محمد فرحات يكتب: مشانق دنشواي المضادة “إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول” (7)
بطرس باشا غالي أحد أبرز رجال الدولة في مصر خلال سنوات الاحتلال البريطاني، وقد تولى رئاسة المحكمة المخصوصة التي شُكلت للنظر في قضية دنشواي بحكم موقعه القائم بأعمال ناظر الحقانية آنذاك.

صورة تعبيرية للمقال
في دنشواي نصبت مشانق للفلاحين، لكن نصبت مشانق أخرى غير مرئية للجلادين في الذاكرة والضمير والتاريخ الوطني.
مشانق لا تُرى، لكنها تبقى أطول عمرًا من الحبال والخشب والسياط، تبقى كشاهد على خطيئة لا تغتفر.
والتقى الغريمان في منتصف الطريق
فها هو الهلباوي يغوص بكل ذرة من كيانه في تلك الخيانة لبني وطنه، وها هو سعد زغلول بدوره يجد نفسه متورطًا في مأساة من نوع آخر، إذ تورط شقيقه فتحي زغلول في القضية نفسها، ليصبح الجرح هنا أكثر قسوة، لأنه لم يعد جرح السياسة، وإنما جرح الرحم و الدم.
لم يكن الخصوم دائمًا على طرفي نقيض كما يبدو من بعيد، فقد جمعتهم دنشواي جميعًا تحت سقف واحد من المرارة والقسوة، لكن كلًّا بطريقته الخاصة.
الهلباوي وقف هناك يحمل بلاغته وحججه، وفتحي زغلول جلس بين أعضاء المحكمة، بينما وقف سعد في مكان أكثر قسوة من الجميع؛ في المسافة الواقعة بين الأخ والوطن.
فما أثقل أن يختلف الإنسان مع خصومه، وما أشد وطأة أن يختلف مع شقيقه، بل ودمه.
قاطع سعد شقيقه فتحي بعد الحادثة، وبقيت تلك الندبة ساكنة في نفسه سنوات طويلة.
وكأن الرجل الذي سيهتف له المصريون لاحقًا: “سعد، سعد، يحيا سعد…”، كان عاجزًا آنذاك عن الانتصار على حزنه الشخصي وتمزقع بين الشقيق الحبيب والوطن المنكسر.
محمد فرحات يكتب: إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول (6)
محمد فرحات يكتب: إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول (5)
ويكتب سعد زغلول في مذكراته:
“تنوعت أفكاري في شأن فتحي، فتارة كنت أفكر أنه لم يفعل ما نُسب إليه فأشفق عليه، وتارة أفكر أنه فعل ما قيل عنه فأحزن وأغتم لوقوعه في هذه السقطة.”
ثم يكتب في موضع آخر بكلمات تبدو أقرب إلى اعتراف موجع منها إلى مذكرات سياسية:
“كلما تصورت أن الناس الذين اتصلت بهم هذه الحادثة يتصورون أن في دمنا الخيانة للأصدقاء، دارت رأسي وخنقني البكاء.”
لم يكن سعد يبكي فتحي وحده، بل كان يبكي فكرة أشد قسوة؛ أن يتحول خلاف سياسي إلى وصمة عائلية، وأن يخشى الرجل أن يقال يومًا إن الخيانة قد أصبحت شيئًا يجري في دمهم.
بطرس باشا غالي.. الرجل الذي لاحقه ظل دنشواي
كان بطرس باشا غالي أحد أبرز رجال الدولة في مصر خلال سنوات الاحتلال البريطاني، وقد تولى رئاسة المحكمة المخصوصة التي شُكلت للنظر في قضية دنشواي بحكم موقعه القائم بأعمال ناظر الحقانية آنذاك.
لكن تلك الرئاسة لم تكن مجرد منصب إداري عابر في حياته السياسية؛ إذ تحولت إلى نقطة فاصلة ظلت تلاحقه حتى نهاية حياته.

فمنذ لحظة صدور الأحكام، ارتبط اسمه في الوعي الوطني المصري بالمشهد الذي لم يغادر ذاكرة الناس:
مشانق نُصبت في القرية، وأحكام بالإعدام والجلد والأشغال الشاقة نُفذت بسرعة أثارت غضبًا واسعًا.
ولم يعد بطرس باشا في نظر المصريين مجرد رئيس لمحكمة، بل أصبح رمزًا لمرحلة رأى الجميع أنها شهدت امتزاج القانون بإرادة السلطة السياسية والاحتلال.
لكن الجدل حوله لم يتوقف عند هذا الحد، فقد حاول بعض المؤرخين لاحقًا التمييز بين مسؤوليته السياسية المباشرة وبين طبيعة المحكمة نفسها، إذ أشاروا إلى أن أغلبية أعضائها كانوا من البريطانيين وأن رئاسته لها جاءت بحكم القانون والمنصب.
في المقابل، رأى منتقدوه أن مجرد ترؤسه للمحكمة وتوقيعه على أحكامها جعله شريكًا في المسؤولية التاريخية عنها.
ولهذا بقي اسمه لسنوات طويلة مرتبطًا بدنشواي أكثر من ارتباطه بأي منصب آخر شغله في حياته السياسية.
ولعل الدليل على عمق الأثر الذي تركته القضية أن شبح دنشواي ظل حاضرًا حتى بعد سنوات من وقوعها، وأصبح جزءًا من الجدل الذي أحاط بشخصية بطرس باشا غالي وسيرته السياسية حتى اغتياله لذات السبب عام 1910.
حين رأى بعض معاصريه أن الحادثة لم ولن تغادر ذاكرة الشارع المصري أبدًا حتى الآن مازالت تلاحق عائلة غالي العتيدة في الدبلوماسية والاقتصاد.

أحمد فتحي زغلول.. حين غطّى دنشواي على ما قبله
كان أحمد باشا فتحي زغلول واحدًا من أبرز رجال القانون والفكر في جيله، وشخصية جمعت بين العمل القضائي والإنتاج الفكري والترجمة والنشاط العام.
وقد ارتبط اسمه في شبابه بالثورة العرابية، كما شارك مع الإمام محمد عبده في عدد من الجهود الإصلاحية والاجتماعية، وأسهم في دعم العمل الأهلي والثقافي.
وفي المجال القانوني كان من رجال القضاء الذين شاركوا في صياغة وتطوير عدد من التشريعات والقوانين في مصر خلال مرحلة شهدت إعادة تشكيل البنية الإدارية والقضائية للدولة.
ولم يقتصر نشاطه على العمل القانوني وحده، بل كان له حضور فكري واضح كمترجم وكاتب.
فقد نقل إلى العربية عددًا من المؤلفات الغربية المهمة في الفكر والسياسة والاجتماع، ونال تقديرًا في الأوساط الثقافية لما عُرف عنه من سعة اطلاع وإتقان للغتين الفرنسية والإنجليزية.
وكان من أشهر ما ارتبط باسمه ترجمته لكتاب “سر تقدم الإنجليز السكسونيين”، إضافة إلى أعمال أخرى عكست اهتمامه بقضايا النهضة والتقدم وأسباب تفوق الأمم.
لكن حياة أحمد فتحي زغلول السياسية والفكرية وقفت أمام منعطف حاد سنة 1906.
فقد أصبح عضوًا في المحكمة ومنذ تلك اللحظة لم يعد اسمه في الوجدان الوطني مرتبطًا فقط بإنجازاته القانونية والفكرية والثقافية، بل التصق به أيضًا دوره في واحدة من أكثر القضايا إثارة للغضب في تاريخ مصر الحديث.
ورأى المصريون في ذلك الوقت أن مشاركته في المحكمة كانت خطأ سياسيًا وأخلاقيًا فادحًا، وأن الرجل الذي أسهم في العمل الوطني والإصلاحي وجد نفسه في موقع الانحياز إلى سلطة الاحتلال وممثليها.
ولهذا أصبحت دنشواي في نظر قطاع واسع من المصريين الحدث الذي طغى على بقية فصول سيرته، تمامًا كما ارتبط اسم الهلباوي بمرافعته ضد فلاحي القرية رغم تاريخه السياسي السابق.
وقد ظل هذا الموقف يلاحق صورته حتى سنواته الأخيرة،
فكلما ذُكر اسمه عادت دنشواي إلى الواجهة من جديد.
بل إن خصوم شقيقه سعد زغلول استخدموا مرارًا سيرة أحمد فتحي زغلول للطعن في الأسرة سياسيًا، في محاولة لربط الماضي بالحاضر.
وهكذا بقي الرجل بين صورتين متناقضتين:
صورة المترجم والمثقف ورجل القانون، وصورة القاضي الذي شارك في المحكمة التي حكمت على فلاحي دنشواي.
لعل موقف أحمد بك شوقي يصور ما كان عليه الضمير الوطني الشعبي، عندما دُعي أمير الشعراء أحمد شوقي بك للمشاركة في احتفال أُقيم تكريمًا لفتحي زغلول باشا بمناسبة تعيينه وكيلاً لوزارة الحقانية.
لم يبدِ أي تأييد للفكرة، بل تعامل معها بسخرية لاذعة، إذ رأى أن من يقف ضد الشعب لا يستحق التكريم.
وبشجاعة كبيرة، ومن دون خوف من نفوذ الباشا أو سلطة الحكومة والاحتلال، بعث إلى الحفل ـ الذي كان مقررًا إقامته في فندق شبرد ـ بهذه الأبيات الشهيرة:
إذا ما جمعتم أمركم وهممتموا / بتقديم شيء للوكيل ثمين
خذوا حبل مشنوق بغير جريرة / وسروال مجلود، وقيد سجين
ولا تعرضوا شعري عليه فحسبه / من الشعر حكم خطه بيمين
ولا تقرأوه في (شبرد) بل اقرأوا / على ملأ في دنشواي حزين.
محمد الشاذلي.. العمدة الذي لاحقته ظلال دنشواي
كان محمد الشاذلي عمدة قرية دنشواي وقت وقوع الحادثة عام 1906، وبحكم موقعه الإداري كان حلقة الوصل الطبيعية بين أهل القرية والسلطات الحكومية من جهة، وبين الضباط البريطانيين من جهة أخرى.
وقد ارتبط اسمه في كثير من الروايات التاريخية والشعبية بالدور الذي سبق اندلاع الأزمة، إذ كانت زيارة الضباط البريطانيين لصيد الحمام تتم في إطار ترتيبات محلية شاركت فيها الإدارة الريفية آنذاك.
لكن اسم العمدة لم يبرز في الذاكرة الشعبية بسبب هذه الترتيبات وحدها، بل بسبب ما تلا الحادثة من اتهامات وشهادات.
فقد تحدثت روايات متداولة عن وجود خلافات سابقة بينه وبين الشيخ حسن علي محفوظ، أحد أبرز رجال عائلة محفوظ في القرية، وهي العائلة التي نال عدد من أبنائها النصيب الأكبر من الأحكام القاسية الصادرة عقب الحادثة.
وذهب بعض من كتبوا عن دنشواي لاحقًا إلى أن تلك الخصومات القديمة ربما ألقت بظلالها على مسار الاتهامات والتحقيقات، غير أن حجم هذا التأثير ومداه ظل محل جدل بين المؤرخين.
وتذكر بعض الشهادات أن العمدة لعب دورًا مؤثرًا في تحديد أسماء المشتبه بهم أو توجيه الأنظار نحو بعض العائلات داخل القرية.
بينما يرى آخرون أن سلطة التحقيق والمحاكمة كانت في النهاية بيد أجهزة الإدارة والاحتلال والمحكمة المخصوصة.
ولهذا يصعب الجزم بكل التفاصيل التي أضيفت إلى الرواية الشعبية لاحقًا، وإن كان المؤكد أن قطاعًا واسعًا من أهالي دنشواي حمّل العمدة نصيبًا من المسؤولية عما جرى.
أما أكثر المشاهد التي التصقت باسمه في الذاكرة الشعبية فكانت الرواية المرتبطة بلحظة تنفيذ أحكام الإعدام.
فقد تناقلت بعض الكتابات وشهادات معاصرة للحادثة أن الشيخ حسن علي محفوظ، وقبل تنفيذ الحكم فيه، وجّه كلمات غاضبة ودعوات على من اعتبرهم سببًا في ما حل به وبأهله.
وتختلف الصياغات المنقولة لهذه الكلمات بين مصدر وآخر، لكن المعنى الذي بقي حاضرًا في الوجدان الشعبي كان واضحًا: شعور رجل يرى نفسه ضحية ظلم في لحظاته الأخيرة.
ومع مرور الزمن، تحولت شخصية محمد الشاذلي في كثير من السرديات الوطنية إلى نموذج رمزي للرجل الذي وُضع بين سلطتين.
سلطة منصبه الإداري وسلطة مجتمعه المحلي، وهي صورة امتزج فيها التاريخ بالذاكرة الشعبية حتى أصبح من الصعب الفصل بين الوقائع المؤكدة وما أضافته الروايات المتوارثة لاحقًا






