم، ويستمع إلى الطالب كما يستمع إلى المدير، ويتعامل مع ولي الامر باعتباره شريكا في العملية التعليمية لا طرفا مزعجا.

كما نحتاج إلى ان تتحول الزيارة الميدانية إلى اداة متابعة وتطوير، لا إلى وسيلة لتصيد الاخطاء والعقاب فقط. فالمسؤول الذي ينزل إلى الميدان يجب ان يقدم الدعم، ويزيل العقبات، ويتابع تنفيذ الحلول، لا ان يكتفي بتسجيل الملاحظات ثم يغادر.

التعليم امانة ومسؤولية

ان مستقبل الطلاب لا يصنعه التقرير المكتبي، ولا تحميه البيانات المعلبة، بل تصنعه المتابعة الجادة والعمل الصادق والقرارات المبنية على معرفة حقيقية بالواقع.

وكل يوم يمر دون متابعة ميدانية فعالة يعني ان هناك مشكلات قد تستمر، وطاقات قد تهدر، وفرصا للاصلاح قد تضيع.

القيادات التعليمية مطالبة اليوم بان تقترب من المدارس، وان تخرج من المكاتب، وان ترى بعينها كيف تدار العملية التعليمية.

فالميدان هو المصدر الاول للحقيقة، والمدرسة هي المكان الذي يجب ان تبدأ منه كل خطة للاصلاح.

ومن يريد ان ينهض بالتعليم فعليه ان يسمع صوت الواقع، لا صدى التقارير.

فالمتابعة الميدانية ليست رفاهية ادارية، بل ضرورة لا غنى عنها، وشرط اساسي لمعرفة الحقيقة، وتحديد الاولويات، ودعم نقاط القوة، ومعالجة نقاط الضعف، وبناء تعليم يليق بابنائنا ومستقبل وطننا.

شارك المقال:

شاركنا برأيك