محمود إبراهيم عبداللطيف يكتب: إنصاف المعلم ضرورة وطنية
إن دعم المعلم لا يقع على عاتق وزارة التربية والتعليم وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة بين الدولة والبرلمان ووزارة المالية والإدارات التعليمية والمجتمع كله
وزير التعليم يكرم مديرة المدرسة والناظر
مقدر وزير التربية والتعليم المصري على رسائله الواضحة التي أكدت أن المعلم هو الركيزة الأساسية للعملية التعليمية، وأن كرامته ليست محلا للتهاون أو الانتقاص.
التأكيد على أن كرامة المعلمين ومديري المدارس (خط أحمر) يمثل موقفا مهما يعيد الاعتبار إلى أصحاب الرسالة، خصوصا بعد ما تعرض له بعض المعلمين من مواقف أو تصريحات صدرت عن مسؤولين بصورة لا تليق بمكانتهم ودورهم.
احترام المعلم ليس مجاملة، ولا شعارا يرفع في المناسبات، بل هو ضرورة وطنية وتربوية.
فالمعلم هو الذي يصنع وعي الأجيال، ويبني شخصية الطالب، ويغرس قيم الانتماء والانضباط والمسؤولية.
ومن ثم، فإن أي إساءة إلى المعلم لا تمس شخصه وحده، وإنما تمس هيبة التعليم، وتضعف ثقة المجتمع في واحدة من أهم مؤسساته.
لكن المعلم لا يحتاج إلى كلمات فقط
لا شك أن التقدير المعنوي يرفع الروح المعنوية للمعلم، ويمنحه شعورا بأن جهده محل احترام وتقدير. لكن هذا التقدير، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلا عن التقدير المادي العادل.
فالمعلم يواجه أعباء متزايدة، داخل المدرسة وخارجها من تحضير الدروس، وتصحيح الأعمال، ومتابعة الطلاب، والمشاركة في أعمال الامتحانات والأنشطة، إلى جانب أعباء المعيشة والانتقال والتطوير المهني المستمر.
ولذلك فإن مطالبة المعلمين بتحمل المزيد من المسؤوليات دون تحسين حقيقي ومستدام لدخولهم تضعف قدرتهم على الاستمرار، وتؤثر في جودة أدائهم، مهما بلغ إخلاصهم وانتماؤهم.
وقد شهدت الفترة الأخيرة إجراءات لتحسين مستحقات المعلمين، من بينها زيادات وحوافز إضافية، كما أُعلن عن حافز تدريس إضافي يصل إجماليه إلى 2100 جنيه وفقا للبيانات المنشورة.
وهذه خطوات إيجابية ينبغي البناء عليها، لكنها تحتاج إلى أن تتحول من قرارات متفرقة إلى سياسة مستدامة وواضحة يشعر بها المعلم في دخله الحقيقي وفي مستوى معيشته.
التعليم استثمار لا نفقة
ينبغي أن تنظر الدولة إلى الإنفاق على المعلم باعتباره استثمارا في مستقبل الوطن، لا عبئا على الموازنة.
فالدول لا تتقدم بكثرة المباني والمناهج فقط، وإنما بكفاءة الإنسان الذي ينفذ العملية التعليمية ويحول المعرفة إلى سلوك وقدرة وإبداع.
ومن هنا، فإن تحسين أوضاع المعلمين يجب أن يقوم على رؤية شاملة تتضمن:
وضع جدول زمني معلن لتحسين رواتب المعلمين بصورة تدريجية ومنتظمة.
ربط الأجور بمعدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
مراجعة قيمة الحصص الإضافية وأعمال الامتحانات والأنشطة بما يتناسب مع الجهد المبذول.
انتظام صرف الحوافز والمكافآت دون تأخير أو تعقيدات إدارية.
تحقيق العدالة بين المعلمين في مختلف المحافظات والمراحل التعليمية.
توفير رعاية صحية واجتماعية حقيقية للمعلم وأسرته.
دعم التدريب المهني باعتباره حقا للمعلم، لا عبئًا إضافيا عليه.
تكريم المعلمين المتميزين وفق معايير عادلة وشفافة، مع منحهم حوافز حقيقية.
وقد أشارت مطالب برلمانية حديثة إلى أن تحسين أوضاع المعلمين لا ينبغي أن يقتصر على زيادة المرتبات، بل يجب أن يشمل منظومة الحوافز والمكافآت ومقابل الحصص الإضافية والأنشطة وأعمال الامتحانات.
وهذا هو المدخل الصحيح للإصلاح لأن المشكلة ليست في قيمة الراتب وحدها، وإنما في كامل البيئة الاقتصادية والإدارية والمهنية التي يعمل داخلها المعلم.
المسؤولية مشتركة
إن دعم المعلم لا يقع على عاتق وزارة التربية والتعليم وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة بين الدولة والبرلمان ووزارة المالية والإدارات التعليمية والمجتمع كله.
كما أن احترام المعلم يبدأ من الخطاب الرسمي، ثم ينعكس على أسلوب الإدارة داخل المدارس، وعلى تعامل أولياء الأمور والطلاب معه.
ولا بد من وضع ضوابط واضحة تمنع الإساءة إلى المعلمين أو التقليل من شأنهم، مع محاسبة كل من يتجاوز في حقهم، وفي الوقت نفسه دعم المعلم الملتزم وتطوير قدراته ومحاسبة المقصر وفق قواعد مهنية عادلة.
فحماية كرامة المعلم لا تعني إلغاء المساءلة، كما أن المساءلة لا تبرر الإهانة أو التشهير أو التعميم.
إن المعلم يحتاج إلى أن يشعر بأنه شريك حقيقي في صناعة القرار التعليمي، لا مجرد منفذ لتعليمات متغيرة.
ولذلك فإن الاستماع إلى صوته، وإشراكه في تطوير المناهج وتقييم السياسات، ومعرفة التحديات اليومية التي يواجهها، أمور لا تقل أهمية عن زيادة راتبه.
كلمة إلى الدولة والمجتمع
إن المعلم المصري أثبت، ولا يزال يثبت، أنه يتحمل مسؤولية كبيرة في أصعب الظروف.
وقد وصفه وزير التربية والتعليم بأنه «بطل» يحمل على عاتقه مستقبل الوطن، وهي رسالة تقدير مهمة يجب أن تتبعها سياسات عملية تضمن له حياة كريمة ومكانة تليق برسالته.
لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أكثر من الإشادة تحتاج إلى خطة واضحة، وتمويل مستدام، وعدالة في توزيع الموارد، وقرارات يشعر بها المعلم في حياته اليومية.
فالمعلم الذي يعاني ماديا ونفسيا يصعب أن نطالبه وحده بصناعة طالب مبدع ومتزن وقادر على المنافسة.
إن إنصاف المعلم ليس مطلبا فئويا، بل قضية وطنية.
وكل جنيه ينفق على تحسين أوضاعه هو استثمار في عقل طفل، وفي استقرار أسرة، وفي قدرة مجتمع كامل على التقدم.
وإذا كانت الدولة تريد إصلاحا حقيقيا للتعليم، فعليها أن تبدأ من المعلم:
احتراما، وتأهيلا، وحماية، وتقديرا ماديا ومعنويًا.
فلا تعليم قويا من دون معلم مكرم، ولا مستقبلا آمنا من دون منظومة تعليمية تحظى بالدعم الذي تستحقه.
شاركنا برأيك