حسن مدبولي يكتب: الفارق بين عون والسادات
في التاسع من نوفمبر عام 1977، قال الرئيس المصري الراحل أنور السادات عبارته الشهيرة: “إنني مستعد أن أذهب إلى أي مكان من أجل السلام… حتى إلى الكنيست نفسه”

أنور السادات الرئيس المصري الأسبق (أرشيف)
زيارة السادات للكيان مشروع سياسي متكامل
في التاسع من نوفمبر عام 1977، قال الرئيس المصري الراحل أنور السادات عبارته الشهيرة: “إنني مستعد أن أذهب إلى أي مكان من أجل السلام… حتى إلى الكنيست نفسه”. لم تكن جملة عابرة أو نزوة خطابية، بل كانت إعلانًا صريحًا عن مشروع سياسي متكامل، يستند إلى ميزان قوة نسبي صنعته حرب أكتوبر ودوره وقيادته لها ، ويتجه نحو هدف محدد لا لبس فيه وهو استعادة الأرض مقابل السلام، وهو المسار الذي تُرجم لاحقًا إلى اتفاقية كامب ديفيد وما تلاها، سواء اتفقنا أو اختلفنا على نصوصها او كنا رافضين من الأساس لمبدأ التفاوض مع العدو.
جوزيف عون يكرر الموقف بعد 47 عاما
بعد ما يقرب من نصف قرن، وفي السابع عشر من أبريل 2026، يكرر الرئيس اللبناني جوزيف عون العبارة نفسها تقريبًا، معلنًا استعداده للذهاب إلى أي مكان من أجل السلام، وكأن التاريخ يُستدعى بالصياغة ذاتها.
لكن فى الحقيقة فمن يدقق فى هذا التشابه سيجده خادع إلى حد الفجاجة، لأن ما يبدو اقتباسًا للتجربة الساداتية هو في الواقع تفريغ لها من مضمونها.

السادات ظرف مغاير
فالسادات قال عبارته التاريخية وهو يمتلك ما يجعلها قابلة للتحول إلى فعل، من هدف واضح، وأداة ضغط، وقرار سيادي مركزي قادر على تنفيذ ما يُتخذ.
ولم يكن يتحدث عن “حل المشكلة” بصيغة فضفاضة، بل عن صفقة محددة المعالم، يعرف ماذا يريد منها، وما الذي سيقدمه في مقابلها. وسط قبول شعبى نسبى واسع، ومعارضة سياسية محسوبة تزيد من قوة المبادرة ولاتضعفها.
ماذا يريد عون وعن أي سلام يتكلم؟
أما في الحالة اللبنانية، فإن العبارة ذاتها تصدر في سياق مغاير تمامًا، حيث الدولة مأزومة، والقرار موزع بين أطراف متعددة، وانقسام وتشرذم طائفى يكاد يصل لحرب أهلية، كما أن الهدف نفسه غير محدد بدقة، بحيث يتحول “السلام” إلى عنوان عام لا يجيب عن أسئلة جوهرية.
فأي سلام؟ وبأي شروط؟ وبأي ثمن؟ ومن يملك أصلًا سلطة الذهاب إليه ويتجاهل فى الوقت نفسه انه كان عاجزا -لانقول متواطئا- وقت العدوان والألم.
مضمون الفارق السياسي بين موقف السادات وموقف عون
غير أن الفارق لا يتوقف عند حدود السياق، بل يتجلى بحدة أكبر في مضمون الخطاب السياسى ذاته.
فبينما حرص السادات—رغم كل ما أُخذ عليه—على ألا يبدأ مساره بتفجير جبهته الداخلية أو بنزع الشرعية عن قوى فاعلة داخل مجتمعه.
حسن مدبولي يكتب: بين غزة وطهران
حسن مدبولي يكتب: الشيعى والسني
حسن مدبولي يكتب: نداء للوحدة والمواجهة فى فلسطين
حسن مدبولي يكتب: مصر تحت الهيمنة الرومانية
خطايا عون الثقيلة
جاء خطاب عون ليقع مباشرة في هذا المأزق، حين انزلق إلى توصيفات صدامية لدور قوى لبنانية قائمة، وعلى رأسها حزب الله، الذى يمثل أكثر من ثلث الشعب اللبنانى ، واصفًا إياه بما يفهم منه قطاع واسع من اللبنانيين على أنه تجريد لدور الحزب واختزال لتاريخه في مجرد “مغامرة” أو عمل لحساب الآخرين( ايران)
هذه خطيئة سياسية ثقيلة، لأنها تتجاهل واقعًا لا يمكن شطبه بخطاب وهى أن الجنوب اللبناني لم يتحرر ببيانات دبلوماسية، ولاحتى بنيران رسمية.
لكن لبنان تحرر عبر مسار مقاومة شعبية مجاهدة تحملت وحدها التضحيات والأثمان ، ووقع عبئه على عاتق أهل الجنوب وحدهم ، ودُفعوا ثمنه دمًا ومعاناة.
كما أن ما يجري اليوم لا ينفصل عن سياق إقليمي أوسع، يتصل—في جانب منه—بردود فعل على ما يحدث في غزة، بكل ما يحمله ذلك من أبعاد إنسانية وسياسية لا يمكن اختزالها أو القفز فوقها،ناهيك عن ازدرائها والتلميح بأن مساندتها سببا لما يحدث للبنان.
وضع لبنان السياسي مختلف
الأخطر من ذلك أن الخطاب، وهو يعلن استعدادًا مفتوحًا للذهاب “إلى أي مكان”، يتجاهل حقيقة أن لبنان ليس دولة بقرار واحد، بل ساحة تتقاطع فيها توازنات داخلية وإقليمية معقدة، بحيث يصبح الحديث عن السلام أو الحرب خارج هذا الإطار أقرب إلى القفز في الفراغ.
فكيف يمكن بناء مسار تفاوضي في الخارج، بينما الداخل نفسه منقسم في توصيف الصراع، وفي تحديد من يملك قرار المواجهة أو التهدئة؟
وأي معنى لمرونة دبلوماسية تُطرح بلغة تصادمية داخليًا، فتُحوّل الخلاف السياسي إلى شبه قطيعة وطنية؟

السادات تحرك في سياق مختلف
بينما في المقابل، كان السادات يتحرك—سواء اتُفق معه أو اختلف—داخل معادلة واضحة: حرب أعادت ترتيب أوراق القوة، تلتها مبادرة سياسية، ثم مفاوضات انتهت إلى نتائج ملموسة. لم يذهب إلى السلام باعتباره شعارًا، بل باعتباره خيارًا له ثمن وله مقابل، ولم يقدّم مبادرته كاستجابة لضغط داخلي مفكك، بل كقرار دولة تملك أدوات تنفيذ ما تقرره.
لا مقارنة في الحالتين
لذلك، فإن المقارنة بين العبارتين لا تكشف تشابهًا بقدر ما تفضح اختلافًا جذريًا بين من كان يمتلك مشروعًا ويسير نحوه، ومن يطلق استعدادًا عامًا دون أن يحدد مساره أو يملك كامل أدواته.
إن المسافة بين السادات وعون شاسعة، لا تختصرها الكلمات، بل تحددها حقائق القوة، ووحدة القرار، ووضوح الهدف، والقدرة على دفع كلفة الاختيار.
هناك من قالها وهو يعرف إلى أين يذهب ولماذا، وهناك من يقولها اليوم بينما تظل الأسئلة الكبرى معلقة بلا إجابة، وهو ما يجعل التشابه في العبارة مجرد قشرة لغوية، تخفي وراءها اختلافًا عميقًا في الجوهر والنتائج.






